رأي

الورقة التحليلية الخامسة: خيوط المشهد .. الحرب السودانية في سياق تحولات النظام الدولي

هشام يوسف عبد الرحمن

بعد استعراض التحولات التي طرأت على طبيعة الحرب، وتحليل منطق حروب الوكالة، ودراسة اقتصاد الحرب، ثم مناقشة دور الدولة ومناعتها المؤسسية، يصبح من الممكن الانتقال إلى قراءة الحالة السودانية بوصفها نقطة التقاء لهذه المسارات جميعاً. فالسودان، في هذا المنظور، لا يمثل حالة استثنائية خارجة عن قواعد النظام الدولي، كما لا يمثل مجرد نسخة مكررة من تجارب أخرى، وإنما يجسد بدرجة لافتة تفاعل عدد من الظواهر التي أصبحت من السمات المميزة للصراعات المعاصرة.

فالحرب الدائرة في السودان تتجاوز كونها نزاعاً داخلياً على السلطة أو النفوذ. فهي، في الوقت نفسه، ساحة تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، وحسابات الجغرافيا السياسية، وشبكات اقتصاد الحرب، وأدوار الفاعلين من غير الدول، مع تحولات أعمق في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد القوة مركزة بما يسمح بفرض الحسم كما كان الحال في مراحل تاريخية سابقة.

 

ومن هذه الزاوية، لا يبدو السودان مجرد طرف في أزمة داخلية، وإنما جزء من بيئة إقليمية تتقاطع فيها مصالح البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، ومنطقة الساحل، والعمق العربي والأفريقي. وكلما ازداد هذا التشابك، أصبح من الصعب تفسير مجريات الصراع أو استشراف مآلاته من خلال الداخل وحده، كما يصبح من الخطأ تفسيره بالكامل باعتباره نتاجاً لإرادة الخارج. فالحقيقة تكمن، في الغالب، في المنطقة التي يلتقي فيها الاثنان.

 

وهنا تتلاقى، بصورة واضحة، إسهامات المنظرين الذين تناولتهم هذه السلسلة. فالحرب، كما وصفها كلاوزفيتز، ما تزال مرتبطة بالسياسة، لكنها لم تعد سياسة الدولة وحدها. وهي، كما يبين فان كريفيلد وكالدور، لم تعد حكراً على الجيوش النظامية، بل أصبحت ساحة يتحرك فيها فاعلون متعددون، تتداخل أدوارهم وحدود مسؤولياتهم. أما ميرشايمر ووالت، فيفسران كيف تتحرك القوى الكبرى وفق منطق المصلحة وإدراك التهديد، لا وفق الشعارات المعلنة، بينما يوضح مومفورد أن إدارة الصراعات عبر الوكلاء أصبحت إحدى الأدوات الرئيسة للسياسة الدولية المعاصرة.

 

وفي الوقت نفسه، يقدم بول كوليير وديفيد كين تفسيراً لاستمرار الحرب عندما تتحول إلى منظومة اقتصادية تنتج مصالحها الخاصة، بينما يبين ابن خلدون ومالك بن نبي أن قوة الدولة تبدأ من الداخل، وأن قابلية الاختراق لا تنشأ من الخارج وحده، وإنما من ضعف البنية الداخلية وتراجع المشروع الجامع. ويضيف غرامشي أن الصراع على الوعي لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض، في حين يذكرنا هنتنغتون وفوكوياما وتيلي وميردال بأن استعادة الدولة لا تتحقق بمجرد استعادة السيطرة العسكرية، وإنما بإعادة بناء المؤسسات والشرعية والثقة العامة.

 

وبناءً على ما سبق، يصبح من الواضح أن أي محاولة لفهم الحرب السودانية من خلال عامل واحد ستظل قاصرة. فإرجاعها إلى البعد الداخلي وحده يغفل البيئة الإقليمية والدولية، كما أن ردها بالكامل إلى التدخل الخارجي يتجاهل دور البنية الداخلية في إنتاج قابلية الاختراق. والواقع أن الحرب تمثل تفاعلاً مستمراً بين هذين المستويين؛ حيث تتأثر التطورات الداخلية بحسابات الخارج، كما يعيد الخارج بدوره تعديل أدواته وفقاً لما تفرضه الوقائع على الأرض.

 

ولهذا، فإن إعادة التموضع الإقليمي لا ينبغي فهمها باعتبارها مرادفاً للتراجع أو الانسحاب. ففي العلاقات الدولية، كثيراً ما تعني إعادة التموضع إعادة توزيع الأدوار، أو تعديل أدوات التأثير، أو نقل بعض الوظائف إلى مستويات مختلفة من الفاعلين، بما يحقق استمرار النفوذ مع تقليل الكلفة السياسية أو العسكرية. وعندما تتغير الوقائع الميدانية، تعيد الدول حساباتها، لا لأنها تخلت عن مصالحها، وإنما لأنها تبحث عن الوسيلة الأكثر ملاءمة لحمايتها.

 

وقد لا يؤدي ارتفاع كلفة التدخل المباشر إلى تقليص الانخراط، وإنما إلى إعادة تشكيله. فقد تنتقل إدارة الصراع إلى مستويات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها شبكات التمويل، والإسناد اللوجستي، والدعم التقني والاستخباري، والتحركات الدبلوماسية، بحيث تتوزع الأدوار بين عدد من الفاعلين، بينما يظل الهدف الاستراتيجي العام ثابتاً. وبهذا المعنى، فإن تغير الوسائل لا يعني بالضرورة تغير المقاصد.

 

غير أن التاريخ يقدم، في المقابل، درساً لا يقل أهمية. فمهما بلغت قدرة القوى الخارجية على التأثير، فإنها تظل محدودة عندما تواجه دولة تمتلك مؤسسات فاعلة، ومجتمعاً متماسكاً، ومشروعاً وطنياً جامعاً. ولهذا، فإن التجارب المقارنة، من آسيا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، تكشف أن العامل الحاسم في نهاية المطاف لم يكن حجم التدخل الخارجي وحده، وإنما قدرة الدولة والمجتمع على استعادة المبادرة، وإعادة بناء مؤسساتهما، وتجفيف البيئة التي تسمح باستمرار اقتصاد الحرب.

 

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان لا يقتصر على إنهاء العمليات العسكرية، بل يتمثل في الانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة بناء الدولة.  وهذا الانتقال لا يتحقق بوقف إطلاق النار وحده، ولا بالتسويات السياسية وحدها، وإنما يتطلب مشروعاً وطنياً يعيد الاعتبار للمؤسسات، ويستعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويحول التنوع إلى مصدر قوة، ويعيد دمج الاقتصاد في الإطار الرسمي، ويغلق المنافذ التي تسمح بإعادة إنتاج اقتصاد الحرب أو تحويل البلاد مرة أخرى إلى ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين.

 

وهنا تتلاقى، بصورة واضحة، إسهامات المفكرين الذين عرضت لهم هذه السلسلة. فالحرب، وحروب الوكالة، واقتصاد الحرب، وبناء الدولة، ليست موضوعات منفصلة، وإنما حلقات في سلسلة واحدة، لا يكتمل فهم أي منها دون الآخر. ومن ثم، فإن قراءة السودان في مرآة النظام الدولي لا تهدف إلى إسقاط نظريات مجردة على واقع معقد، وإنما إلى استخدام تلك النظريات لفهم واقع يفرض علينا إعادة التفكير في معنى القوة، والسيادة، والدولة، والحسم في القرن الحادي والعشرين.

 

أفق القراءة:

 

تكشف هذه الرؤية التحليلية أن الحرب السودانية لا يمكن فهمها من خلال تفسير واحد، كما لا يمكن اختزالها في بعد عسكري، أو سياسي، أو اقتصادي منفرد. فهي تمثل، في جوهرها، نقطة التقاء لتحولات عميقة يشهدها النظام الدولي، حيث تغيرت طبيعة الحرب، وتبدلت أدوات القوة، واتسعت دوائر النفوذ، وأصبحت الدولة نفسها تواجه تحديات تختلف جذرياً عما عرفته في العقود السابقة.

ولذلك، فإن السؤال الذي ظل يهيمن على كثير من النقاشات العامة:  “من سينتصر؟”، يبدو أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقاً:  “أي نموذج من الحروب نعيش اليوم؟”  لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد طبيعة الإجابات الممكنة على بقية الأسئلة.

 

لقد أظهرت هذه السلسلة أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين قوتين عسكريتين، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تتداخل فيها الاستراتيجية، والاقتصاد، والإعلام، والموارد، والشرعية، والهوية، والجغرافيا السياسية. ومن ثم، لم يعد ممكناً فهم مآلات الصراع من خلال ميزان القوة العسكرية وحده، لأن الحسم نفسه لم يعد يُقاس فقط بما يحدث في ميدان القتال، وإنما أيضاً بما يجري في الاقتصاد، وفي مؤسسات الدولة، وفي البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها.

 

وتبين هذه الرؤية التحليلية أيضاً أن حروب الوكالة ليست ظاهرة عابرة، وإنما أصبحت إحدى السمات البنيوية للنظام الدولي المعاصر، وأن القوى الكبرى تميل، كلما ارتفعت كلفة الانخراط المباشر، إلى إعادة توزيع أدوات نفوذها عبر شبكات أكثر مرونة، مع احتفاظها بالقدرة على التأثير في مسار الأحداث. غير أن هذه الحقيقة لا تعني أن مصائر الدول تُصنع بالكامل خارج حدودها، لأن التاريخ يؤكد أن العامل الحاسم يظل، في نهاية المطاف، هو قدرة الدولة على بناء مناعتها الداخلية، واستعادة شرعيتها، وتجديد مؤسساتها، وإنتاج مشروع وطني جامع.

 

وفي هذا السياق، يتلاقى ابن خلدون مع مالك بن نبي، وغرامشي مع هنتنغتون، وفوكوياما مع تيلي وميردال، عند حقيقة واحدة: أن قوة الدولة لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات القوة وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل المجتمع إلى شريك في حمايتها، وتحويل المؤسسات إلى إطار جامع للمصلحة الوطنية. فحين تتماسك الدولة من الداخل، تتراجع قدرة الخارج على توجيه مساراتها، مهما بلغت أدواته.

 

وفي المقابل، يكشف اقتصاد الحرب أن الصراع قد يتجاوز، بمرور الزمن، أهدافه الأولى، ليتحول إلى منظومة تنتج مصالحها الخاصة، وتعيد إنتاج شروط بقائها. وعند هذه المرحلة، لا يعود إنهاء الحرب رهناً بوقف إطلاق النار، وإنما يصبح رهناً بتفكيك البنية الاقتصادية والسياسية التي جعلت استمرارها أكثر ربحاً من انتهائها.

 

وانطلاقاً من ذلك، فإن الطريق إلى السلام لا يبدأ عند خطوط التماس، وإنما يبدأ عند الدولة نفسها؛ بإعادة بناء مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، وتجديد العقد الاجتماعي، وإعادة دمج الاقتصاد في إطاره المشروع، وتجفيف البيئة التي تسمح للحرب بأن تتحول إلى نظام دائم.

 

ولا يدعو هذا التحليل إلى التقليل من أثر العوامل الخارجية، كما لا يحمّل الداخل وحده مسؤولية ما آل إليه الصراع، وإنما ينطلق من أن التفسير العلمي يقتضي النظر إلى العلاقة بين المستويين معاً. فالتدخلات الخارجية تزداد فاعلية عندما تجد بيئة داخلية هشة، كما أن قوة الدولة تزداد كلما نجحت في تضييق المساحات التي تسمح للآخرين بتحويل أزماتها إلى أدوات في صراعاتهم.

 

ولعل أهم ما تكشفه التجربة السودانية أنها تعيد طرح سؤال الدولة في القرن الحادي والعشرين بصورة جديدة. فالدولة لم تعد مطالبة فقط بحماية حدودها، وإنما أيضاً بحماية مؤسساتها، واقتصادها، ومجالها المعلوماتي، وتماسكها الاجتماعي، لأن هذه جميعاً أصبحت ساحات للصراع لا تقل أهمية عن الميدان العسكري.

وعلى مستوى أعمق، لا يبدو ما يجري في السودان مجرد تعثر في إدارة أزمة، وإنما تعبيراً مكثفاً عن تحولات أوسع في بنية النظام الدولي ذاته. فكما يذهب جوزيف ناي، لم تعد القوة مركزة بما يسمح بالحسم السريع، وإنما أصبحت موزعة بين أدوات وفاعلين ومستويات متعددة. وفي هذا الفراغ النسبي، يجد اقتصاد الحرب، كما شرحه بول كوليير، البيئة التي تسمح له بإعادة إنتاج نفسه، بينما يبين ديفيد كين أن الفوضى قد تتحول، بالنسبة لبعض الفاعلين، إلى نظام يدر منافع مستمرة. أما على مستوى الدولة، فإن ابن خلدون ومالك بن نبي يذكران بأن التماسك الداخلي هو الشرط الأول للمناعة الوطنية، في حين يوضح غرامشي أن الهيمنة تبدأ بالسيطرة على المجال العام قبل أن تمتد إلى المجال السياسي، ويؤكد هنتنغتون وفوكوياما وتيلي وميردال أن بقاء الدولة مرهون بقوة مؤسساتها، لا بحجم ترسانتها وحدها.

وعندما تُقرأ هذه الإسهامات في ضوء الحالة السودانية، تتضح حقيقة مركزية: أن مستقبل السودان لن يُحسم فقط بنتائج المعارك، ولا بحجم التدخلات الخارجية، وإنما بقدرته على استعادة الدولة بوصفها الإطار الجامع للمجتمع، وعلى تحويل السلام من اتفاق سياسي إلى مشروع وطني لإعادة البناء.

 

وفي ختام هذه القراءة، لا يتأخر الحسم، وإنما يتغير معناه. فالسودان لم يعد مجرد أزمة تبحث عن حل، وإنما أصبح واقعاً يفرض منطقه، حيث يكتب الميدان ما تعجز عنه القرارات، ويكشف حدود نظام دولي لم يعد قادراً على فرض نهايات حاسمة بقدر ما أصبح أكثر قدرة على إدارة صراعات ممتدة. ولعل ما شهده العالم خلال السنوات الأخيرة، من الحرب الروسية الأوكرانية وما أفرزته من اصطفافات دولية متسعة، شملت الدعم الغربي الواسع لأوكرانيا، وتعميق الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين، والدعم العسكري الذي قدمته كوريا الشمالية لروسيا، إلى الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، مروراً بأزمات الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، يؤكد أن العالم دخل مرحلة تتراجع فيها قدرة القوى الكبرى على فرض الحسم العسكري أو السياسي التقليدي، مقابل تزايد قدرتها على احتواء الأزمات وإدارتها لفترات طويلة. والسودان، اليوم، ليس خارج هذا التحول؛ بل يقف في قلبه، بوصفه إحدى الساحات التي يُعاد فيها تعريف معنى القوة، والسيادة، والدولة، والحسم نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى