فى ذكرى الراحل المقيم السفير عبد الهادي الصديق

السفير عبد المحمود عبد الحليم
جاءت حرمه ”عطور ” لإيقاظه فوجدت أن قاربه قد أبحر للضفة الأخرى، وعلى صدره كتاب كان يطالعه ..
رحم الله السفير والأديب الرقم عبد الهادي الصديق “صاحب الامارة والسفارة ” .. إمارة الأدب والدبلوماسية حسب وصف الاستاذ محمد المهدي المجذوب.. فأما الدبلوماسية فقد عمل بسفارات السودان بالجزائر وبيروت وتشاد وواشنطن وألمانيا وسفيراً بأفريقيا الوسطى ومالي وكان من مختصي القضايا الأفريقية والقوة الناعمة .. وأما إمارة الأدب فقد تفتح نبوغه مبكرا وكان من مؤسسي أبادماك ومحاضراً بمعهد الموسيقى والدراما وعمل باتحاد الكتاب السودانيين وظل يكتب بصفة راتبة بصحيفة الصحافة ومن مقالاته الشهيرة “النيل يجري جنوبا” عند زيارة أم كلثوم للسودان ، وقدم مع كابلي وليلى المغربي البرنامج الشهير “فكر وإيقاع” ومن حلقاته التي أذكرها والتي شجعت تجارب الأداء الجماعي تلك التي ضمت كابلي وأبوعركي وخليل إسماعيل لأداء أغنية “يلاك ياعصفور ” ، و قدم كذلك البرنامج التلفزيوني “بعد الرحيق” ، ومن مؤلفات السفير عبد الهادي: (أصول الشعر السوداني- الشعر السوداني المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية – الحزام السوداني – السودان والأفريقانية – عناق الأشرعة مقاربة نقدية بين سيد درويش وخليل فرح – نقوش على قبر الخليل – قراءة في قصيدة الجمال مقاربة نقدية بين “النائم المسحور” للتيجاني يوسف بشير و “باليه الجمال النائم ” لتشايكوفسكي – حداثة الموروث – عزف منفرد على الرصاص).
عبد الهادي والأفريقانية :
شغل موضوع السودان وأفريقيا ودور السودان في القارة ، فكراً وتاريخاً وإنجازاً وقَدَراً ومصيراً ، مساحة كبرى فى حياة السفير عبد الهادي الفكرية والمهنية، وكان كتابه “السودان والأفريقانية” أحد إنجازات الفقيد الباهرة التي ملأت فراغاً بيناً، وكان من الإصدارات التى وجدت رواجاً كبيراً داخل السودان وخارجه، ولايزال الموضوع يستقطب اهتماما متزايدا… وقد أتيح لي المشاركة مع الراحل المقيم في المؤتمر السابع للأفريقانية والذى عقد بكمبالا خلال 3-8 أبريل 1994، وكان لذلك المؤتمر بمادار فيه من حوارات وماطرح فيه من قضايا تلامس دور السودان وتتطلب تصحيح ماطمس من دوره وإرثه في القارة الأفريقية الأثر الكبير في سرعة معانقة الكتاب للمكتبات وإصداره، وأحسب أنه سيظل مرجعاً هاماً وملهماً.
تميز الكتاب بثراء معلوماته وقوة أطروحاته موثقاً لجذور التفاعل التاريخي للسودان قلبا نابضاً لأفريقيا بحضاراته القديمة بصناعة الحديد فيها وتقاناتها في مجالات الزراعة والري وفنونها وثقافاتها مرورا بدور البلاد البارز في حركة التحرر الأفريقي التي سبقت ثم تجانست رؤاها مع المؤتمرات السابقة، وإسهام المفكرين السودانيين في صياغة الفكر الأفريقي وتفاعل المجتمع مع قضايا القارة بالقوة الصلبة للدولة وقوة المجتمع الناعمة التى تفسر كيف كان إنشاء الإتحاد الأفريقي لكرة القدم بالخرطوم وإقامة أول دورة رياضية قارية على أرضه عام 1957 حدثاً مميزاً إذ كانت الأساس لمشروع مقاطعة جنوب أفريقيا بسبب سياسات الابارتيد بها، وكان إبعاد جنوب أفريقيا من تلك المناسبة بالخرطوم حدثاً تاريخياً تبنت تجربته منظمة الوحدة الأفريقية عند قيامها عام 1963 بعد سته أعوام من دورة كأس أفريقيا تلك، كما طبقته الأمم المتحدة عبر لجنة الأمم لمحاربة الابارتيد التي كان السودان أحد أعضائها علاوة على دوره فى إصدار قرار الأمم المتحدة الشهير 1514 الخاص بوجوب منح المستعمرات استقلالها.
