تقارير

كيف جاء رد السفير الحارث إدريس على المقترح الأمريكي و مداخلات سفراء الدول الغربية أمام جلسة مجلس الأمن رقم (541) أمس الإثنين

نيويورك – المحقق

كانت الجلسة التي عقدها مجلس الأمن الدولي، أمس (الأثنين) ، في جانبها الإجرائي، جلسة إستماع مفتوحة، أو جلسة “إحاطة” ولم تكن مخصصة لأخذ قرار بشأن المقترح الأمريكي بتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور بموجب قرار المجلس رقم 1591 الصادر في 2005، وإضافة عناصر جديدة له، ومع ذلك فقد تبين الإتجاه العام للآراء من مداخلات عدد من الدول الأعضاء في المجلس، سواء الدول دائمة العضوية أو الأعضاء الآخرين، أو حتى الدول التي تمت دعوتها للمشاركة في الجلسة كجمهورية مصر والمملكة العربية السعودية ، وهو إتجاه يتحفظ على المقترح الأمريكي.

وقد جاءت مداخلة مندوب السودان الدائم لدي الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس الحارث، في جزئين: الأول توضيحاً لموقف الحكومة السودانية وسياساتها فيما يتعلق بالجوانب الإنسانية والحقوقية، وهي كلمة معدة وفقاً للتقارير المقدمة والتي يتم الاطلاع عليها سلفاً؛ وقد تم نشرها في موضع آخر من هذا الموقع، والثاني تعليقاً على المقترح الذي تقدم به ممثل الولايات المتحدة الأمريكية، ومبعوث الرئيس ترامب للدول العربية والأفريقية، مسعد بولس، والذي سانده عدد من مندوبي الدول الغربية.

وفيما يلي يورد “المحقق” الجزء الثاني من كلمة السفير الحارث، والتي جاءت تعليقاً على المقترح الأمريكي ومداخلات عدد من مندوبي الدول الغربية.

السيد الرئيس،

لقد تطرق أيضاً البعض منكم، بعض الوفود، وكذلك السيد المحترم مسعد بولس، إلى المطالبة بتوسيع نطاق القرار 1591 ليشمل كافة أراضي السودان، وما سيترتب عن ذلك من تدمير ممنهج للقوات المسلحة السودانية التي تصد العدوان الأجنبي وتقوم بحماية المدنيين.

وإن عودة 5,000,000 لاجئ ونازح إلى السودان، في مناطق تواجد الجيش، لخير دليل على أن الحكومة الموجودة حالياً بمكونيها تحظى بالشرعية.

السيد الرئيس،

إنه من بالغ القلق الاتجاه الذي اتخذه مشروع القرار الأمريكي والغربي قيد التداول بالمجلس بشأن تجديد التدابير المنشأة بموجب القرار 1591.

لقد كان موقف السودان واضحاً: أن المطلوب في هذه المرحلة هو تمديد تقني للنظام القائم، وليس إعادة تصميم نظام الجزاءات أو تغيير طبيعته ونطاقه الجغرافي.

ومع ذلك، فإن النسخة المعدلة من المشروع الأمريكي لا تزال تتمسك بجوهر المقترح الأصلي، بل تضيف في بعض جوانبها عناصر جديدة توسع نطاق النظام وولاية لجنة الجزاءات وفريق الخبراء.

إن أكثر ما يثير القلق المقترح الوارد في الفقرة العاملة (1)، بتطبيق تدابير حظر السلاح بصورة موحدة على كامل أراضي السودان، بعد أن ظل نطاقها طوال أكثر من 20 عاماً مرتبطاً بدارفور، وفقاً للإطار الذي أنشأه المجلس.

إن هذا ليس تعديلاً فنياً، ولا مجرد مواءمة للنظام مع التطورات الميدانية؛ إنه تغيير جوهري في طبيعة نظام الجزاءات.

وإن المشروع لا يكتفي بتوسيع النطاق الجغرافي للحظر، بل يقترح كذلك توسيعاً كبيراً لمعايير الإدراج.

الفقرة العاملة (2) تضيف طائفة واسعة من الأفعال التي يمكن أن تشكل أساساً للإدراج في قائمة الجزاءات.

لا يقلل السودان بأي حال من خطورة هذه الانتهاكات المفضية إلى الإدراج وفقاً لبعض تلك المعايير، أو من ضرورة المساءلة عنها، ولكن يؤكد أن إدخال قائمة جديدة وواسعة من معايير الإدراج يعني، من الناحية القانونية والعملية، أننا أمام توسيع لنظام الجزاءات، وليس مجرد تجديد له كما جرت العادة.

إن السودان يجد مفارقة أساسية في المقاربة التي يقوم عليها هذا المشروع. النص نفسه يعرب عن القلق إزاء التدفق المستمر للمساعدات العسكرية الخارجية والأسلحة والذخائر إلى الأطراف المتحاربة، ويشير تحديداً إلى إطلاق وتشغيل الطائرات المسيّرة من أراضي دول ثالثة.

تطلب الفقرة العاملة (3) الدول الأعضاء بوقف الدعم المباشر أو غير المباشر، سواء كان لوجستياً أو مالياً أو عسكرياً، واتخاذ التدابير لمنع إطلاق وتشغيل الطائرات المسيّرة من أراضيها.

وإذا كان المشروع نفسه يقر بأن تدفقات السلاح والدعم الخارجي تمثل عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الحرب، فإن السؤال الذي يتعين على المجلس الإجابة عليه:

لماذا تكون الاستجابة لتلك الانتهاكات بتوسيع القيود على السودان بأكمله، بدلاً من ضمان إنفاذ الحظر القائم ومساءلة الجهات التي تنتهكه وتواصل إمداد الجماعات المسلحة بالسلاح والعتاد؟

وهي معروفة لديكم، ولكن لن يجرؤ أحد، لن يجرؤ أحد، على مسها.

السيد الرئيس،

أثبتت التجربة أن الإشكالية لم تكن في ضيق النطاق الجغرافي للقرار 1591، ولكن في عدم التنفيذ الفعال للتدابير التي قررها المجلس.

توسيع خارطة الحظر لن يوقف شبكات الإمداد الخارجي إذا ظلت قادرة على العمل دون مساءلة. لا يمكن معالجة انتهاك نظام جزاءات قائم بإنشاء نظام أوسع، بينما تظل أسباب عدم تنفيذ النظام الأول قائمة.

يثير المشروع مسألة مبدئية تتعلق بالطريقة التي ينظر بها المجلس إلى النزاع في السودان.

إن القوات المسلحة السودانية ليست جماعة مسلحة، وليست كياناً موازياً للدولة. إنها المؤسسة العسكرية الوطنية للدولة السودانية، التي احتفلت في الأسابيع الماضية بمرور أكثر من 70 عاماً، ويعود إنشاؤها منذ الاستعمار الإنجليزي.

ولذلك، فإن نظام الجزاءات المطروح يؤدي عملياً إلى وضع مؤسسات الدولة والجماعات المسلحة في مستوى واحد، ويخضعهما بصورة غير متميزة للقيود نفسها.

إن ذلك هو استهداف أساسي للسيادة الوطنية، يتجاهل فرقاً قانونياً ومؤسسياً أساسياً لا يجوز لمجلس الأمن إغفاله.

إن النسخة المعدلة توسع بصورة ملحوظة ولاية فريق الخبراء؛ فهي لا تكتفي بتكليفه بمراقبة تنفيذ الحظر المقترح على كامل السودان، ولكن توسع نطاق عمله ليشمل استخدام الطائرات المسيّرة والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج، ولوجستيات ونقل الأسلحة والمواد ذات الصلة، والاستخدام غير المشروع للموارد الطبيعية.

هذه العناصر مجتمعة تؤكد، مرة أخرى، أن المشروع لا يقوم بتجديد آلية قائمة فحسب، وإنما يسعى إلى إنشاء نطاق جديد وأوسع.

أُنشئ القرار 1591 في سياق محدد، بأهداف ونطاق جغرافي محددين. وإذا رأى المجلس أن الظروف الراهنة تستدعي بحث قضايا جديدة تتعلق بالحرب في السودان، فإن تلك القضايا ينبغي مناقشتها بشفافية وفي إطارها الصحيح، وليس إدخالها تباعاً في نظام جزاءات أُنشئ قبل أكثر من 20 عاماً لغرض محدد، ثم تقديم النتيجة باعتبارها تجديداً لذلك النظام.

إن السودان لا يطالب المجلس بتجاهل الوضع في دارفور، ولا يطلب إضعاف الآليات القائمة.

ما نطلبه أمر بسيط ومعقول: الحفاظ على نطاق القرار 1591، وتجديد التدابير القائمة تجديداً تقنياً، وتحسين تنفيذها، ومعالجة الانتهاكات الفعلية للحظر ومصادر الإمداد الخارجي التي تقوده.

فعالية نظام الجزاءات لا تُقاس بمساحة الأراضي التي يغطيها أفقياً، ولا بعدد المعايير الجديدة التي تضاف إليه، وإنما بمدى نفاذه رأسياً، واحترام الدول الأعضاء، وقدرة المجلس على إنفاذ قراراته بحق من ينتهكونها.

توسيع نظام الجزاءات إلى كامل السودان في هذه المرحلة لن يسهم في بناء الثقة أو تهيئة الظروف لإنهاء الحرب، ويؤدي إلى نتائج عكسية من خلال تقييد الدولة السودانية، بينما تظل شبكات الإمداد غير المشروع قادرة على تجاوز القيود.

إن الخيار الأكثر اتزاناً وقابلية للتوافق هو التمديد التقني، مع توجيه جهود المجلس نحو التنفيذ الصارم للحظر الحالي، وحماية المدنيين، وصون سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه.

في الوقت الذي يناقش فيه مجلسكم مستقبل نظام العقوبات، لا يمكن تجاهل مسألة تمس نزاهة ومصداقية النظام ذاته.

لقد أكمل فريق الخبراء المعني بدارفور تقريره الختامي، الذي يفترض أن يخضع للإجراءات المؤسسية المعمول بها، بما في ذلك نظر لجنة العقوبات فيه تمهيداً لاعتماده ونشره.

إن هذا المسار يتعرض لمحاولات تعطيل وضغوط مرتبطة بما توصل إليه الفريق من استنتاجات بشأن دور دولة الإمارات المؤجج والمحرك لاستمرار النزاع في السودان.

إن محاولة تأخير نظر اللجنة في تقرير مهني لمجرد أن نتائجه لا تروق لإحدى الدول الأعضاء تقوض الغرض ذاته الذي من أجله أنشأ المجلس فريق الخبراء المستقل.

السيد الرئيس،

منذ طرد المليشيا من الخرطوم في 25 مارس 2025، وخسارتها للطريق الاستراتيجي الرابط بين أم درمان والأبيض في يوليو، وتراجعها إلى غرب دارفور مطلع أغسطس 2026، تغير أسلوب اعتداءاتها بشكل بنيوي، بالتخلي عن القتال المباشر وتصعيد الضربات بالمسيّرات.

وإن طبيعة المخاطر المتولدة من هذا الاستخدام والتغول، أن السلاح الذي تتلقاه المليشيا من داعميها الخارجيين وما تحصل عليه عبر أسواق التهريب الإقليمية يتم تداوله خارج أي إشراف مؤسسي أو رقابي، ما يفاقم انتشار الجريمة المنظمة وينشئ اقتصاداً إقليمياً موازياً يهدد الأمن والسلم.

هذه الحقيقة تنشئ نظام «حوكمة الفوضى» المشفوعة برعاية فاعلين ورعاة أجانب إقليميين. هؤلاء يستهدفون استقرار السودان ويغذون عوامل التقسيم والانشطار فيه.

وتتمدد سلطة ونفوذ هؤلاء المضاربين بريع الموارد المنهوبة عبر الحدود، وأصبحت هذه منظومة تجارة وأعمال حولت حرب العدوان على السودان إلى نموذج «حرب أعمال – Business War»، تدعمه علاقات تعاقدية ومشترون وممولون في السوق السياسي، الذي ينخر في عروض الدولة السودانية، ويعمل على مأسسة نظام روافعه المال والقوة والسلطة، ومقاتلون أشباح، ونظام سخرة وعبودية جديدة تستقطب الشباب والمغامرين.

وهذا البعد هو الذي يجعل من العنف بضاعة.

ولذلك، فإن إمداد المليشيا بمنظومات دفاع جوي محمولة، وتسرب هذه المنظومات إلى القرن الأفريقي ودول الساحل، يشكل تهديداً للطيران المدني والبعثات الأممية ولعملية مكافحة الإرهاب، وهي بدورها قابلة للانتقال الهدام.

السؤال الذي يتعين على المجلس الإجابة عليه:
لماذا تكون الاستجابة لتلك الانتهاكات بتوسيع القيود على السودان بأكمله، بدلاً من ضمان إنفاذ الحظر القائم؟

إن القوات المسلحة تعمل بالتعاون مع كل الآليات الإقليمية والدولية والأممية، بما فيها الآليات الوطنية للدول.

إن أي إجراء ينال من قدرة القوات المسلحة على الدفاع عن المدنيين المستهدفين بالهجمات، مثل ما يقترح مشروع القرار، يعيد إنتاج البيئة والفراغ الاستراتيجي الذي أنتج مجزرة الفاشر.

من يقترح ذلك لا نعتبره حياداً سلبياً عاطلاً عن المسؤولية الأخلاقية، بل نعده عدواً لشعب السودان والمدنيين.

إن استخدام المسيّرات من طرفين لا يجعلهما سواسية، وإنما العبرة في [المدافع] أو في الدافع وراء الاستخدام.

لا يمكن التسوية بين من يستخدمها للفتك بالمدنيين وتدمير البنى التحتية، ومن يتصدى له دفاعاً عن المدنيين. هذا هو الفارق في الأداة الواحدة والغايات المختلفة.

السودان لا يعارض ضبط تدفقات السلاح، بل هو الطرف الأكثر تضرراً منها والمتشدد في المطالبة بوقفها.

ولكن حظراً شاملاً على كامل السودان، دون تمييز بين قوات مسلحة نظامية تمارس حقها المشروع بالدفاع عن أرضها وحماية مواطنيها، وبين كيان مسلح حصل على ترسانة مسلحة عبر خروقات موثقة للحظر القائم، ليس عدلاً.

شكراً، السيد الرئيس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى