أين موضع التسامح والعدالة في الحوار السوداني القادم (2-2)

أبوعبيدة أحمد علي
إذا كانت العدالة ضرورة، فإن عدالة المنتصر ليست عدالة، كما أن المصالحة التي تُبنى على نسيان الحقيقة لا يمكن أن تصنع سلامًا دائماً، فالسودان يحتاج إلى عدالة تفرق بين المذنب والبريء، وتسأل عن الدليل قبل الانتماء، وتحاسب من ارتكب الجريمة، لا من يحمل اسم قبيلة أو منطقة أو حزب.. ومن هنا فإن الحوار السوداني، والتفاوض لإنهاء الحرب، والمصالحة المجتمعية، ثلاثة مسارات مختلفة لا ينبغي وضعها في سلة واحدة.
الحوار الوطني ينبغي أن يتسع للسودانيين جميعًا، لكن الاتساع لا يعني إسقاط المعايير. والتفاوض قد تفرضه ضرورات الواقع، لكنه لا يمنح الشرعية السياسية تلقائيًا لكل من حمل السلاح. أما المصالحة المجتمعية فهي أعمق وأبقى، لأنها تتعلق بإعادة بناء الثقة بين السودانيين.
الحوار ليس قاعة تُجهز، وكراسي تُرتب، وأسماء تُدعى، وبيانًا ختاميًا يُكتب.. الحوار الحقيقي يحتاج إلى أرضية وطنية، وإلى اتفاق على معنى الدولة، واحترام سيادتها، وإعادة بناء مؤسساتها.. ويحتاج السودان، قبل كل شيء، إلى مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، وفق الدستور والقانون، وإلى معالجة قضية السلاح والقوات النظامية بما يمنع تكرار ظاهرة تعدد الجيوش والولاءات.. فلا يمكن بناء دولة حديثة بجيشين، ولا إقامة ديمقراطية مستقرة فوق بنادق متعددة الولاءات.
إن الخطر الأكبر أن يتحول أي حوار قادم إلى صفقة سياسية بين النخب، يتقاسم فيها المتفاوضون السلطة، بينما يبقى الشعب خارج الغرفة.. فالسودان لا يحتاج إلى صفقة تعيد إنتاج الأزمة، وإنما إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة، ويعيد النازحين واللاجئين، ويعمر المدن والقرى، ويفتح المدارس والمستشفيات، ويصلح الاقتصاد، ويعيد الخدمة المدنية، ويضع السلاح تحت سلطة الدولة، ويؤسس لنظام سياسي ديمقراطي يستمد شرعيته من الشعب.
ولذلك فإن الطريق الأكثر أمانًا هو:
حقيقة → عدالة → مصالحة → إعادة بناء → دولة ديمقراطية.
وقد تتداخل هذه المراحل، لكنها لا يجوز أن تلغي بعضها بعضًا.
السودان ليس ملكًا لحزب أو حركة أو تحالف سياسي أو قوة عسكرية. السودان ملك لشعبه، والجيش ملك للدولة، والدولة ملك للشعب، والسلطة تكليف وليست غنيمة، والسياسة خدمة وليست إرثًا.
ونقول لدعاة التسامح: نعم، نريد التسامح، ونريد أن يتصافح أبناء السودان، ويعود النازح إلى داره، واللاجئ إلى وطنه، والطالب إلى مدرسته، والمزارع إلى حقله.. لكن لا تطلبوا من الضحية أن تنسى قبل أن تعرف الحقيقة، ولا أن تسامح قبل أن ترى العدالة.
ونقول لدعاة العدالة: نعم للعدالة، ولكن لا تجعلوها ثأرًا، ولا تستخدموا دماء الشهداء وقودًا للانتقام السياسي.. وفي النهاية، نريد سودانًا تنتصر فيه الدولة على الفوضى، والقانون على القوة، والعدالة على الانتقام، والتسامح على الكراهية، والمواطنة على العصبية، والسلام على الحرب.. ذلك هو السلام الذي يستحقه السودان.. وذلك هو التسامح الذي لا يقتل العدالة.



