رأي

وزارة الداخلية … خطوة إعلامية ذكية في مرحلة ما بعد الحرب

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان

“نحو دبلوماسية أمنية إعلامية تدعم التعافي وإعادة الإعمار”

نشر المكتب الصحفي لقوات الشرطة خبراً عن لقاء وزير الداخلية الفريق شرطة حقوقي بابكر سمرة مصطفى، ومدير عام قوات الشرطة الفريق أول شرطة حقوقي أمير عبدالمنعم فضل، بالوفد الإعلامي السعودي الزائر للبلاد، بحضور عدد من قيادات الشرطة.

وأوضح الخبر أن وزير الداخلية استعرض أمام الوفد تطورات الأوضاع الأمنية، والجهود التي بذلتها وزارة الداخلية وقوات الشرطة في دعم القوات المسلحة خلال معركة استعادة الدولة، وما أعقب ذلك من إعادة الانتشار الشرطي، وتشغيل أقسام ومراكز الشرطة، واستئناف الخدمات، بما أسهم في تعزيز الأمن وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين.

أهمية هذا الخبر لا تكمن في اللقاء وحده، وإنما في توقيته وطبيعة الوفد. فمن المعتاد أن يلتقي المسؤولون الأمنيون بوفود أمنية أو دبلوماسية، أما استقبال وفد إعلامي، ومن المملكة العربية السعودية تحديداً، فيحمل رسالة واضحة بأن السودان بدأ يدرك أن معركة ما بعد الحرب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بكسب ثقة الرأي العام الداخلي و الخارجي أيضاً.

فالحرب التي شهدتها البلاد كانت حرباً إعلامية بقدر ما كانت حرباً عسكرية. وفي بداياتها نجحت المليشيا، إلى حد كبير، في فرض روايتها على كثير من المنصات الإعلامية، بينما تأخر الإعلام الرسمي في تقديم رواية الدولة.

واليوم، وبعد استعادة زمام المبادرة ميدانياً، أصبح من الضروري استعادة المبادرة إعلامياً، لأن الصورة الذهنية لأي دولة تؤثر في السياسة والاقتصاد والاستثمار مثلما تؤثر الوقائع على الأرض.

ويستعد السودان اليوم لمرحلة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، وهي مرحلة لا يمكن أن تنجح دون بيئة آمنة وصورة مستقرة في أذهان المستثمرين والشركاء. ولذلك، فإن الرسائل التي قدمتها قيادات وزارة الداخلية للوفد الإعلامي السعودي لم تكن موجهة إلى الصحفيين وحدهم، بل إلى الحكومة السعودية، والقطاع الخاص، والرأي العام العربي، لتؤكد أن السودان بدأ يستعيد أمنه ومؤسساته.

ومن أهم ما ورد في الخبر إشادة الوفد الإعلامي السعودي بما لمسه من جهود تبذلها مؤسسات الدولة لاستعادة الأمن والاستقرار، وإعلانه أن الزيارة تهدف إلى إعداد ملف إعلامي متكامل يوثق الأوضاع الأمنية والإنسانية في السودان وجهود التعافي وإعادة الإعمار. وهنا تكمن أهمية الزيارة، لأن ما سينقله إعلاميون شاهدوا الواقع بأنفسهم سيكون أكثر تأثيراً ومصداقية من أي خطاب رسمي.

كما أن اختيار المملكة العربية السعودية يحمل دلالاته؛ فهي شريك اقتصادي مهم للسودان، وتمتلك منظومة إعلامية واسعة التأثير. ومن ثم، فإن أي صورة متوازنة ينقلها الإعلام السعودي عن السودان ستسهم في تعزيز الثقة، وتهيئة المناخ للاستثمار، ودعم جهود إعادة الإعمار.

لقد أدركت دول كثيرة، بعد انتهاء النزاعات، أهمية الدبلوماسية العامة في بناء الثقة وتصحيح الصورة الذهنية. وفي الحالة السودانية، يمكن تطوير هذا المفهوم إلى الدبلوماسية الأمنية الإعلامية، من خلال تنظيم زيارات دورية لوفود إعلامية عربية ودولية للاطلاع على الواقع الأمني وجهود مؤسسات الدولة، ونقل صورة متوازنة عن السودان إلى العالم. “فالرواية التي لا يرويها أصحابها، سيتولى الآخرون روايتها”

لقد وُفقت وزارة الداخلية في هذه الخطوة، لأنها تعكس فهماً لطبيعة المرحلة المقبلة. فالسودان لا يحتاج اليوم إلى ترسيخ الأمن على الأرض فحسب، بل إلى استعادة صورته في الخارج أيضاً. وإذا كانت الحرب قد تحسم بالسلاح، فإن مرحلة ما بعد الحرب ستُحسم، إلى حد كبير، بكسب ثقة العالم، والإعلام سيكون أحد أهم أدوات هذه المعركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى