حول حديث الصديق “يوسف عبد المنان” بشأن تحديث بيانات عملاء المصارف

العبيد أحمد مروح
أواخر العام 2022 قررتُ أن أستخدم تطبيق بنكك، برغم أني كانت لدي بطاقة الصراف الآلي؛ قمت بإنزال التطبيق من متجر قوقل، وأدخلت البيانات المطلوبة، وكنت أظن أنه بإمكاني أن أستخدم التطبيق فوراً، لكن وصلتني رسالة من البنك تطلب مني زيارة أقرب فرع لإتمام الإجراء، وبالطبع لم يكن أمامي خيار آخر سوى أن أفعل.
في اليوم التالي، ذهبت إلى أحد أقرب الفروع من مكان سكني، وكان ذلك هو الفرع المئوي على شارع عبيد ختم، فدخلت وتوجهت إلى الموظفة المسؤولة، حيث رحبت بي وطلبت مني أن أجلس قليلاً ريثما تأتيني بالاستمارة المطلوبة، وبالفعل في دقائق معدودة أتتني بكتلة من الورق كان مطلوباً مني أن أقرأها على مهل وأجيب على المعلومات المطلوبة.
وأنا أقرأ تلك الاستمارة، واستحضر الإجابات، بدأ يداخلني شعور وكأني أملأ استمارة طلب تأشيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأوقفت الخطوات وذهبت إلى أحد كبار الموظفين بالفرع ليشرح لي الحكمة من وراء طلب هذه المعلومات، فأجلسني أمامه، بعد أن تعرف على شخصي وبدأ يشرح:
أنت تعرف يا سعادة السفير أن بنك الخرطوم هو البنك الوحيد الذي خرج من دائرة العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان .. قلت له أعرف ذلك، وأعرف أنه هو البنك الوحيد في السودان المسموح له بالتعامل في الدولار، فأضاف: وأن هذه الخطوة لم تأت إلاّ بعد جهد كبير ومثابرة بذلتها الإدارة العليا للبنك مع وزارة الخزانة الأمريكية، وأثبتت فيها أن أنظمة البنك متسقة مع المعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وملاذات التهرب الضريبي .. ولذلك فإن هذه الاستمارة التي أمامك هي جزء من التزامنا تجاه النظام المالي الدولي الذي أصبحنا جزءاً منه.
تذكرت تلك الوقائع وأنا أقرأ المقال الذي سطّره يراع الأخ العزيز يوسف عبد المنان عن مبادرة إخوة كرام من بنك الخرطوم – ذكرهم – وبالتعاون مع الاعزاء في مركز الفضاء العالمي، لتسهيل إجراءات الصحفيين والمثقفين في ولاية الخرطوم، لتحديث بيانات حساباتهم ، في إطار تحديث بيانات عملاء الجهاز المصرفي، كجزء من المواكبة المطلوبة ليصبح السودان جزءاً من النظام المالي الدولي.
وحسناً فعل بنك الخرطوم، ومركز الفضاء العالمي أن أتاح لرموزٍ من أهل الثقافة والصحافة والمسرح والموسيقى، اللقاء وتجديد التواصل، بعد طول غياب، بعد أن باعدت الحربُ بينهم وذاقوا مرارة النزوح وأثرَ البُعد عن الديار.
ولأن الصديق يوسف عبد المنان صاحب نفس طويل، ياخذك بمعلوماته المتدفقة واستطراداته المتصلة، من أول العمود الصحفي إلى آخره، دون أن تلتقط أنفاسك، فيدلق كثيراً من العبارات والجمل التي يحتاج بعضها لحواشٍ تشرحها، فقد رأيت – وللفائدة العامة – أن أعلق على بعض الجوانب التي وردت في عموده المشار إليه، وحتى يطمئنّ أهل الثقافة والصحافة والموسيقى والمسرح، وكلُّ السودانيين، إلى أنّ المخاوف التي أثارها تبقى آثاراً جانبية لجوهر ما هو مطلوب، وليست فعلاُ ضاراً لا بالعموم ولا الخاصة.
وأقول في ذلك إن تحديث بيانات عملاء المصارف – كل المصارف – متطلبٌ رقابيّ ومصرفيّ معمولٌ به دولياً، يُجرى دورياً، ويشمل البيانات الأساسية وطبيعة النشاط ومصادر الدخل وطرق اقتناء الأموال وسائر ما يلزم للوفاء بمتطلبات مبدأ «أعرف عميلك» (KYC)، تعزيزاً لسلامة الأنظمة المصرفية وموثوقيتها.
وأمّا الاستغرابُ من الأسئلة المتعلقة بأمريكا، فمردُّه الأساسي هو الالتزام بقانون الامتثال الضريبي الأمريكي (FATCA)، وهو قانونٌ يستهدف منع التهرّب الضريبي عبر التعرّف على حسابات ذوي الجنسية الأمريكية المقيمين خارج الولايات المتحدة، لتتبّع دخولهم والتحقّق من سدادهم لما عليهم من ضرائب، سدّاً للثغرات. وقد استمدّت أمريكا قدرتها على فرض العقوبات على الأفراد والدول والمؤسسات المالية من كون معظم حركة الأموال في العالم تجري بالدولار عبر مقاصّة تسوياته في نيويورك داخل أراضيها.
والتزاماً من السودان — شأنه شأن سائر الدول — بالمعايير والمطلوبات الدولية، فقد سبق أن أصدر البنك المركزي في عام 2013م موجّهاتٍ للمصارف بالالتزام بمتطلبات FATCA. وكنا في سفارات السودان بالخارج نؤكد للبنوك المركزية في محطات التمثيل أن لدى بنك السودان المركزي وحدة خاصة بذلك (كان مقرها في حي العمارات) ،
وعليه، فإنّ تضمين بعض الأسئلة المتعلقة بأمريكا في نموذج التحديث لا يعني شبهةً في حقّ العميل ولا إجراءً مقصوداً به بعينه، بل هو وفاءٌ بمتطلبات الامتثال الدولي وتحقّقٌ من انطباق صفة «الأمريكي» عند وجود مؤشراتٍ تستوجب ذلك، كالجنسية أو الإقامة الضريبية أو غيرها. فالأسئلة لا تعني خضوع جميع العملاء لمتطلبات FATCA، وإنما التحقّق عند انطباق الصفة فحسب.
وقد تأكدت بنفسي من بنك السودان، أنّ تحديث البيانات مطلوبٌ لذاته لدواعٍ كثيرة، أوّلها التحقّق وحفظ حقوق العملاء وودائعهم؛ فهو إجراءٌ رقابيّ احترازيّ يقلّل المخاطر على العميل نفسه وعلى البنك والمجتمع قاطبةً، وينبغي تلافي أيّ خلطٍ بين الأمور.
وأرجو أن يطمئن الأخ يوسف وجميع الزملاء أن هذا الجهد لن يذهب هدراً، بل سيقطف الناسُ ثماره عاجلاً أم آجلاً؛ فالعالم لم يعُد جزراً معزولة، بل غدا في ظلّ العولمة قُطراً واحداً مترامي الأطراف، حتى صار ما تُلزم به المصارفُ عملاءها من تحديثٍ للبيانات من أهمّ متطلبات التعامل المصرفي في أيّ بقعةٍ من العالم، لا حِكراً على مصارفنا في السودان وحدها .



