إعفاء مديونية منظمة دول أفريقيا والكاريبي على السودان … رمزية المكسب

المحقق – نازك شمام
الخميس الماضي، إختتم وزير المالية السوداني، الدكتور جبريل إبراهيم، مشاركته في اجتماعات المجلس الوزاري رقم (121) للدول الأعضاء بمنظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ، التي انعقدت في العاصمة البلجيكية بروكسل خلال الفترة من 15 إلى 16 يوليو 2026م، وذلك بمشاركة وزراء وممثلين عن الدول الأعضاء بالمنظمة.
غير أن جبريل – وبحسب البيان الصحفي الذي أصدرته وزارة المالية (الخميس)- تمكن في مشاركته من تحقيق إنجاز اقتصادي تمثل في اعتماد المجلس قراراً وزارياً تم بموجبه إعفاء السودان من كامل مديونيته تجاه المنظمة والبالغ قدرها مليون دولار.
ومجموعة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ هي مجموعة من البلدان في أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ، أُنشئت بموجب اتفاقية جورج تاون عام 1975م. وتتمثل الأهداف الرئيسية للمجموعة في التنمية المستدامة والحد من الفقر داخل الدول الأعضاء فيها، وكذلك دمجها بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي. وتُعد جميع الدول الأعضاء، باستثناء كوبا، موقعة على اتفاقية كوتونو مع الاتحاد الأوروبي.
وبحسب البيان، فإن الاجتماعات شهدت مناقشات موسعة حول عدد من القضايا الاستراتيجية، في مقدمتها الإصلاح المؤسسي والإداري للمنظمة، واستعراض السياسات والبرامج الهادفة إلى دعم التحول الاقتصادي وتعزيز المرونة الاقتصادية للدول الأعضاء. كما بحث المشاركون سبل تسريع إجراءات المصادقة على اتفاقية شراكة “ساموا” مع الاتحاد الأوروبي، مؤكدين أهمية استكمال إجراءات دخول الاتفاقية حيز التنفيذ للاستفادة من الفرص التي يمكن الحصول عليها تحت مظلة اتفاق الشراكة.
وجاء في حيثيات إعفاء مديونية السودان أن الخطوة تمت نظراً للظرف الاستثنائي الذي يواجه الاقتصاد السوداني منذ تمرد الدعم السريع. وأعرب وزير المالية السوداني عن شكر وتقدير حكومة السودان لجميع الدول الأعضاء بالمنظمة، مؤكداً حرص بلاده على دعم المنظمة وتعزيز دورها في تحقيق أهدافها، انطلاقاً من قناعة السودان بأهمية دعم العمل الجماعي لمواجهة التحديات المشتركة، مشيراً إلى أن هذا القرار يعكس روح التضامن والتعاون بين دول المنظمة.
وعلى هامش الاجتماعات، عقد الوزير السوداني اجتماعاً مع الأمين العام للمنظمة، تناول خلاله سبل تطوير التعاون وتعزيز مجالات الدعم الفني والمؤسسي، وبحث فرص توظيف السودانيين في الأمانة العامة للمنظمة؛ بالإضافة إلى عقد لقاءات جانبية مع كل من: وزير المالية والتخطيط الاقتصادي بجمهورية غامبيا، ووزير الدولة بوزارة المالية الإثيوبية، إلى جانب وزير الدولة بوزارة الخارجية الصومالية.
وقد أثارت خطوة إعفاء مديونية المنظمة على السودان، والبالغ قدرها مليون دولار، جدلاً في وسائل التواصل الاجتماعي نظراً لضآلة حجم الدين.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، د. هيثم محمد فتحي، أنه لا يمكن الاستفادة من تلك المبادرات في ظل غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد. وكشف في حديثه لــ”المحقق” أن ديون السودان الخارجية تتجاوز حالياً 66 مليار دولار، منها 17 ملياراً تمثل أصل الدين، ونحو 49 ملياراً قيمة الفوائد، وقال إن “مسار إعفائها شهد تعقيدات كبيرة بسبب الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة”.
وأضاف فتحي: “صندوق النقد في تقرير ديسمبر 2017م أقر بأن السودان مؤهل لإعفاء الديون في ظل خطة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (الهيبك) وهي مبادرة لصندوق النقد والبنك الدولي أُطلقت عام 1996م لمساعدة البلدان الفقيرة التي تجد صعوبة في سداد ديونها الخارجية للحصول على تخفيف لها”.
وعن ثِقل المنظمة في المجتمع الدولي، أوضح أن منظمة {OACPS} واحدة من أكبر التكتلات العابرة للقارات في الجنوب العالمي، إذ تضم 79 دولة، وتركز على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، والدفاع عن قضايا التنمية والعدالة الدولية، وتعمل على تطوير الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمجموعة بتطبيق نهج شامل لمعالجة الفقر وأسبابه، والذي لا يزال يمثل التحدي الأكبر لدى الدول الأعضاء والعنصر الأساسي لخطة عمل المجموعة حتى عام 2030م. وأكد أن المنظمة تسعى إلى إحداث تحول استراتيجي يعزز دورها العالمي، من خلال تحويل التحديات الهيكلية إلى فرص نفوذ وتأثير أكبر على الساحة الدولية.
وقلل فتحي من مبلغ المديونية، مشيراً إلى أن المبلغ لا يغير كثيراً في حجم الدين الخارجي، ولا يعالج الانكماش الاقتصادي الحاد الذي خلفته الحرب، ولا يعيد تدفقات التمويل الدولي التي توقفت مع اتساع رقعة الصراع في السودان. إلا أنه أكد أن قيمة الخطوة تكمن في توقيتها وسياقها، إذ جاءت بينما تتعثر جهود إعادة هيكلة الديون، وتتراجع قدرة السودان على الوصول إلى مؤسسات التمويل الدولية، وتزداد الضغوط على المالية العامة مع استمرار الحرب وتدهور النشاط الاقتصادي.
ويتفق المحلل الاقتصادي، وليد دليل، مع ما ذهب إليه فتحي، إذ يرى أن المبلغ المعفى متواضع جداً قياساً بحجم أزمة الديون الخارجية للسودان التي تتجاوز عشرات المليارات. وأشار إلى أن ما حدث لا يمكن اعتباره تخفيفاً مالياً ذا وزن حقيقي على الموازنة العامة أو على مؤشرات الدين الخارجي، لكن أثره الرمزي والدبلوماسي أهم من رقمه.
وأوضح دليل أن ما قامت به منظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ يأتي في سياق سلسلة إعفاءات متزامنة، حيث أعفت الصين مؤخراً نحو 50 مليون دولار. وقال إن استمرار انخراط السودان في الأطر متعددة الأطراف رغم الحرب، يمنح وزارة المالية “سردية إنجاز” تمكنها من توظيف الأمر في الخطاب الرسمي حول التضامن الدولي مع السودان في ظرفه الاستثنائي.
وأضاف أن انعقاد لقاءات ثنائية مع إثيوبيا والصومال وغامبيا على هامش الاجتماع يشير إلى أن الوفد استثمر الحدث لأغراض تنسيق دبلوماسي أوسع من مجرد ملف الدين.
أما عن الثقل الإقليمي للمنظمة نفسها، فإن المنظمة (التي تضم نحو 79 دولة) ليست جهة مانحة أو مؤسسة تمويل تنموي بالمعنى الذي تحمله مؤسسات مثل “نادي باريس” أو “البنك الدولي” -بحسب دليل- بل هي إطار تنسيقي سياسي واقتصادي يرتبط أساساً بعلاقة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقيات كوتونو سابقاً و”ساموا” حالياً. وأشار إلى أن ثقلها يكمن في كونها منصة تفاوضية جماعية تمنح الدول الأعضاء صوتاً موحداً أمام بروكسل في قضايا التجارة والتنمية والهجرة، لا في قدرتها على التأثير المباشر في السياسات النقدية أو المالية لأي دولة عضو، مبيناً أن إعفاء الدين هنا خطوة رمزية ضمن علاقة عضوية قائمة، وليس مؤشراً على تدخل مؤسسي فاعل في إدارة أزمة الدين السودانية.



