آفاق الاستثمار في الطاقة الشمسية بالسودان: إمكانية الاستفادة من النموذج الاستثماري الماليزي (4/2)

د. أحمد عبد الباقي
تناول الجزء الأول من هذه المساهمة لمحة عامة عن مصادر الطاقة المتجددة وأهميتها للعالم مع التركيز على نوعية هذه المصادر، والتي يحظي السودان منها بـ ستة مصادر المستغل منها حاليا هو الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتعرف عموما بالطاقة الشمسية، تتناول بقية المساهمة في ثلاث حلقات: موقف الطاقة الشمسية في السودان وملامح عامة عن النموذج الماليزي للاستثمار في مجال الطاقة الكهرومائية وإمكانية إسقاط جزء من ذلك النموذج على الاستثمار في السودان.
ملامح عامة عن التغطية الكهربائية في السودان:
صدرت في مارس 2026م عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية دراسة عن السودان تحت عنوان: “سلاسل قيمة الطاقة الشمسية في السودان” ورد فيه أن قطاع الكهرباء في السودان يعاني من مشاكل هيكلية قبل الحرب وفي عام 2001م صدر قانون الكهرباء الذي أنشئت بموجبه الشركة القابضة للكهرباء التي آلت إليها المسؤولية عن الكهرباء بإشرافها على ثلاثة قطاعات منفصلة وهي: توليد الكهرباء، النقل والتوزيع ورغم الجهد الذي بُذل إلا أن التقدم لم يكن كبيرا وذلك نسبة لعدم كفاءة قطاع الكهرباء ومحدودية تغطية الشبكة خاصة في المناطق الريفية، ونسبة لمحدودية الحصول علي البيانات الكافية عن القطاع (حسب الدراسة) فإنه يصعب تحديد النطاق الذي تغطيه شركة الكهرباء والآخر الذي لا تغطيه، واعتمادا علي المصادر المتاحة، فإن نسبة تغطية الكهرباء في السودان بلغت 45-60% لأن القطاع يتأثر بسعر الاستهلاك الضعيف الذي لا يغطي التكلفة ، انخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الصعبة والاعتماد على الاستيراد، ورغم صدور قانون تشجيع الاستثمار لعام 2013م إلا أن عدم استقرار الاقتصاد أثر على استثمار القطاع الخاص في قطاع الكهرباء كما أن رفع الدعم عن الوقود في عام 2020م فاقم من ارتفاع التضخم الذي بلغ 400% في سبتمبر 2021م في ظل غياب أي حماية اجتماعية لمساعدة الشرائح الضعيفة.
تدهور قطاع الكهرباء بصورة أكبر بعد أكثر من ثلاث سنوات الحرب حيث انكمش أداء الاقتصاد السوداني بأكثر من 40% وتقدر أضرار شبكة الكهرباء بما يصل إلى 3 مليارات دولار أمريكي (حسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مارس 2026م).
الطاقة الشمسية في السودان: البديل السريع الممكن:
في ظل الظروف السائدة والحاجة العاجلة للتقليل من تفاقم مشكلة الكهرباء في السودان، تمثل الطاقة الشمسية الحل السريع المتاح لعدة أسباب منها: سرعة تركيب وتشغيل أصول الطاقة الشمسية، اللامركزية، إمكانية إنشاء وحدات متفرقة لتغطية حاجة المناطق الخدمية وسد حاجة المناطق السكنية والريف، وفي هذا الصدد أشار الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الخرطوم قائلا:” أصبحت الطاقة الشمسية اليوم بنية تحتية أساسية في السودان. فهي تُمكّن المزارعين من ري الحقول، وتساعد العيادات على حفظ اللقاحات باردة، وتُبقي المشروعات الصغيرة قيد العمل حتى في أوقات الحرب. لكن هذا المصدر النظيف والموثوق للطاقة يعتمد على مؤسسات صغيرة مُنهكة تعمل في ظروف بالغة الصعوبة. ومن دون دعم موجّه للمورّدين والمستهلكين، لن تتحقق الإمكانيات الكاملة لهذا القطاع”، ولهذا هنالك ضرورة ملحة أن تلتف الدولة لتبني الطاقة الشمسية الكهروضوئية كأحد الحلول السريعة”.
قطاع الطاقة الشمسية في السودان:
قبل الحرب كان هنالك خمسة مشروعات للطاقة الشمسية تمثل لبنة استراتيجية لاستثمار موقع السودان في قلب الحزام الشمسي العالمي للاستفادة من الطاقة الشمسية مع متوسط سطوع يتجاوز 300 يوم سنويًا وإشعاع يتراوح بين 5.5 و7.5 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يوميًا، بما يوفر فرص واعدة للحصول على طاقة من مصادر نظيفة وتخفيف اختناقات الشبكة، خاصة أن السودان احتلّ المركز الخامس عربيًا في قدرات الكهرباء النظيفة حتى نهاية 2022 بحسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة “آيرينا”، ويمتلك السودان مشاريع للطاقة الشمسية تبلغ طاقتها مجتمعة حاليا حوالي 200 ميغاوات ونصيب أقاليم السودان منها كالآتي: الخرطوم (7.1%)، دارفور (6.00%)، كردفان (4.9%)، الشرق (3.1%)، والوسط (2.7%) و أهم مشاريع الطاقة الشمسية تضم : محطة ماس (عطبرة) للتشغيل الصناعي، محطة دنقلا (20 ميغاوات)، محطة مصنع سكر كنانة (40 ميغاوات)، محطة الفاشر (5 ميغاوات) مشروع شندي والمتمة للري الشمسي (459 كيلووات).
خلال السنوات الخمس المنصرمة في السودان، ركب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ما يقارب 300 نظام مياه يعمل بالطاقة الشمسية لأغراض الري والاستخدام المنزلي. وساهم ذلك في زيادة الإنتاجية وتقليل استخدام الديزل وخفض التكاليف بنسبة تصل إلى 70%. كما حول البرنامج 110 مرفق صحي وثلاثة مراكز نسائية للعمل بالطاقة الشمسية، أسهمت مشاريع الطاقة الشمسية التابعة للبرنامج بصورة عامة في تحسين فرص الصحة والمهارات وسبل كسب العيش لنحو 800 ألف شخص. إلا أنّ الحرب منذ عام 2023 أخرت وتيرة التوسع، فتوقفت -أو تباطأت- مشروعات قرب مناطق الاشتباكات، بينما استمرّ العمل جزئيًا في ولايات أبعد، وسط تحديات لوجستية في الصيانة وانقطاعات قد تمتد أيامًا (حسب ما جاء في دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي).
وتأسيسا على ما ذكر عن وضع الطاقة الشمسية في السودان، فإن البلاد تحتاج لتشجيع الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية الكهروضوئية من حيث وضع محفزات للاستثمار وتشريعات قانونية لحماية هذه الاستثمارات التي يمكن أن يتبني السودان منها عدة صيغ عالمية مثل اتفاقيات شراء الطاقة (PPAs) أو الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص (PPP) مع توطين بعض صيغ هذه الاستثمارات على نحو يلائم ظروف السودان، وللمساهمة في توضيح نوعية بعض هذه الاستثمارات نستعرض بصورة مقتضبة النموذج الماليزي للاستثمار في مجال الطاقة الشمسية الكهروضوئية ومدي إمكانية استفادة السودان من ذلك.
يتواصل……



