تبادل الأسرى في القانون الدولي (2-2)

د. إيناس محمد أحمد
اتفاقيات جنيف الأربع الموقعة في 12 أغسطس 1949م ، تكمل بعد شهر تقريبا 77 عاماً، وهي تعد من أهم إنجازات المجتمع الدولي التي تكفل الحماية القانونية للأشخاص الذين لا يشاركون في العمليات القتالية؛ والمتابع لاتفاقية جنيف الثالثة تحديداً و في مادتها الثالثة ، و هي المادة الوحيدة لاتفاقيات جنيف لعام 1949م والبرتوكول الإضافي الثاني لعام 1977م التي تطبق في النزاعات غير الدولية والتي تحدد مجال تطبيقها المادي والشخصي، إلا أنه في الآونة الأخيرة ظهرت نزاعات مسلحة غير دولية لا تندرج تحت المفاهيم التقليدية للنزاعات في القانون الدولي الإنساني، مما يستوجب إعادة النظر في النصوص والمضامين الحالية للاتفاقية لتوفير مساحة حماية أفضل للمدنيين.
لذلك فإن المتابع للمادة الثالثة من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م يجد أنه قد طرأ عليها بعض التحديث، وقد ورد ذلك في 20 يونيو 2020م ، ليتماشي مع المستجدات الدولية التي تستدعي التوسع في مفهوم (النزاع المسلح غير الدولي) بحيث يشمل العديد من حالات استعمال القوة على الصعيد الداخلي للدولة، و تحدد الحد الأدنى لحماية الأفراد الموجودين في الدولة التي يحدث فيها نزاع ليس له طابع دولي ، يشمل أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا السلاح بسبب الإصابات أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر – حين الأسر – يجب معاملتهم معاملة إنسانية، ويحظر الاعتداء عليهم أو معاملتهم معاملة مهينة أو تحط من الكرامة .
الملاحظ هنا أن البرتوكول الإضافي الثاني يأتي ليكمل مجال تطبيق المادة الثالثة وليس امتداداً لها، فلكل منهما مجال يطبق فيه لكنهما يلتقيان في وحدة الموضوع فقط؛ بينما تنص المادة الخامسة من الاتفاقية على حماية أسرى الحرب لحين عودتهم لوطنهم ، لكن مَن هُم أسرى الحرب الذين تطبق عليهم الاتفاقية ؟
الاتفاقية حددت أسرى الحرب بأنهم:
1/أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع .
2/أفراد المليشيات التي تحمل السلاح ، بشرط أن يكون للمليشيا قيادة ، ولها شارة مميزة يمكن تميزها ومعرفتها من مسافة ، حمل السلاح وخوض عمليات حربية وفقاً لقوانين وأعراف الحرب .
3/أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة .
4/المدنيون الذين يرافقون القوات المسلحة مثل المراسلين الحربيين ومتعهدي التموين وطواقم العمل، شرط حصولهم على تصريح رسمي من القوات التي يرافقونها.
5/سكان الأراضي غير المحتلة الذين يكونون قريبين من العدو ويحملون السلاح بغرض حماية أراضيهم من العدو .
6/أي قوات منظمة مساندة أو داعمة للجيش و تشارك معه في عملياته الحربية .
نلاحظ أن القانون الدولي، عبر الاتفاقية، أكد على أن أسرى الحرب مسؤولية الدولة وليس الأشخاص الذين قبضوا عليهم ، ولا يجوز نقلهم إلى دولة ليست طرفاً في الاتفاقية، وقد نُص على ذلك في المادة 49.
كما لا يجوز استغلال وجود الأسير لجعل بعض المواقع أو المناطق في مأمن من العمليات الحربية (دروع بشرية).
كذلك الحال للأشخاص المدنيين الموجودين ضمن فرق الطائرات الحربية والمراسلين الحربيين ومتعهدي التموين وفرق المساعدات الطبية والخدمات المتخصصة.
وقد أعطى القانون الحق لأسرى الحرب بالفرار من محتجزيهم إن وجدوا لذلك سبيلاً ، ولا يُعد هروبهم جريمة، ويذكر أرشيف القانون الدولي أن أكبر عملية هروب لأسرى الحرب كانت من معسكر (باباجو بارك) في منشأة أمريكية خلال الحرب العالمية الثانية في 23 ديسمبر 1944م حيث قام خمسة وعشرين أسير ألماني بحفر نفق عمقه 2.5 متر وطوله 178 قدماً تحت ثكناتهم باستخدام أدوات مهربة للخروج من معسكر (باباجو بارك) بولاية أريزونا وفروا إلى الصحراء، ورغم أنه تم القبض عليهم مرة أخرى ، إلا أنها تعد أكبر عملية فرار للأسرى سجلت في أرشيف الحرب العالمية الثانية ، مع ملاحظة أن هؤلاء الأسرى كانوا يتلقون معاملة ممتازة لأن دول الحلفاء وقتها كانت تلتزم باتفاقية جنيف حتى سمي معسكر باباجو بــ(أرض اللبن والعسل ) ، وحين تمت إعادتهم للمعسكر مرة أخرى لم تؤثر محاولتهم للفرار علي المعاملة الجيدة التي كانوا يتلقونها.
لكن كيف نفرق بين الأسير والرهينة؟
الأسير مقاتل يقع في قبضة العدو أثناء معركة، أما الرهينة فهو شخص مدني يتم احتجازه أو خطفه من قبل جماعة أو عصابة للحصول علي فدية أو لتنفيذ طلبات معينة أو تحقيق مصلحة محددة، واحتجاز الرهائن جريمة دولية يعاقب عليها القانون لأن القانون يمنع خطف الرهائن و يحظر احتجازهم وإيذائهم من خلال عدد من المواثيق الدولية منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1977م في المادة 7 ، 10، وكذلك في اتفاقية مناهضة التعذيب والاحتجاز التعسفي المادة 2 ، واتفاقية القضاء علي الاختطاف وأخذ الرهائن للعام 1979م ، لذلك فهي جريمة دولية .
علي الصعيد الوطني نجد أن السودان صادق على اتفاقية جنيف 1949م التي تحتم المعاملة الانسانية لجميع أسرى الحرب في 23 سبتمبر1957م ، وكانت حكومات السودان المختلفة علي مر تاريخه تتعاون بشكل جاد مع كل مبادرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر إذ يمتلك السودان تاريخاً طويلاً في عمليات تسليم الأسرى والمحتجزين بواسطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ العام 1978م ، ووسعت اللجنة أعمالها بعد ذلك في دارفور عام 2003م ،
لكن من أهم عمليات تبادل الأسرى التي تمت خلال معركة الكرامة وترتب عليها اتهام المليشيا دولياً بتجنيد الأطفال والدفع بهم للعمليات الحربية ، حين سلم السودان منتصف سبتمبر 2023م اللجنة الدولية للصليب الأحمر 230 أسيراً منهم ثلاثين بين (قاصر وطفل) تم أسرهم أثناء القتال مع المليشيا ، وأشرفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر علي نقلهم بأمان لعائلاتهم .
تجنيد الأطفال والقصر وإجبارهم على القتال – كما فعلت المليشيا – وبشهادة الصليب الأحمر يعد انتهاكاً للقانون الدولي ولاتفاقية حقوق الطفل 1989م والبرتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة الصادر في العام 2002م وتشكل جريمة دولية .
لقد كان من الطبيعي أن ترحب الحكومة السودانية بالمبادرة الأممية، التي سعى فيها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، للتعاون بشأن تبادل الأسرى مع المليشيا وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، والتي تدعو للتعاون بين الحكومة السودانية ومكتب المبعوث واللجنة الدولية للصليب الأحمر فيما يتعلق بتبادل أسرى الحرب بين الحكومة السودانية والمليشيا ، لكننا نأمل أن تشمل العملية أيضا الإفراج عن المحتجزين تعسفياً في معتقلات المليشيا ، والكشف عن مصير حالات الاختفاء القسري ، وتمكين الصليب الأحمر من الوصول لأماكن احتجاز المدنيين وأهمها سجن دقريس غرب مدينة نيالا.
و تتيح عملية تبادل الأسرى للمجتمع الدولي أن يطلع على قاعدة بيانات المحتجزين من كلا الطرفين ، وإعداد قوائم بأسماء وأعمار المفرج عنهم وظروف أسرهم أو (اعتقالهم) لتوفير الضمانات الأمنية والإنسانية والرعاية الصحية والطبية اللازمة لهم.
دوليا ، يُعد ملف تبادل الأسرى اختباراً حقيقياً لمدى احترام المليشيا للقانون الدولي الإنساني وللمنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني ، لأن الملفات الإنسانية لا تحتمل التأجيل أو التسويف ، وهو أكثر الملفات إيلاما وتعقيدا لذلك من المرجح أن يكون من أهم الملفات الدولية التي يسعى المجتمع الدولي لإنجاحها ، والمتوقع أن تتم المبادرة فعلا ، لكن المؤكد في كل الأحوال أن يكون لها ما بعدها علي المستوي الوطني والدولي.



