وزارة التجارة السودانية.. حين ابتلعت الصناعة بوابة السودان إلى العالم

مهند عوض محمود
من القرارات التي تحتاج إلى مراجعة عاجلة في هيكلة الجهاز التنفيذي السوداني دمج وزارتي الصناعة والتجارة في وزارة واحدة. فارتباط القطاعين لا يعني تطابق وظائفهما؛ الصناعة تصنع السلعة وتضيف إليها القيمة، والتجارة تحولها إلى أسواق وعائد وعملة أجنبية.
الأستاذة محاسن علي يعقوب جاءت أساساً من خلفية وزارة الصناعة، ومن الطبيعي أن تكون الصناعة المساحة الأقرب إلى خبرتها واهتمامها. ولا أنتقص هنا من جهدها أو خبرتها؛ فإعادة تشغيل المصانع التي دمرتها الحرب، وتأهيل المناطق الصناعية، وتوطين الصناعات وإحلال الواردات، ملفات ضخمة تستحق وحدها وزيراً متفرغاً.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من يدير تجارة السودان؟
مَن الذي يتابع أسواق السمسم والصمغ العربي والفول السوداني والقطن والثروة الحيوانية والذهب؟ مَن يراقب المنافسين والأسعار والفرص الجديدة؟ ومن يعالج مع المصدرين والمصارف والموانئ والجمارك والنقل، الاختناقات التي ترفع تكلفة الصادر السوداني وتضعف قدرته على المنافسة؟
هذه ليست ملفات جانبية في وزارة يغلب عليها النشاط الصناعي. هذه وظيفة دولة كاملة اسمها وزارة التجارة.
بعد حرب أنهكت الاقتصاد وزادت الضغط على العملة الوطنية، يفترض أن تكون التجارة الخارجية إحدى أهم أدوات التعافي الاقتصادي.. وزارة التجارة التي نحتاجها ليست وزارة سجلات وتصاديق، وإنما غرفة عمليات للأسواق والصادرات؛ تعرف أين نفقد حصتنا، وأين يتقدم المنافسون، ولماذا ترتفع تكلفة صادراتنا، وما الأسواق التي يمكن دخولها.
والوقت لا ينتظرنا. فالسودان، رغم ميزاته التاريخية في الصمغ العربي والسمسم ومحاصيل نقدية أخرى، يواجه دولاً توسع إنتاجها وتحسن سلاسل إمدادها وتنافسه في الأسواق. وفي التجارة الدولية، السوق التي نفقدها اليوم قد نحتاج سنوات لاستعادتها.
لذلك فإن إعادة وزارة التجارة كوزارة مستقلة يجب ألا تكون مجرد فصل إداري، بل إعادة بناء لوظيفتها واختيار قيادة تناسبها. وأرى أن يُطلب من اتحاد أصحاب العمل السوداني والكيانات الممثلة للمصدرين والمنتجين ترشيح شخصيات مارست التجارة الخارجية فعلياً وتعرف التمويل والمصارف والشحن والتأمين والموانئ والأسواق الدولية.
نحتاج إلى وزير يعرف بالممارسة كيف يمكن لزيادة في تكلفة النقل أو الجبايات أن تُخرج سلعة سودانية من المنافسة، وكيف يمكن أن نخسر في أشهر مشترياً خارجياً استغرق الوصول إليه سنوات. نحتاج إلى عقلية السوق داخل مؤسسة الدولة.
وهذا لا يعني تسليم السياسة التجارية لرجال الأعمال؛ فالدولة تضع السياسات وتحمي المصلحة الوطنية، لكن من يقود التجارة يجب أن يعرف السوق الذي يتعامل معه.
أما الصناعة، فهي بدورها تستحق وزارة مستقلة ووزيراً متفرغاً لإعادة تشغيل المصانع، وتوطين الصناعات، وزيادة القيمة المضافة، وهي مهمة هائلة في مرحلة إعادة الإعمار.
إن التنسيق بين وزارتين قويتين أفضل من دمج وزارتين مختلفتين ثم ترك إحداهما تذوب داخل الأخرى.
لذلك أدعو السيد رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس إلى مراجعة قرار الدمج وإعادة وزارة التجارة كوزارة مستقلة ذات صلاحيات واضحة وقيادة ذات خبرة عملية في الأسواق والتجارة الخارجية.. لسنا بحاجة إلى كرسي وزاري إضافي، وإنما إلى استعادة وظيفة استراتيجية غابت داخل الدولة السودانية.
وزارة الصناعة مهمتها أن تجعل السودان ينتج أكثر، ووزارة التجارة مهمتها أن تجعل العالم يشتري من السودان.. وإعادة وزارة التجارة اليوم ليست مسألة هيكل إداري، بل ضرورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من موقع السودان في الأسواق وإعادة بناء اقتصاده بعد الحرب.



