تطفيف المكاييل وتعددها: قراءة في جلسة مجلس الامن أمس حول السودان

المحقق – محمد عثمان آدم
بدا لي نقاش مجلس الأمن الدولي أمس (الأثنين) حول السودان ذا طابع سياسي أكثر منه إنساني أو أخلاقي. فالسياسي هنا يعني استعراض المصالح الجيو-اقتصادية.
صحيح قولهم أن أكثر من 33 مليون سوداني تأثروا بشكل مباشر بالقتال و تبعاته، وأن التأثير لا يقتصر على السودان فحسب، بل يمتد إلى الدول المجاورة، إلا أن الحجج التي صاغتها الدول الأعضاء في خطاباتها لا تستند إلى أسس إنسانية أو أخلاقية، سواء كانت مؤيدة أو معارضة للسودان وجيشه.
وباستثناء روسيا وباكستان واليونان والسعودية ومصر والصين، لم تُدن الدول الأعضاء بشكل قاطع مرتكبي الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بل وحتى الاعتداءات الجنسية. هذه جرائم أشار إليها خبراء أوفدتهم منظومة الأمم المتحدة نفسها، وقد سمّى هؤلاء الخبراء مرتكبيها بوضوح. ومع ذلك، لم تُدن أي من الدول الأعضاء المذكورة، باستثناء قلة منها، هذه الممارسات علنًا في مثل هذا الاجتماع، ولم تُصرّح بأن هذه الممارسات الشائنة أخلاقاً و المدانة قانوناً أحد أسباب رغبتها في اتخاذ إجراءات إضافية في السودان فوق ما قررته القرارات الأممية السابقة منذ عشرات السنين أو يقل قليلا . إذ تهربت هذه الدول من الخوض في الموضوع، واكتفت بالإشارة إلى طرفي النزاع كلما ضاق عليها الخناق حججاً.
هذا ما حدث عندما صرّح ممثل المملكة المتحدة بوجود اختلاف في نوع وكمية الجرائم التي ارتكبها أحد الطرفين. هنا، اختار الممثل ذكر جرائم الاختطاف لأجل الحصول على فدية والتي يرتكبها طرف واحد فقط. لكنه لم يذكر اسم هذا الطرف لأنه لم يكن الجيش السوداني و لك أن تتخيّل لو أن الجيش السوداني هو من ارتكب تلك الجرائم والفظائع!
مسألة أخرى: تثق “الديمقراطيات” الغربية ثقة عمياء في وسائل الإعلام، وتعتبر ما تنشره من المسلّمات، بل أحد المصادر الموثوقة للمعلومات والتوعية العامة. الآن، أفادت وسائل الإعلام والصحافة في جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وخاصة الدول الخمس دائمة العضوية، ووثّقت تقاريرها التي تُشير إلى أن الإمارات العربية المتحدة كانت وراء تسليح جماعة متمردة وميليشيا في دولة أخرى، ليست حتى دولة مجاورة، بل دولة في قارة أخرى، والأدلة على شحنات الأسلحة والمرتزقة والتمويل، وبالطبع الدعم السياسي والإعلامي، وفيرة، ومع ذلك لم يذكر أحد اسم الإمارات العربية المتحدة ومساهمتها السلبية في معاناة ملايين السودانيين. تخيلوا لو كان هذا هو السودان الذي يقف خلف ميليشيا أو متمرد يعتدي على الإمارات؟ ما سيكون رد الفعل والإجراءات؟
ولكن أغلب المداخلات نحت هذا المنحى كأنهم ينقلون النص من بعضهم البعض: “لذا، ندعو جميع الجهات الخارجية الفاعلة إلى الامتثال الكامل لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بما في ذلك القرار 2791 لسنة 2025، واحترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وذلك بالامتناع عن أي تدخل أو إمداد مسلح يغذي الأعمال العدائية. ويجب محاسبة كل من يساهم في إطالة أمد النزاع أو ينتهك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وفقاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة”. لكنك لا تجد اسماً لهم في مثل هذه الموقف مثل “سمي الجاروف جاروفا Call the Spade Spade ” أي ينبغي أن تسمى الأشياء باسمها.
إلا أن الأمر الموجب والذي لا شك يخدم المصالح الجيو-اقتصادية لكثير من الدول و قد شهدت مآلات نقيضه في دولة جارة، وهو ما قارب أن يكون إجماعاً إن لم يبلغه ،أن المتحدثين جميعا رفضوا قيام أي شكل مواز يقود في نهاية الأمر إلى تقسيم البلاد و النيل من سيادتها و رفض أي شكل تنفيذي مواز للحكومة في الخرطوم وزاد اكثرهم و خاصة مصر والسعودية وباكستان و روسيا والصين من بين أخرى أن الجيش السوداني يظل أحد المؤسسات التي ينبغي الحفاظ عليها والذي يظل أحد ممسكات الدولة السودانية كياناً.
إلا أن ما سرني في المداولات كلها النظم الجلي لعمل الدبلوماسية السودانية والذي يتجلى في مداخلات الدول الأفريقية والعربية والآسيوية مما أبطل حدة الهجوم و كفأ قدور المكاييل المطففة



