رأي

إعادة بناء العقل السياسي السوداني: من خطاب الكراهية إلى الدولة الوطنية المدنية

المهندس طارق حمزة زين العابدين

تمثل مبادرة «إعادة بناء وإعمار العقل السياسي السوداني» ضرورة وطنية ملحّة في سياق سنواتٍ من الصراع، وعسكرة الحياة السياسية، وتآكل مؤسسات الدولة، وهي ظروف أسهمت في ترسيخ أنماط من التفكير الصفري، وتغذية سرديات المؤامرة، وجعل العنف أداةً رئيسية في إدارة التنافس السياسي. ومن ثم، فإن إعادة بناء العقل السياسي لا تعني مجرد مراجعة الأفكار السائدة، بل تعني الانتقال من منطق الحكم الشخصي والولاءات الفئوية إلى ثقافة تستند إلى المؤسسات، والمواطنة، والمساءلة.

 

ويكتسب تناول خطاب الكراهية في إطار الدولة الوطنية أهمية خاصة في السودان، لأن هذا الخطاب لم يكن مجرد انعكاس للتوترات الاجتماعية، بل أصبح في كثير من الأحيان أداةً تستخدمها النخب السياسية لتعبئة الأنصار على أسس إثنية أو قبلية أو جهوية. والخطورة هنا أن خطاب الكراهية لا يعبّر فقط عن الانقسام، بل يعيد إنتاجه ويعمّقه، بما يقوض الإحساس المشترك بالهوية الوطنية ويفتح الباب أمام تبرير الإقصاء والعنف ضد “الآخر”.

 

ومن أبرز التحديات التي تواجه السودان اليوم فكّ الارتباط بين التنافس السياسي وسياسات الهوية. فعندما تُبنى الشرعية السياسية على شيطنة جماعات بعينها، تتراجع فرص قيام دولة مدنية حديثة تتسع للجميع. لذلك فإن التصدي لخطاب الكراهية ليس مجرد موقف أخلاقي، بل هو شرط استراتيجي لبناء دولة وطنية قادرة على إدارة التعددية، واحتواء النزاعات، وتأسيس المجال العام على قواعد قانونية ومؤسسية بدلًا من التعبئة العدائية.

 

كما أن إعادة بناء العقل السياسي تقتضي مراجعة السرديات المهيمنة في الإعلام، والتعليم، والخطاب الديني، لأن استمرار هذه الفضاءات في إعادة إنتاج روايات إقصائية تمجّد جماعة وتجرّم أخرى يجعل أي إصلاح دستوري أو مؤسسي هشًا وقابلًا للانتكاس.

 

ولا يمكن لأي مشروع سلام مستدام أن ينجح من دون بناء سردية وطنية جامعة تعترف بالتنوع السوداني، ولكنها في الوقت نفسه ترفض تحويل هذا التنوع إلى أساس دائم للانقسام والصراع.

 

وفي هذا السياق، يبرز دور المفكرين ومراكز البحوث والسياسات بوصفهم فاعلين قادرين على الربط بين التشخيص الفكري وصناعة البدائل العملية. فمن خلال تحليل أنماط خطاب الكراهية، وتتبع جذوره في التاريخ والبنية السياسية والاقتصادية، واقتراح استجابات تشريعية وتعليمية وإعلامية، يمكن نقل النقاش من مستوى ردود الفعل الآنية إلى مستوى بناء استراتيجية وطنية متماسكة تعزز اللحمة الاجتماعية وتعيد تأسيس الدولة على أسس أكثر عدالة وشمولًا.

 

وفي نهاية المطاف، فإن مواجهة خطاب الكراهية هي جزء من مشروع أوسع لإعادة تعريف الشرعية السياسية في السودان. فالشرعية لا ينبغي أن تُستمد من القدرة على بث الخوف أو حشد الجماعات المسلحة، بل من القدرة على حماية المواطنين على قدم المساواة، وصون سيادة القانون، وصياغة رؤية وطنية مشتركة للمستقبل. ومن هذه الزاوية، يصبح العمل على «العقل السياسي السوداني» عملًا على القاعدة التي ستقوم عليها الدولة السودانية القادمة: إما دولة تستمر في إعادة إنتاج الإقصاء والعنف، أو دولة مدنية وطنية جامعة وخاضعة للمساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى