الحوار السوداني – السوداني: وفاق كامل جاهز أم وفاق جزئي يقود لوفاق كامل؟

م.م. محمد الشاطر الأمين
الوطن في مفترق طرق.
إما أن نتحرك بمسؤولية ونحمي ما تبقى من الدولة، أو نترك الفراغ ليملأه الخراب.. والسؤال الذي يجب أن نحسمه اليوم:
هل ننتظر “وفاقاً كاملاً جاهزاً” على كل الملفات ونحن في خندق الحرب؟
أم نبدأ “بوفاق جزئي” يحفظ الدولة أولاً، ثم نبني عليه حتى نصل للوفاق الكامل؟
تجربة السودان تقول: أي تجاهل لأساسيات الدولة يقود للانهيار .. والأساس اليوم واضح: القوات المسلحة السودانية والحكومة القائمة هما من يتحملان عبء الدفاع عن السيادة وإدارة الدولة تحت النار .. وعليه فإن أي حوار وطني صادق يجب أن يبدأ من هذا الثابت.
1. مرجعية الحوار: واقع ما بعد الحرب
-الوفاق الكامل:
الانطلاق من ثوابت الدولة: وحدتها، سيادتها، وجيشها القومي. لا عودة لوصفات فشلت وأدخلتنا في دوامة.
-الوفاق الجزئي:
إعلان مبادئ عاجل يؤكد أن مصلحة السودان العليا فوق الجميع، وأن القوات المسلحة هي الضامن لوحدة الدولة حتى اكتمال الانتقال.
2. شرعية السلطة ..إسناد الحكومة الحالية:
الحكومة الحالية تتحمل مسؤولية الحرب والإغاثة وإدارة الدولة. إدخال البلاد في فراغ دستوري الآن خيانة للمواطن.
-الوفاق الكامل: إسناد كامل للحكومة القائمة كحكومة حرب وانتقال، مع توسيع المشاركة فيها لاحقاً بالكفاءات الوطنية.
-الوفاق الجزئي: الاتفاق على برنامج عمل وطني للحكومة: وقف العدوان، الإغاثة، تطبيع الحياة. على أن يتم التشاور في التوسعة بعد استعادة الأمن.
3. الحكم والإقليم .. وحدة تحت لا مركزية مسؤولة
أي حديث عن نظام الحكم يجب أن يبدأ من تأكيد وحدة السودان.
-الوفاق الجزئي: إدارة عاجلة للأقاليم المتأثرة بالحرب عبر الولاة والحكومة الاتحادية. وتؤجل الهيكلة النهائية لما بعد دحر التمرد.
ثانياً: الأمن أولاً.. ثم نناقش الباقي
4. الجيش: ضامن الانتقال
القوات المسلحة مؤسسة قومية. معركتها اليوم هي معركة الكرامة لحماية الأرض والمواطن.
-الوفاق الكامل: تأكيد الدور الوطني للجيش كضامن للانتقال، مع برنامج إصلاحي مهني بعد نهاية الحرب.
-الوفاق الجزئي: إجماع وطني على دعم الجيش الآن. وتأجيل أي نقاش حول الهيكلة لمرحلة ما بعد النصر حتى لا نطعن الجيش في ظهره.
5. العدالة: إنصاف الضحايا ومحاسبة المتمردين
-الوفاق الكامل: عدالة شاملة تبدأ بمحاكمة قيادات التمرد ومن تورطوا في قتل وتشريد المواطنين وتعويض النازحين.
-الوفاق الجزئي: البدء الفوري بتوثيق جرائم الحرب الحالية، تمهيداً لمحاكمات عادلة بعد استتباب الأمن.
6. الاقتصاد: المال العام تحت سيطرة الدولة
استمرار الحرب كشف خطورة الاقتصاد الموازي.
-الوفاق الكامل: إخضاع كل الشركات والمؤسسات لولاية وزارة المالية لتمويل معركة الكرامة وإعادة الإعمار.
