رأي

الذهب الذي يتسرّب من بين الأصابع .. خلل الحوكمة لا نقص الثروة

د. الصادق علي حاج الشيخ

في بلادٍ ينام ترابها على نورٍ مكتوم، ويستيقظ على وعدٍ لم يكتمل بعد، يقف السودان فوق ثروةٍ تشبه الحلم حين يُرى، وتشبه القلق حين يُدار. أرضٌ تنجب الذهب كما تنجب الأشجار ثمارها، لكن ما يخرج من باطنها لا يستقر دائماً في خزائنها، وكأن بين المنجم والدولة مسافةً تتسع فيها الفجوات أكثر من الجسور.
وفي زمن الحرب، وتداخل السلطات، وتآكل مؤسسات الرقابة، يتحول الذهب من موردٍ سيادي إلى ثروةٍ تبحث عن يدٍ تمسك بها، ومن فرصةٍ اقتصادية إلى مرآةٍ تعكس اقتصاداً ينزف بصمت.

أولاً: جبل من الذهب… وخزائن فارغة: أين يختفي الإنتاج؟

تُظهر الأرقام أن السودان أنتج خلال سنوات قليلة قرابة مئتي طن من الذهب، لكن ما وصل إلى القنوات الرسمية لم يتجاوز نصف ذلك تقريباً، لتنشأ فجوة تتجاوز مئة طن تُقدّر بمليارات الدولارات، وكأن الثروة تولد كاملة في الأرض ثم تفقد جزءاً من طريقها قبل أن تصل إلى الدولة.

وفي عام 2025 وحده، ارتفع الإنتاج إلى أكثر من واحد وسبعين طناً، لكن التصدير الرسمي لم يعكس سوى جزء محدود من هذا الرقم، بينما تبخر الجزء الأكبر في مسارات متعددة لا تمر عبر النظام الرسمي، ليبقى السؤال معلقاً: كيف يخرج هذا الذهب ولا يعود؟

ثانياً: ذهب يخرج ولا يعود… شبكة الفاقد السوداني:

لا يضيع الذهب عبر منفذ واحد، بل عبر شبكة ممتدة تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة والاقتصاد بالأمن. جزء منه يتسرب عبر تهريب منظم أو عابر للفوضى إلى دول الجوار، وجزء آخر يخرج من التعدين الأهلي الذي يعمل خارج الأطر الرسمية، بينما يتحول جزء ثالث داخل مناطق النزاع إلى وسيلة تمويل غير مباشر للصراع.

ومع تعدد الفاعلين بين مؤسسات رسمية وشركات خاصة وأطراف مسلحة، يتشكل اقتصاد موازٍ للذهب يصعب ضبطه أو تتبعه، وتضعف فيه الحدود بين الدولة والسوق، وبين الإنتاج والتهريب.

وجاءت الحرب لتعمّق هذا التشابك، فانهارت بعض أدوات الرقابة، واتسعت مناطق النفوذ غير الرسمي، وأصبح الذهب في بعض المواقع لا يعبر بوابة الاقتصاد، بل بوابة البقاء والنفوذ.

ثالثاً: التعدين الأهلي… بين مصدر رزق ونزيف منظم:

يمثل التعدين الأهلي أحد أعمدة إنتاج الذهب في السودان، لكنه في الوقت ذاته أحد أكبر منافذ الفقد الاقتصادي. فهو يوفر دخلاً لآلاف الأسر في ظل الفقر والبطالة، لكنه يعمل غالباً خارج التنظيم القانوني، ويفتقر للرقابة البيئية والمالية.
ومع استخدام تقنيات بدائية ومواد كيميائية خطرة، يتسبب في أضرار بيئية وصحية متراكمة، بينما تخرج كميات كبيرة من الذهب دون تسجيل أو ضرائب أو رقابة.

كما أن ارتباط هذا القطاع أحياناً بشبكات تهريب، وغياب تنظيمه ضمن تعاونيات رسمية، يجعله حلقة مركزية في تسرب الثروة من الاقتصاد الوطني، رغم أنه في جوهره يمثل مصدر بقاء اجتماعي لا يمكن تجاهله أو إلغاؤه.

رابعاً: حين يصبح الذهب عملة موازية… اقتصاد خارج الدولة:

يتحول الذهب تدريجياً إلى عملة موازية خارج النظام الرسمي، حيث يُباع مباشرة مقابل عملات أجنبية لا تدخل إلى البنك المركزي، وتتم صفقاته بعيداً عن القنوات المصرفية.
وفي الوقت نفسه، يخرج جزء من الذهب الخام دون تصفية أو تصنيع، ما يعني خسارة قيمة مضافة كبيرة كان يمكن أن تُبنى داخل السودان نفسه.
ومع محدودية الشركات المصدرة واحتكار بعض المسارات التجارية، ينكمش الاقتصاد الرسمي أمام اقتصاد ظل واسع، تتسرب فيه الثروة دون أن تترك أثراً يعادل حجمها الحقيقي.

خامساً: تجارب دولية في تحويل الذهب إلى رافعة تنموية؛

تُظهر تجارب عدد من الدول أن الذهب لا يصبح ثروة وطنية فعالة بمجرد وجوده في الأرض، بل عبر طريقة إدارته.
في غانا، تم تنظيم التعدين الأهلي ضمن تعاونيات مرخصة، مع تشديد الرقابة البيئية وتوسيع دور الشركات المنظمة، ما ساهم في دمج القطاع غير الرسمي داخل الاقتصاد الرسمي تدريجياً.
وفي جنوب أفريقيا، تم بناء صناعة تعدين متكاملة تعتمد على شركات وطنية وأجنبية، مع بنية مالية وتشريعية واضحة، جعلت الذهب جزءاً من النظام الاقتصادي لا مجرد سلعة خام.
أما تنزانيا، فقد اتجهت إلى تقليل تصدير الخام، وإنشاء مصافٍ محلية، وتعزيز الرقابة على التعدين الأهلي، ما زاد من عائدات الدولة وقلل من الفاقد.

وتجمع هذه التجارب على أن النجاح لا يقوم على حجم المنتج من الذهب، بل على الحوكمة، والتصنيع المحلي، والقدرة على ضبط القطاع غير الرسمي ودمجه تدريجياً.

سادساً: سياسات تُضيّق السوق… وثروة تبحث عن منفذ:

في الحالة السودانية، تهيمن سياسات احتكارية على شراء الذهب عبر البنك المركزي، مع قيود على التصدير وتحديد سقوف منخفضة لبعض الشركات، ما أدى إلى تقليص عدد الفاعلين في السوق الرسمية.
ورغم أن الهدف هو ضبط القطاع، إلا أن النتيجة كانت تضييق القنوات الرسمية، ودفع جزء أكبر من النشاط نحو الاقتصاد الموازي، حيث تتحرك الثروة خارج الرقابة المؤسسية.

وبذلك يصبح الذهب عالقاً بين تنظيمٍ يحدّ من حركته، وسوقٍ موازية تستوعب تسربه.

سابعاً: إنقاذ الذهب في مرحلة ما بعد الحرب:

مرحلة ما بعد الحرب في السودان تمثل لحظة فارقة يمكن أن تعيد تعريف علاقة الدولة بثروتها المعدنية، إذا تم الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء النظام.
ويبدأ ذلك بإعادة هيكلة شاملة للقطاع، تشمل إنشاء هيئة وطنية مستقلة للذهب، وفصل الأدوار بين التنظيم والتشغيل، وإنهاء أي تداخل بين الفاعلين العسكريين والمدنيين في قطاع التعدين.

كما أن تنظيم التعدين الأهلي بدلاً من تركه خارج الدولة يمثل ضرورة ملحة، عبر تحويله إلى تعاونيات مرخصة، وتوفير بدائل آمنة وتقنيات أقل ضرراً.
ويُعد التصنيع المحلي عبر إنشاء مصافٍ وطنية خطوة مركزية، لأنها تحول السودان من مُصدر للخام إلى منتج للقيمة المضافة، بينما تسهم البورصة الوطنية للذهب وأنظمة التتبع الرقمي في تعزيز الشفافية ومنع التسرب.
وفي قلب كل ذلك، يبقى ربط عائدات الذهب بعملية الإعمار وإعادة بناء الدولة شرطاً أساسياً لتحويل الثروة إلى تنمية.

ثامناً: توصيات استراتيجية لتعظيم استفادة الدولة:

لتحويل الذهب إلى رافعة اقتصادية حقيقية، يمكن اعتماد حزمة سياسات واضحة تشمل المستويين الاتحادي والولائي:
1. إصلاح الحوكمة المؤسسية
● إنشاء هيئة وطنية عليا للذهب تتمتع بصلاحيات تنظيمية مستقلة.
● تحديد أدوار واضحة بين الحكومة المركزية والولايات في الإشراف والإنتاج والرقابة.
● منع ازدواجية الصلاحيات بين الجهات الأمنية والاقتصادية في القطاع.

2. تمكين الولايات مع ضبط المركز
● منح الولايات نسبة محددة من عائدات الذهب لدعم التنمية المحلية.
● إنشاء مكاتب ولائية متخصصة لمراقبة التعدين والتجارة.
● ربط الإيرادات الولائية بنظام تحويلات شفاف من المركز.

3. تنظيم التعدين الأهلي بدل إلغائه
● تحويل المعدنين إلى تعاونيات مرخصة.
● توفير دعم تقني وبيئي بدائل لاستخدام المواد الخطرة.
● فرض تسجيل إلزامي للإنتاج على مستوى المواقع.

4. تقليل الفاقد والتهريب
● إنشاء وحدات مراقبة مشتركة بين الجمارك والأمن الاقتصادي والولايات.
● تطبيق نظام تتبع رقمي للذهب من موقع الإنتاج حتى التصدير.
● تشديد العقوبات على شبكات التهريب المنظمة.

5. تعظيم القيمة المضافة داخل السودان
● إنشاء مصافٍ حديثة في مناطق الإنتاج الرئيسية.
● منع تصدير الذهب الخام غير المعالج تدريجياً.
● تشجيع صناعة المجوهرات محلياً لرفع القيمة السوقية.

6. إصلاح السياسة النقدية للذهب
● مراجعة احتكار البنك المركزي للشراء بما يحقق التوازن بين التنظيم والسوق.
● فتح المجال لشركات وبنوك مرخصة للمشاركة في الشراء والتصدير.
● ربط جزء من عائدات الذهب مباشرة بتمويل الواردات الأساسية.

7. الشفافية ونشر البيانات
● إصدار تقارير شهرية رسمية عن الإنتاج والتصدير.
● إتاحة البيانات للولايات والمجتمع المدني.
● استخدام أنظمة رقمية تمنع التلاعب في الأرقام.

8. توجيه الذهب لمرحلة الإعمار
● تخصيص نسبة ثابتة من عائدات الذهب لصندوق إعادة الإعمار.
● استخدام الذهب كضمان للاستثمارات الدولية في مرحلة التعافي.
● تحويله إلى أداة لاستقرار العملة وليس مجرد مورد تصديري.

تاسعاً: ملياران ضائعان… واقتصاد يبحث عن فرصة:

تشير التقديرات إلى أن مليارات الدولارات تضيع سنوياً خارج النظام المصرفي بسبب الفاقد والتهريب وضعف التنظيم. ولو دخل جزء كبير من هذه العائدات إلى الاقتصاد الرسمي، لأمكن تحقيق استقرار في سعر الصرف، وتحسين القدرة على الاستيراد، ودعم مشاريع إعادة الإعمار.
لكن استمرار التسرب يجعل الذهب ثروة كبيرة بلا أثر يعادل حجمها، ورافعة اقتصادية لا ترتفع.

خاتمة:
يبقى الذهب في السودان أشبه بنهرٍ جارٍ تحت الأرض، يُسمع صوته ولا يُرى مجراه، يلمع في الأعماق لكنه يتبدد حين يصل إلى السطح.
وفي لحظة ما بعد الحرب، لن يكون التحدي في استخراج الذهب، بل في امتلاكه فعلياً عبر الدولة والقانون والمؤسسات.
فإما أن يتحول هذا المعدن إلى أساسٍ لبناء وطنٍ جديد، وإما أن يظل يتسرب بهدوء، كما يتسرب الضوء من بين الأصابع عند الغروب، تاركاً خلفه وطناً أكثر ثراءً في باطنه… وأكثر عطشاً على سطحه.
وفي النهاية، لا تُقاس الثروة بما تنتجه الأرض فقط، بل بما تستطيع الدولة أن تحتفظ به وتحوله إلى حياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى