بريكست بعد عشر سنوات: انتصار السيادة أم كلفة باهظة

د. الصادق علي حاج الشيخ **
عشرة أعوام مرّت منذ أن اختارت المملكة المتحدة أن تبحر خارج الميناء الأوروبي الذي رست فيه لأكثر من أربعة عقود. ففي صيف عام 2016 لم يكن الاستفتاء مجرد لحظة سياسية عابرة، بل نقطة تحول عميقة انقسمت حولها البلاد بين من رأى فيها استعادة للسيادة والقرار الوطني، ومن اعتبرها مغامرة في مسار غير مضمون النتائج. ومنذ ذلك الحين، ظلّ “بريكست” حاضرًا في تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية البريطانية، كقضية لم تُحسم دلالاتها النهائية بعد، وكحدث ما زال يُعيد تشكيل موقع المملكة المتحدة داخل أوروبا وخارجها.
التحول من الداخل الأوروبي إلى “بريطانيا العالمية”
مرّ الخروج من الاتحاد الأوروبي عبر مراحل معقدة انتهت رسميًا في يناير 2020، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موقع المملكة المتحدة في العالم. فقد انتقلت من كونها دولة داخل منظومة أوروبية مشتركة تؤثر في قراراتها من الداخل، إلى دولة تتعامل مع أوروبا من الخارج عبر اتفاقيات ثنائية وإطار تجاري وأمني منفصل، أكثر مرونة لكنه أقل تأثيرًا في صياغة القواعد الأوروبية نفسها.
ورغم استعادة لندن لصلاحياتها التشريعية والتنظيمية وإدارة ملف الهجرة بشكل مستقل، فإن هذه المكاسب جاءت محمّلة بتحديات عملية كبيرة، أبرزها إعادة ضبط سلاسل الإمداد، وإعادة تعريف العلاقة مع أكبر شريك تجاري مباشر، وهو الاتحاد الأوروبي.
الاقتصاد .. مكاسب الاستقلال وتكلفة الاحتكاك الجديد:
اقتصاديًا، برزت آثار واضحة على حركة التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ واجهت الشركات البريطانية إجراءات جمركية وتنظيمية جديدة رفعت من كلفة التبادل التجاري، وأثّرت بشكل خاص على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تعتمد على السوق الأوروبية.
كما تأثرت جاذبية بريطانيا كمركز استثماري دولي، مع فقدان جزئي لميزة “البوابة إلى أوروبا”، ما دفع بعض الشركات إلى إعادة توزيع استثماراتها داخل الاتحاد الأوروبي. وفي سوق العمل، أدى تراجع العمالة الأوروبية إلى نقص في قطاعات مثل الصحة والزراعة والضيافة، رغم محاولات الحكومة معالجة ذلك عبر نظام هجرة قائم على المهارات.
في المقابل، يرى مؤيدو بريكست أن المملكة المتحدة استعادت مرونة أكبر في سياساتها الاقتصادية والتجارية، وأبرمت اتفاقيات مستقلة مع دول خارج أوروبا، خصوصًا في آسيا والمحيط الهادئ. ومع ذلك، تشير معظم التقديرات إلى أن النمو كان أبطأ مما كان متوقعًا في حال استمرار العضوية داخل الاتحاد الأوروبي.
السياسة الداخلية: انقسام تحوّل إلى إعادة تموضع:
لا يزال بريكست يمثل خطًا فاصلًا في السياسة البريطانية، لكن حدّة الانقسام تراجعت مقارنة بسنوات الاستفتاء الأولى. فالمحافظون يرونه استعادة للسيادة الوطنية، بينما يتعامل حزب العمال معه ببراغماتية تركز على تحسين العلاقات مع بروكسل دون العودة إلى الاتحاد.
وفي الخلفية، يظهر تحول تدريجي في المزاج الشعبي، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تميل إلى علاقات أوثق مع أوروبا في مجالات التعليم والعمل والتنقل، ما يعكس إعادة تقييم هادئة لتكلفة الانفصال.
السياسة الخارجية: بين “بريطانيا العالمية” وحدود التأثير:
بعد الخروج، تبنّت المملكة المتحدة استراتيجية “بريطانيا العالمية”، الهادفة إلى إعادة تموضعها كقوة دولية مستقلة. لكن هذا الطموح اصطدم بواقع دولي شديد التعقيد، جعل النفوذ البريطاني يعتمد أكثر على التحالفات منه على العمل المنفرد.
تحولت العلاقة مع الاتحاد الأوروبي إلى علاقة خارجية منظمة باتفاقيات، مع استمرار التعاون في الأمن والتجارة، مقابل فقدان جزء من التأثير داخل مؤسسات القرار الأوروبي.
مع الولايات المتحدة، بقيت “العلاقة الخاصة” قوية استراتيجيًا، خصوصًا في إطار الناتو والملفات الأمنية الدولية، مع اختلافات تكتيكية في بعض الأزمات مثل الشرق الأوسط، حيث تميل بريطانيا إلى ضبط التصعيد أكثر من الانخراط العسكري المباشر.
وفي هذا السياق، برز الملف الإفريقي، بما في ذلك السودان، كمثال واضح على طبيعة الدور البريطاني بعد بريكست. فقد اتجهت المملكة المتحدة إلى تعزيز علاقاتها الثنائية المباشرة مع الخرطوم، مع التركيز على الدعم الإنساني والدبلوماسي ودعم مسارات الانتقال المدني، خصوصًا في ظل الحرب الحالية. غير أن هذا الدور بقي محدود التأثير ميدانيًا، مقارنة بمرحلة العمل الأوروبي الجماعي، في ظل تنافس قوى دولية وإقليمية أخرى على النفوذ في إفريقيا، ما جعل تأثير لندن أقرب إلى الضغط الدبلوماسي منه إلى التأثير الحاسم في مسار الصراع.
كيف تغيّر المزاج العام في بريطانيا وأوروبا؟
مع مرور عقد على الاستفتاء، أصبح التعامل مع بريكست أكثر هدوءًا وواقعية داخل المملكة المتحدة، حيث تراجع الانقسام الحاد لصالح نقاش عملي حول إدارة النتائج الاقتصادية والسياسية.
أما داخل الاتحاد الأوروبي، فقد تحولت التجربة إلى “درس مؤسسي” عزز قناعة الدول الأعضاء بأهمية التكامل الأوروبي، ورسخ فكرة أن الانفصال يحمل تكاليف سياسية واقتصادية كبيرة.
خاتمة:
بعد عشر سنوات، لا يمكن اختزال بريكست في كونه نجاحًا أو فشلًا مطلقًا، بل هو تجربة أعادت رسم موقع المملكة المتحدة في العالم، وفرضت عليها إعادة تعريف أدوات قوتها وحدود تأثيرها. فقد استعادت بريطانيا قدرًا من الاستقلال السياسي، لكنها دخلت في الوقت نفسه مرحلة أكثر تعقيدًا من التوازن بين السيادة والانفتاح، وبين الطموح العالمي والقيود الواقعية.
وبينما تواصل المملكة المتحدة إعادة صياغة دورها الدولي، تبقى أوروبا أكثر تمسكًا بوحدتها وأكثر وعيًا بكلفة التفكك. وبين الضفتين، تستمر علاقة لا تحكمها العضوية، بل يفرضها التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، لتبقى تجربة بريكست واحدة من أكثر التحولات السياسية تأثيرًا في أوروبا المعاصرة.
** باحث في الشؤون السياسية والدولية، متخصص في تحليل التحولات الجيوسياسية والعلاقات الدولية