منع السودان منذ وقت مبكر طائرات جنوب أفريقيا والطيران البريطاني عبور مجاله الجوي ، وقطع علاقاته مع بريطانيا عندما أعلن نظام الاقلية في روديسيا الاستقلال من جانب واحد وكان تدريب منسوبي حركات التحرير الأفريقية من أنغولا وجنوب أفريقيا وموزمبيق وزمبابوي وناميبيا، وعلاج جرحاهم وإصدار جوازات وتسهيل تحركاتهم الهجرية أمراً راتباً بالمؤسسات ذات الصلة بالبلاد، وكانت مساهمة السودان الثابتة كذلك في ميزانية لجنة التحرير الأفريقية تتصدر برامج ميزانية الدولة السنوية.
كان كتاب “السودان والافريقانية”، – والذى استعرض فيه السفير عبد الهادي ما شاهده من أشجار تمشي في كمبالا بقراءة ماتم طرحه من رؤى بشأن تقسيم السودان في الأوراق التي قدمت فى مؤتمر الأفريقانية – قد حمل إنذاراً مبكراً لماحدث في البلاد من انفصال فاجع لجنوبها.. وتنبيهاً مبكراً لخطورة اختطاف حركة الجامعة الافريقية pan-africanism التي كان همها خلال مؤتمراتها الستة السابقة خارج القارة وداخلها تعزيز التضامن بين ذوي الأصول الأفريقية ومكافحة الاسترقاق والاستعمار منذ نواتها الأولى التي انشأها الترندادي هنري سلفستر وليامز فى سبتمبر 1897 وعقد أول مؤتمر للرابطة في لندن عام 1900 بما في ذلك الانطلاقة الحقيقية على يد كل من المفكر الأمريكي الأصل دوبوا وادوارد بلايدن من جزر فيرجن والجمايكي ماركوس قارفي والسوداني فليكس دارفور و دوس محمد السوداني الذي كان له قصب السبق في إصدار مجلة باسم الحركة أسماها
The African Times And Orient Review
عام 1912 بالاشتراك مع الغاني كاسلي هيفورد..ثم كان أهم مؤتمرات الرابطة قد عقد بمانشستر عام 1945 بأغلبية حضور أفريقي كان من بينه جومو كنياتا الذي قاد حركة الماوماو وصولا لاستقلال كينيا عام 1960 وكوامي نكروما الذى قاد بلاده لاستقلالها عام 1957 مسبوقا باستقلال السودان عام 1956.
كانت الروح التي سادت خلال مؤتمر كمبالا ، خلافاً للمؤتمرات السابقة، عدائية وخلافية، بل كادت الدعوات إليه أن تحجب عن دول الشمال الأفريقي، فلم يكد المؤتمر يستمع لكلمة قائد الحركة الشعبية جون قرنق متحدثاً عن استرقاق ”الجلابة” للجنوبيين إلا أتبعها مشارك من نيجيريا من غلاة حركة الزنوجة يسمى Chinweizu متحدثاً عن ما دعاه باسترقاق العرب للأفارقة النوبيين من خلال اتفاقية البقط، ثم كانت ثالثة الاثافي الورقة التى قدمها دبلوماسي يوغندى باسم “نحو خريطة جديدة لأفريقيا “، يقترح بموجبها تقسيم القارة إلى ست دول كبرى على اعتبارات التجانس الثقافى والديني على النحو التالى :
(1) جمهورية الصحراء ، وتضم مصر وبلاد المغرب العربي حتى موريتانيا ، وتضم الجزء الشمالى من السودان.
(2) جمهورية أفريقيا الوسطى، وتضم يوغندا وكينيا والكونغو الديمقراطية وتشاد والكاميرون والكونغو وأفريقيا الوسطى ، والجزء الجنوبى من السودان.
(3) جمهورية سيماقامبيريا Semganmberia
وتضم دول الحزام السوداني من السنغال إلى نيجيريا، واستبعاد السودان .
(4) جمهورية اريثوميا ، وتضم دول القرن الأفريقي إثيوبيا، إريتريا ، الصومال ، جيبوتى.
(5) الجمهورية السواحيلية ، وتضم الدول الناطقة باللغة السواحيلية.
(6) جمهورية موزامبيا، وتضم كافة دول الجنوب الأفريقي..
يلاحظ في هذا المخطط التقسيمي أن السودان هو البلد الوحيد الذي تم تقطيعه، في الوقت الذي حافظت فية كافة دول القارة الأخرى على وحدتها كاملة فى اطار وحدة أكبر .. وجرد كذلك من دوائر انتماء مكوناته الاقاليمية..
مضى فقيدنا العزيز إلى دار خلود وجنان عرضها السموات والأرض سائلين الله أن يفيض عليه رحمة بقدر عدد حصى ورمال وغابات أفريقيا التي أحبها… ويبقى إرثه القيم هادياً للمعرفة والتبصر والتدبر والاعتبار..



