ثقافية

الذاكرة السودانية: كلمات قليلة عن الدكتور التجاني الماحي

:

محمد الشيخ حسين

هذه كلمات قليلة عن سيرة الدكتور التجاني الماحي، سيرته المهنية وسيرته الفكرية، وعن بعض ممارساته في الحياة.

التجاني يلحقنا:

تبدأ الكلمات القليلة بما كتبه الكاتب الكبير الدكتور عبد الله علي إبراهيم في مقاله المعنون (التجاني الماحي يلحقنا). فقد كتب يعدد مآثر الدكتور التجاني الماحي، ويعدد مآثر الشيخ بابكر بدري، وكان مما كتبه أن أعظم مآثر الشيخ بابكر بدري هي تجربته الفريدة في إدخال الخلوة في المدرسة، أي أن الشيخ بابكر بدري كان سباقاً في نظرته تلك إذ حاول أن يمزج بين التعاليم القرآنية والعلم الزمني. ثم استطرد الدكتور عبد الله علي إبراهيم وهو يقتبس من الدكتور عبد الله الطيب قولة شهيرة له فحواها أن (علم بخت الرضا علم تنقصه البركة)، بمعنى أن علم بخت الرضا ليس علماً تحفه البركة، ولا شك أن الجميع يدركون مدلول البركة في تراثنا، إذ أن البركة هي السعي للخير والوقوف بجانب الحق والشفاء من كل سموم.

سيرة مبروكة:

من هنا أدلف إلى سيرة التجاني الماحي، إذ كانت سيرته سيرة مباركة أو سيرة مبروكة، فهو لم يقصر حياته الفكرية أو المهنية على العلوم الغربية، حيث نجح في دراسة الطب العقلي والطب النفسي في إطارين ثقافي واجتماعي كاملين لبلده بحسبانه سودانياً وعربياً وأفريقياً مسلماً.

وكانت أولى مناهج الدكتور التجاني الماحي مقولته الشهيرة إن (الصحة ليست مفهوماً طبياً محضاً). كانت الصحة عنده هي (مفهوم غائر في لجج الحياة الاجتماعية وفي لجج التاريخ). وهي جزء لا يتجزأ من تراث الأمة الثقافي والاجتماعي.

وبذلك لم يكن الدكتور التجاني الماحي مجرد ناقل أو مقلد للثقافة والعلوم التي تلقاها. وهو أول طبيب نفسي أفريقي تخصص في الغرب.

أول طبيب:

التجاني هو أول طبيب أفريقي تخصص في الصحة العقلية والصحة النفسية في الغرب.

وهكذا يعتبر الدكتور التجاني الماحي أب الصحة العقلية، ليس في السودان فحسب، وإنما في أفريقيا كلها.

وهذا المنهج الذي سلكه الدكتور التجاني الماحي في دراسة الطب النفسي في إطاره الاجتماعي، مكنه بعون الله من دراسة كل مظاهر الحياة في السودان، وكل مظاهر التطبيب البلدي، وكل ما يذخر به المجتمع من ممارسات علاجية حتى مظاهر السحر والزار، لأنها جميعها تساعد في التوصل إلى نتائج تحليلية هامة وضرورية للتشخيص وللعلاج.

الفكر الصوفي:

أجرى الدكتور التجاني الماحي دراسة عميقة للأفكار الصوفية ولبعض التجارب الوجدانية الصوفية. وبسب هذه الدراسة المتعمقة في مظاهر الحياة الصوفية، اهتم لدى عودته من بريطانيا متبحراً في الصحة العقلية والصحة النفسية والعلوم الغربية بخلق الصلات مع شيوخ الطرق الصوفية، وكانت أولى زياراته إلى أم ضواً بان، حيث وثق صلته بالشيوخ والعارفين والأتقياء وسائر الذين كانت لهم صلة بممارسة مهنة تطبيب المرضى. وهؤلاء لم يكونوا يتوقعون من مثل الدكتور التجاني الماحي إلا الازدراء والتكبر، ولكنهم وجدوا زميلاً متديناً وقد ساعدهم كثيراً في مزج صلاحهم وتقواهم ببعض الأدوات الطبية الحديثة. وساعدهم في صنع أعظم محاية في تاريخ الطب النفسي في السودان، محاية التهدئة بدلاً من الضرب بالسياط.

كان المرضى وزوارهم يستقبلون بالأناشيد والتراتيل والتهليل والذكر، بغية إعادة السكينة إلى قلوبهم وجعلهم يشعرون بالثقة وأنهم بين يدي رفيق حميم ومداو شاف بإذن الله. وكذلك يودعون بالتهليل والتكبير من أكبر الرجال وأدناهم.

حفلات الزار:

في إطار دراسته للحياة في السودان كان الدكتور التجاني الماحي أول من اكتشف الأهمية التشخيصية والعلاجية لحفلات (الزار)، وتأثيرات الموسيقى وإيقاعات الرقص والبخور في الكشف عن الأمراض الدفينة. وهذه كلها طقوس جماعية تؤدى بخشوع وإجلال. وكان الدكتور التجاني الماحي أول من كتب عنها وأطلق عليها الدراما النفسية، واعتبر أن الزار هو الدراما النفسية، بل أن أحاديث شيخات الزار من أعظم الكلمات.

وفي سيرة الدكتور التجاني الماحي ولع بالأساطير ومنها تعلم أصول الطب النفسي سواء كان ذلك في التاريخ القديم أو من العصر الحديث.

وأكرر هنا بعض الكلمات الهامة التي كان كثيراً ما يتفوه بها كما وردت في الإلياذة:

وصبت هلين قطرات من طيب في كأس ديلماك

لا يعرف الحزن سبيلا إلى …..

وقد أهدتها هلين أميرة مسلحة

فعرفها كما يعرفها ……………..

حرب السويس:

سافر الدكتور التجاني الماحي متطوعاً في حرب السويس في العام 1956م، وكان كبير الأطباء النفسيين في مصر. وكتب كتاباً مشهورا عن اللياقة النفسية، إذ أن أهم ما ينبغي أن يدركه المرء أن لا يضطلع بعمل لا يملك اللياقة النفسية لأدائه، وكان كثيراً ما يتحدث عن عزل رئيس الأركان الألماني في الحرب العالمية الثانية، ليس لأنه لا يعرف العسكرية، بل لأنه لا يملك اللياقة النفسية التي تتناسب مع مركزه العسكري.

الأساطير الأغريقية:

كان الدكتور التجاني الماحي مولعاً بالأساطير الإغريقية وكان يعلق في صدر مكتبته لوحة ورد فيها (لقد أتيت من مدينة الشمس ومعي شيوخ المعبد الباركون للشفاء والواهبون للأبدية. أتيت في ركاب الأم المنجبة والآلهة الذين منحوني حماهم، أتيت وفي حقيبتي وصفات من الريح الأبيض تشفي من كل سوء سببته الأرواح…

صورة إليزابيث:

هناك صورة تاريخية هامة تُظهر ملكة بريطانيا أثناء زيارتها للسودان في عام 1965م وكان الدكتور التجاني الماحي حينئذ رئيسا لمجلس السيادة الذي تشكل بعد ثورة أكتوبر 1964م. وقد سعدت الملكة بهذه الزيارة وقد أهداها رسائل خطها قلم غردون.

مكتبة التجاني الماحي:

الحديث عن مكتبة الدكتور التجاني الماحي لا يبدو مفيداً إلا إذا أسهبنا في استعراض ما تحتويه هذه المكتبة من نفائس وكتب ومخطوطات.

تحتوي هذه المكتبة التي أهديت إلى جامعة الخرطوم ـ حسب وصيته ـ على 19 ألف مجلد من كتب ومخطوطات وخرائط. ويبلغ عدد المخطوطات 2650 مخطوطة في كل العلوم. كتب الطب ألف كتاب منها 270 باللغة العربية. كتب علم النفس ألف كتاب منها 100 كتاب باللغة العربية. كتب عن السودان 1300 كتاب. كتب عربية متنوعة 2500 كتاب. كتب التاريخ القديم 500 كتاب. كتب التاريخ الحديث 350 كتاب. خرائط تاريخية قديمة 860 خريطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى