من إدارة الغلاء إلى بناء القدرة المالية: ماذا يستطيع المواطن أن يفعل؟

نعمان يوسف محمد **
في المقال السابق تحدثنا عن سؤال يؤرق معظم الأسر السودانية اليوم: كيف يستطيع المواطن أن يتعامل مع الغلاء والتضخم ويحافظ على قدرته الشرائية؟
لكن هناك سؤالا أكثر أهمية يستحق أن نطرحه اليوم:
ماذا لو لم يعد الهدف مجرد البقاء في مواجهة الغلاء، وإنما بناء قدرة مالية تجعل الأسرة أكثر صموداً أمام الأزمات القادمة؟
فالفرق كبير بين أن نحاول كل شهر أن نلحق بالأسعار، وبين أن نعيد بناء طريقة إدارتنا للدخل والإنفاق والادخار والعمل.
لا يمكن للمواطن أن يهزم التضخم وحده:
لنكن واقعيين. المواطن ليس مسؤولا عن التضخم، ولا يستطيع بمفرده أن يعالج اختلال سعر الصرف أو ضعف الإنتاج أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة أو اضطراب الأسواق.. هذه قضايا تتطلب سياسات اقتصادية وإنتاجية ومالية ونقدية على مستوى الدولة.
لكن عدم قدرة المواطن على معالجة المشكلة الكلية لا تعني أنه عاجز تماما أمام آثارها.. هناك مساحة يمكنه التحرك فيها:
كيف يحصل على دخله؟
كيف ينفقه؟ كيف يحمي جزءا منه؟ كيف يدخر؟ وكيف يحول جزءا من موارده إلى أصل أو نشاط يولد دخلا؟ وهنا تبدأ فكرة القدرة المالية.
من «زيادة الدخل» إلى «تنويع الدخل»:
كثيرا ما نقول إن الحل هو زيادة الدخل.. صحيح، ولكن السؤال الأهم هو: هل يكفي أن يكون للأسرة مصدر دخل واحد مهما كان حجمه؟
في بيئة اقتصادية شديدة التقلب، فإن الاعتماد على مصدر واحد للدخل يمثل مخاطرة بحد ذاته.. لذلك قد يكون الحل الأكثر واقعية لبعض الأسر هو بناء مصادر دخل متعددة، ولو بدأت بمصدر صغير.
موظف لديه مهارة يمكن أن يقدم خدمة بعد ساعات العمل.. ربة منزل يمكن أن تحول مهارة الطبخ أو الخياطة أو التصنيع الغذائي إلى نشاط مدر للدخل.. شاب يمكن أن يتعلم مهارة رقمية أو مهنية ويحولها إلى مصدر دخل.. أسرة يمكن أن تدخل في نشاط إنتاجي صغير بدلاً من أن يذهب كل دخلها إلى الاستهلاك.. فالفكرة ليست أن يتحول كل مواطن إلى رجل أعمال.. بل أن يتحول جزء من وقت الأسرة ومهاراتها ومواردها إلى قدرة إنتاجية.
الادخار الصغير ليس مبلغاً صغيراً:
في ظل الغلاء، قد يبدو الادخار ترفاً.. وقد يقول البعض: «كيف أدخر وأنا بالكاد أستطيع تغطية مصروفاتي؟»
وهذا سؤال مفهوم.. لكن الادخار لا يبدأ بالضرورة بمبلغ كبير.. قد يبدأ بمبلغ صغير ومنتظم.. المشكلة ليست دائما في حجم المبلغ، وإنما في غياب عادة الادخار.. فالأسرة التي تستطيع أن تدخر مبلغا بسيطا بصورة منتظمة، تبني مع الوقت سلوكا ماليا مختلفا.
والادخار ليس فقط وسيلة لتجميع المال؛ بل هو وسيلة لبناء هامش أمان، حتى لا تضطر الأسرة إلى بيع أصل أو الاقتراض عند أول طارئ.
لكن الادخار وحده لا يكفي:
وهنا نصل إلى نقطة مهمة.. ففي بيئة تضخمية، الاحتفاظ بكل الموارد في صورة نقدية لفترات طويلة قد يعني فقدان جزء من قيمتها الحقيقية.. لذلك ينبغي أن ننظر إلى المدخرات باعتبارها مرحلة أولى وليست نهاية الطريق.
الهدف النهائي هو أن يتحول جزء من المدخرات، عندما تسمح الظروف والقدرة والمخاطر، إلى:
أصل منتج، أو أداة تحفظ القيمة، أو نشاط صغير، أو استثمار في مهارة ترفع القدرة على الكسب.. وهنا ننتقل من: الادخار من أجل الادخار إلى الادخار من أجل بناء القدرة.
لا تجعل كل دخلك يذهب إلى الاستهلاك:
نحن لا نتحدث هنا عن حرمان الأسرة من احتياجاتها.. لكن هناك فرق بين الإنفاق الضروري والإنفاق الذي يمكن تأجيله، وبين الإنفاق الذي يستهلك الدخل والإنفاق الذي يساعد على إنتاج دخل جديد.
قبل شراء أي شيء غير ضروري، قد يكون السؤال المفيد: هل هذا الإنفاق سيستهلك قدرتي المالية فقط، أم يمكن أن يساعدني مستقبلا على زيادة دخلي أو تقليل مصروفاتي؟
قد تكون الإجابة مختلفة من أسرة إلى أخرى.. لكن مجرد طرح السؤال يغير طريقة التفكير.
الاستثمار في الإنسان قد يكون أفضل استثمار:
في أوقات الأزمات، يميل الناس إلى التفكير في المال فقط.. لكن أحد أهم الأصول التي يمكن للأسرة أن تستثمر فيها هو الإنسان نفسه:
تعلم حرفة.. تطوير مهارة.. تعلم استخدام التكنولوجيا.. تحسين القدرة على التسويق.. تعلم مهارة مالية.. تطوير مهارة مهنية يمكن بيعها في السوق المحلي أو عن بعد..
فهذه استثمارات لا تتوقف قيمتها بالضرورة عند تغير الأسعار.. فالمهارة التي تزيد قدرة الإنسان على الكسب قد تكون، في بعض الحالات، أهم من مبلغ صغير يحتفظ به دون استخدام.
التكنولوجيا فرصة وليست رفاهية:
التحول الرقمي لا يعني فقط استخدام الهاتف في التواصل.. الهاتف أصبح أداة للعمل، والتسويق، والتحويلات، والدفع، والوصول إلى العملاء، وحتى إدارة النشاط التجاري.
ولهذا فإن الانتقال من النقد إلى الادخار والدفع الرقميين يمكن أن يساعد الأسر على بناء سجل مالي أفضل، وتنظيم مواردها، وتقليل بعض مخاطر التعامل النقدي..
والأهم أن الرقمنة يمكن أن تجعل الخدمات المالية أقرب إلى المواطن، خصوصاً أصحاب الدخول الصغيرة وأصحاب الأنشطة متناهية الصغر.
التعاون يمكن أن يخفض تكلفة الحياة:
هناك أشياء يصعب على الفرد القيام بها وحده، لكنها تصبح ممكنة عندما تتعاون مجموعة من الأسر أو المنتجين:
الشراء الجماعي.. الإنتاج الجماعي.. التسويق المشترك.
النقل المشترك.. الجمعيات التعاونية.. صناديق الادخار.
المشروعات المشتركة.
هذه ليست أفكارا جديدة، لكنها قد تصبح أكثر أهمية في وقت الأزمات.. فالمواطن الذي لا يستطيع تحقيق اقتصاديات الحجم بمفرده، يستطيع أحيانا تحقيقها بالتعاون مع الآخرين.
من «مواجهة الغلاء» إلى «بناء المرونة المالية»:
ربما لا نستطيع أن نمنع ارتفاع الأسعار غداً، لكن يمكننا أن نسأل:
هل لدينا أكثر من مصدر للدخل؟ هل لدينا عادة ادخار؟
هل نملك صندوقا للطوارئ؟
هل نمتلك مهارة يمكن تحويلها إلى دخل؟ هل لدينا أصل منتج؟ هل نستفيد من التكنولوجيا؟ هل نعرف أين يذهب دخلنا؟ هل نستطيع تقليل بعض المصروفات دون الإضرار باحتياجاتنا الأساسية؟ هل نستطيع التعاون مع آخرين لتقليل التكلفة أو زيادة الدخل؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تكون بداية تحول كبير.
كلمة أخيرة:
المواطن السوداني اليوم لا يحتاج إلى نصائح مثالية من نوع «أنفق أقل وادخر أكثر»، لأن الواقع أصعب من ذلك.. هو يحتاج إلى منظومة تفكير جديدة:
احمِ دخلك.. نوّع مصادره.. ادخر ولو قليلا.. استثمر في قدرتك على الكسب.. حوّل جزءا من مواردك إلى أصول منتجة.. استخدم التكنولوجيا.
وتعاون مع الآخرين.
الدولة مطالبة بإصلاح الاقتصاد، وزيادة الإنتاج، واستقرار العملة، وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار والعمل.. لكن إلى أن تتحقق الإصلاحات الكبرى، يستطيع المواطن أن يبدأ بإصلاح ما يقع داخل دائرة قدرته.
فالمواجهة الحقيقية مع التضخم ليست أن نركض خلف الأسعار كل يوم. بل أن نبني دخلا أكثر تنوعا، وإنفاقا أكثر وعيا، وادخارا أكثر انتظاما، وقدرة إنتاجية أكبر..
فالمواطن لا يستطيع أن يهزم التضخم وحده.. لكنه يستطيع أن يقلل من قدرة التضخم على هزيمته.
** مصرفي سابق _ استشاري التطوير المؤسسي



