“المحقق” يستعرض مقالاُ مهماً عن الخلافات السعودية الإماراتية وانعكاساتها على الوضع الراهن في السودان

المحقق – محمد عثمان آدم
كتب مايكل حنا مقالاً ضافياً في موقع “جاست سيكيورتي- Just Security ” تحت عنوان “نظام أمني جديد للشرق الأوسط ليتصدى للخلاف المتزايد بين السعودية والإمارات”، تناول فيه العلاقة المتأزمة بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وأسبابها و انعكاساتها وتجلياتها على منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب الأمريكية الإيرانية، و لكنه تناول في المقال مسائل تهم السودان وانعكاسات هذه العلاقة المتشاكسة التي وصلت حد الاحتكاك العسكري المباشر في اليمن، و تأثيرها على السودان والتطورات الأمنية والسياسية فيه، وخلص إلى أن أولى خطوات المقاربة والإصلاح بين حليفي أمريكا هو ايقاف الحرب والوصول إلى سلام في السودان !!
وإشار المقال الذي نشره الموقع في 30 يونيو 2026 إلى فذلكة تاريخية و سياقية منها أن ما اسماه “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران” مثلت انتكاسة استراتيجية للولايات المتحدة، وأثارت سلسلة من التساؤلات الجوهرية حول مستقبل الشرق الأوسط ودور الولايات المتحدة في المنطقة. ومن بين هذه التساؤلات، جدوى الترتيبات الأمنية الإقليمية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود. ويُعدّ انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة جوهر هذه الترتيبات. هذا الوجود المادي، الذي كان يُفترض أن يوفر الحماية، خلق بدلاً من ذلك نقاط ضعف، حيث لم تكتفِ إيران باستهداف القواعد الأمريكية فحسب، بل استهدفت أيضاً البنية التحتية الحيوية في جميع أنحاء الخليج. إضافةً إلى التساؤلات حول مصداقية الولايات المتحدة كضامن أمني، لم تُسفر الحرب إلا عن تفاقم المخاوف المتزايدة بشأن النزعة العسكرية الإسرائيلية وقدرة الولايات المتحدة على احتواء حليفها المقرب.
و نبه الكاتب إلى أنه و رغم أن الولايات المتحدة لا تزال متجذرة بعمق في البنية الأمنية لشركائها في الخليج، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا باقتصاداتهم، فقد التزمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بما فيها الإدارة الحالية، على الأقل ظاهريًا، بإنشاء نظام أمني أكثر استدامة وأقل اعتمادًا على الوجود الأمريكي. إلا أنه على عكس أزمة السويس عام 1956، التي شهدت تغييرًا في القيادة مع تراجع الإمبراطورية البريطانية وظهور الولايات المتحدة ما بعد الحرب بشخصية أكثر حزمًا، لم يظهر حتى الآن بديل للولايات المتحدة كضامن للأمن الإقليمي. كما لا توجد مؤشرات على استعداد واشنطن لإعادة تقييم نهجها تجاه المنطقة بشكل جذري.
و يدعي الكاتب إن بناء شرق أوسط مستقر وأقل اعتمادًا على الولايات المتحدة مهمة صعبة في جميع الأحوال، لكنها ستزداد تعقيدًا مع اتساع الفجوة بين شريكين رئيسيين للولايات المتحدة، وهما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فالدولتان الآن منقسمتان بسبب رؤيتيهما المتضاربتين للمنطقة، وتزداد خلافاتهما حدةً حول قضايا إقليمية رئيسية.
ويضيف أنه بالنسبة لواشنطن، التي سعت تقليديًا إلى تعزيز التوافق والتعاون بين شركائها في الخليج، تنذر هذه الانقسامات بمستقبل يتزعزع فيه أمن الخليج نتيجة لتفاقم الخلافات، مما يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على تقييم سبل تبرير وجودها في المنطقة بموضوعية، وهي مهمة فشلت فيها فشلًا ذريعًا حتى الآن.
يعود الخلاف السعودي الإماراتي إلى ما قبل الحرب الأمريكيةوالايرانية ، ويبدو أنه لم يخفت رغم التهديد المشترك الذي تواجهه دول الخليج، إذ وجدت نفسها أهدافًا سهلة للرد الإيراني.
و يحذر الكاتب انه إذا تُركت التوترات بين السعودية والإمارات دون رادع، فمن المرجح أن تزيد من زعزعة استقرار المنطقة الهشة أصلًا، وتقوض النهج الجماعي المطلوب للأمن الإقليمي، وتورط الولايات المتحدة في علاقات متوترة مع شركائها. و يوكد بأنه لتجنب هذا المصير، ستحتاج الولايات المتحدة إلى أخذ المخاطر الناجمة عن المزيد من التدهور على محمل الجد، والسعي الحثيث لاحتواء أي تداعيات إضافية.
المواجهة المتصاعدة:
يقول الكاتب إن الخلاف بين السعودية والإمارات نشأ من ثنايا علاقة تعاون وثيقة كانت تربط البلدين، لا سيما بين الزعيمين الرئيسيين، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الإمارات محمد بن زايد. كان الرجلان ينظران إلى نفسيهما كقادة تحديث يسعون لمواجهة تصاعد التطرف الإسلامي وتوسع النفوذ الإيراني، مع إرساء نموذج جديد للاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بالأمن القومي والشؤون العسكرية.
و ادعى الكاتب بأن تلك الشراكة “هي القوة الدافعة وراء الحرب الكارثية التي قادتها السعودية في اليمن، والتي أثبتت حدود هذا التدخل العدواني، لكنها أدت أيضاً إلى توتر العلاقة بين الشريكين السابقين.”
ومنذ ذلك الحين، حلّت رؤى متضاربة محل الشراكة:-
فقد عادت السعودية إلى دورها التقليدي كقوة محافظة على الوضع الراهن، وتعتبر نفسها مركز ثقل العالم العربي. وسعت السعودية إلى ترسيخ مكانتها المحورية في الاقتصاد، مع سعيها في الوقت نفسه إلى دعم دول المنطقة المتعثرة، كالسودان واليمن. من جانبها، تشعر الإمارات العربية المتحدة بتقييد من جانب السعودية، ولم تعد ترغب في الخضوع لجارتها الأكبر. وقد انتهجت مساراً مستقلاً بشكل متزايد، كما يتضح من انسحابها من منظمة أوبك مؤخراً، وسعت إلى تجاوز دورها كشريك ثانوي من خلال بناء إمبراطورية تجارية عالمية، غالباً عبر شراكات مع قوى محلية، لا سيما في السودان واليمن، والتي هددت في بعض الأحيان بزعزعة استقرار النظام العربي.
و يقول الكاتب إن هذا التوتر بين هذه الدول يتجلى بوضوح في السودان، حيث تقف السعودية والإمارات على طرفي نقيض في الحرب الأهلية المروعة التي تشهدها البلاد. تدعم المملكة العربية السعودية الآن الجيش، وتشير تقارير موثوقة إلى أن الإمارات العربية المتحدة “رغم انكارها ” هي الداعم الرئيس لقوات الدعم السريع شبه العسكرية. ونظرًا لتهميش السودان في السياسة الخارجية الأمريكية، لم تستوعب الولايات المتحدة بشكل كامل أهمية هذا الدعم المتنامي.
لقد تعاملت إدارة ترامب مع الانقسامات الداخلية، وكأنها تتجاهل الخصومات الخارجية التي تغذي الصراع وتحاول احتواءها. سعت الإدارة إلى توجيه دبلوماسيتها عبر ما يُسمى بـ”الحلف الرباعي”، وهو تحالف يضمها إلى جانب القوى الخارجية الرئيسية: السعودية والإمارات ومصر.
إلا أن جهود الولايات المتحدة لتأمين هدنة إنسانية كخطوة أولى نحو عملية سلام قد تعثرت بسبب غياب الدفع الدبلوماسي المتصل، مما أضعف قدرتها على الضغط على هذه القوى الخارجية للتوصل إلى اتفاق. والأخطر من ذلك، أن الحرب والقوى الخارجية التي تُحركها تتزايد امتدادًا إلى القرن الأفريقي، حيث تصطف الدول على جانبي خطوط الصدع العديدة في المنطقة.
و قال إنه من المرجح أن تتكرر هذه الديناميكيات في أماكن أخرى من الشرق الأوسط، كما يتضح من اشتباكات أواخر عام 2025 بين القوات اليمنية المتنافسة، حيث وقفت السعودية والإمارات مجددًا على طرفي نقيض. وقد جمعت هذه المعارك قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة من الرياض، ضد جماعة انفصالية جنوبية مدعومة من أبو ظبي. عندما استولى الانفصاليون الجنوبيون بشكل مفاجئ على مساحات شاسعة من أكبر محافظات اليمن، حشدت السعودية قواتها ونسقت هجومًا مضادًا هزم الجماعة المدعومة من الإمارات، لكن التوترات لا تزال قائمة. وقد تصبح مناطق أخرى هشة، مثل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو سوريا ما بعد الأسد، ساحات للصراع.
كما ظهرت بوادر التنافس خلال الحرب مع إيران، حيث دعمت السعودية جهود الوساطة بقوة أكبر وحافظت على اتصالات دبلوماسية منتظمة مع طهران. في المقابل، رأت الإمارات في بعض الأحيان أن الوساطة منحازة لإيران.
و يقول الكاتب إن هذه الاختلافات في النهج وقد أدت إلى ضغوط على دول إقليمية أخرى مثل مصر. فبينما اضطرت مصر طويلًا إلى موازنة علاقاتها مع أهم شريكين عربيين لها، أصبحت جهود الوساطة الحالية مع إيران مصدرًا للتوتر. ولم تعرقل الرياض دور القاهرة قبل الحرب وأثناءها، وهي أكثر تحالفًا معها في العديد من القضايا الإقليمية، بما في ذلك السودان. أثار هذا التحالف قلقًا بالغًا لدى أبوظبي، وأثار شبح إعادة تقييم محتملة للعلاقات بعد الحرب، وهو ما قد يكون مكلفًا لمصر الهشة أصلًا، التي تعاني من التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، ولا تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الدعم والاستثمار الإماراتي.
في ظل هذه الاضطرابات، ربطت الإمارات، التي كانت الهدف الأبرز لإيران خلال الحرب، أمنها بشكل متزايد بأمن إسرائيل، التي طبعت معها العلاقات عام 2020. إلا أن توطيد العلاقات مع إسرائيل يجعلها الآن حالة شاذة بين نظرائها العرب الذين ازدادوا حذرًا وريبة تجاه إسرائيل خلال حروب ما بعد 7 أكتوبر التي هزت المنطقة. وسترحب إدارة ترامب بأي تعزيز للتعاون الأمني بين العالم العربي وإسرائيل. مع ذلك، لا يمكن لواشنطن أن تسمح للتطورات على هذا الصعيد بأن تُطغى على الخلافات الجوهرية الأكثر أهمية التي تدفع هذين الشريكين الخليجيين في اتجاهين متعاكسين، ما لم ترغب في أن تجد نفسها تُكافح حرائق في الشرق الأوسط وخارجه، بينما يبحث هذان الشريكان الخليجيان الرئيسيان عن مصالحهما في أماكن أخرى.
لنبدأ بالسودان:
و يقول الكاتب إنه وعلى الرغم من أنها قد لا تمتلك القدرة على قمع هذه التوترات بشكل كامل، والتي لها جذور تاريخية عميقة، إلا أن واشنطن تستطيع بذل المزيد من الجهد للضغط على كلا البلدين لاحتواء هذه الديناميكيات المدمرة وكبح جماحها. ويعد السودان نقطة انطلاق منطقية لهذه الجهود، حيث طغى الصراع مع إيران على محنته، ولا تزال تُمثل أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
و يحذر الكاتب من أن إنهاء الصراع في السودان يتطلب انضباطًا دبلوماسيًا وتركيزًا وكفاءة لم تتمكن الإدارة الأمريكية حتى الآن من حشدها. إن السودان ليس مجرد كارثة إنسانية. كما أنها تمثل منافسة بين جهات خارجية، وتؤجج مخاطر الصراع المتزايدة في جميع أنحاء القرن الأفريقي، وتعمق الشكوك بين السعودية والإمارات على نطاق أوسع. إن السودان ليس قضية هامشية ولا منطقة مهمشة دبلوماسياً. وباعتباره بؤرة التوتر الأكبر بين البلدين، فإن غياب أي تقدم ملموس هناك سيقوض الجهود المبذولة لخفض التصعيد في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
ويوصي كاتب المقال بأنه وكخطوة أولى، ستحتاج الولايات المتحدة إلى توضيح موقفها لشركائها بأن السلام في السودان يمثل أولوية قصوى، وهو أمر لم تفعله حتى الآن. ويجب أن تصدر هذه الرسالة من الرئيس دونالد ترامب نفسه، وأن يعاد التأكيد عليها على جميع مستويات الحكومة. كما سيتعين على إدارة ترامب أن توضح أن عدم التعاون في هذه القضية سيؤثر على جوانب أخرى من العلاقات الثنائية الأمريكية مع كل منهما.