-الوفاق الجزئي: خطوات عاجلة لحصر الإيرادات الاستراتيجية تحت سيطرة الدولة لتمويل المجهود الحربي والإغاثة.
ثالثاً: المشاركة الوطنية المسؤولة
7. طاولة الحوار: الوطنيون فقط
-الوفاق الكامل: دعوة لكل القوى الوطنية التي ترفض التمرد وتؤمن بوحدة السودان ودور الجيش.
-الوفاق الجزئي: البدء بجبهة وطنية عريضة من القوى السياسية والمجتمعية الداعمة للدولة. وفتح الباب لاحقاً لمن يلتزم بثوابت الوطن ويتبرأ من دعم المليشيات.
8. ملف الأحزاب: لا شراكة مع من خان الدولة
المحاسبة فردية، لكن لا مكان لمن شرعن التمرد أو وقف معه.
-الوفاق الجزئي: التوافق مع القوى الوطنية الفاعلة الآن. وتأجيل النقاش حول مشاركة الأحزاب التي فقدت مصداقيتها لما بعد الانتخابات.
رابعاً: الإنسان أولاً في ظل الحرب
9. ترتيب الأولويات: وقف العدوان ثم البناء
-الوفاق الكامل: العمل بالتوازي على الجبهة العسكرية والسياسية والخدمية.
-الوفاق الجزئي: الأولوية المطلقة هي دعم الجيش لإنهاء التمرد، ثم فتح المسارات الإنسانية، ثم الحوار السياسي الموسع.
10. النازحون واللاجئون: العودة بكرامة بعد النصر
أكثر من 10 ملايين مشرد.
-الوفاق الكامل: خطة قومية لإعادة الإعمار والتعويض تبدأ فور تحرير المناطق.
-الوفاق الجزئي: خطة إغاثة عاجلة وإيواء آمن بإشراف الدولة، تمهيداً لعودة طوعية بعد تطهير القرى والمدن.
11. الاقتصاد المعيشي: صمود الجبهة الداخلية
-الوفاق الكامل: برنامج إصلاحي شامل بعد الحرب.
-الوفاق الجزئي: حزمة إسعافية عاجلة للخبز والدواء والوقود بدعم من الدولة والحكومة الحالية لضمان صمود المواطن.
خامساً: السيادة والخطاب
12. الدور الخارجي: تيسير لا وصاية
-الوفاق الكامل: رفض أي تدخل في الشأن الداخلي.
-الوفاق الجزئي: قبول الدعم الإنساني والسياسي من الدول الشقيقة والصديقة بشرط احترام سيادة السودان ودعم خيارات حكومته.
13. الإعلام: جبهة موحدة
-الوفاق الكامل: ميثاق إعلامي وطني يجرم خطاب الكراهية ودعم المليشيات.
-الوفاق الجزئي: التزام فوري من كل المنابر الوطنية بدعم القوات المسلحة ووقف بث الشائعات التي تخدم العدو.
الخلاصة:أيهما يحفظ الوطن الوفاق الكلي ام الجزئي؟
لكن الثابت الذي لا نقاش فيه: لا دولة بلا جيش، ولا جيش بلا دولة.
-الوفاق الكامل الجاهز: يتطلب أولاً حسم المعركة عسكرياً. لا يمكن بناء دستور مستقر والرصاص لم يتوقف.
-الوفاق الجزئي الذي يقود لوفاق كامل هو الخيار الواقعي: إسناد الحكومة الحالية والقوات المسلحة، توحيد الجبهة الداخلية، إغاثة المواطن، ثم ننتقل لطاولة سياسية موسعة بعد النصر.
التاريخ لن يسألنا عن الشعارات. سيسألنا: هل وقفتم مع دولتكم وجيشكم في ساعة الخطر؟ و الإجابة يجب أن تكون: نعم. ومن هنا نبدأ.



