رأي

الحوار: تحديات البداية وفرص النجاح

 

 

بروفسور أحمد مجذوب أحمد على

لا أظن أن عاقلاً يرفض دعوة الحوار أينما وكيفما وممن جاءت. فالحوار منهج الأنبياء والمرسلين وكافة الدعاة والمصلحين والقادة والسياسيين والمفكرين، ولهذا فقد سعد الجميع بإعلان رئيس مجلس السيادة للحوار لكل أهل السودان، حواراً يعبر عن الوطن ثقافته وقيمه، أهدافه وآماله وآلامه ، لا تتدخل فيه الحكومة ، ولا تؤثر على مجرياته، يدعم هذا التوجه الرصيد الواسع والتجربة الثرة لأهل السودان فى هذا الأمر.

ولا أحتاج أن أذكر بأن البداية الصحيحة أن يجد أهل السودان في لجنه الحوار الميسرة ما يطمئنهم لبلوغ النهايات، وهذا يتحقق بوضوح رؤية ودور الميسرين، وعدم بروز أى مصالح سياسية أو شخصية لهم ، واتصافهم باستقلال كامل وعدم ارتباط بأى أجندة داخلية أو خارجية، وفهماً وعدالة ونزاهة تضعهم فوق الشبهات.

ولعل أول ما يبث الطمأنينة هو: وضوح خطة العمل، وهو يتحقق بعرض ومناقشة واعتماد خطة الحوار على الهواء مباشرة، ليطلع عليها كل المعنيين، خطة تبين منهج اللجنة فى اعتماد معايير اختيار العضوية، هل هي بالتمثيل الجغرافي؟ أم التمثيل الحزبي أم التمثيل الفئوي؟ أم القطاعي؟
وكيفية إشراك كافة الفئات: الأساتذة والمعلمين التجار والمزارعين والعاملين والرعاة وغيرهم، وكيف يتم حفظ معادلة النوع: ذكور وإناث شباب وشابات؟ وكم هى أعداد المشاركين؟ ومعيار تحديدها؟ وهل هناك لامركزية في الحوار؟ بحيث تنعقد مؤتمراته في القرى والفرقان والمحليات والولايات؟ ، بحيث تجمع مخرجاتها ويدفع بها لكيان قومي ينظر فيها على ضوء ما تجمع أمامه من توصيات.

إن وضوح معايير اختيار المستهدفين بالمحاورة هو أهم عناصر نجاحه. لأن الحوار الحقيقي هو الذي يشارك فيه أهل السودان جميعا: الرجال والنساء، الشيب والشباب، أهل العلم والفكر والثقافة، ممن تصدوا للعدوان والتآمر، من قادوا نفرات الكرامة وأسسوا ودعموا التكايا، من قدموا الغالي والنفيس في سبيل وطنهم، من حملوا هم الوطن في حدقات عيونهم، ممن ذاقوا ويلات الحرب من تهجير ونهب وسلب، من قادوا حملات التوعية وسخروا أقلامهم لنصرة الوطن.

وهنا تأتي أهمية الفصل في كيفية إشراك وتمثيل القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، فهم أكثر الفئات تأثرا بالحرب، فقدوا فيها القادة وزملاء الدفعة وأخوة الخنادق من المستنفرين والمجاهدين، فهؤلاء لابد من الاتفاق على كيفية مشاركتهم فى الحوار واستيعاب رضاهم، فهم شريحة أساسية في المجتمع ينبغي ألا يُغفل دورها ولا تُهمل رؤاها .

ومما ينتظر أن يفصح عنه: أسس وآليات ومنهج اتخاذ القرار في الحوار، وطرق تنفيذها، فلا قيمة لحوار لا يصدر قراراته ولا قيمة لقرارات تنفرد مجموعة بإصدارها ولا قيمة لحوار تدفن توصياته وقراراته بين أضابير المكاتب والملفات.
كما أن الحوار لا يكون حواراً إلا إذ عرفت موضوعاته: ماهى؟ ومَن يحددها؟ ، لأنها تمثل لب القضية ومحل التحاور، وإعلان رئاسة الدولة بعدم تدخلها فيه التزام بتحقيق الحرية في التداول، وهذا يبين أن محاور الحوار يحددها أهل الحوار كافة عبر آليات مفتوحة ومنابر مسموعة، تعرض وتجاز وتعتمد في مرحلة ماقبل جلسات الحوار المتخصصة ، لا وصاية عليهم ولا خيارات خارجية تُملى عليهم.

فتحديد الأجندة والاتفاق عليها يعد من أهم المراحل ، لأن تحديد الأجندة يرسم المسار ويبين المنهج، وهذا يتطلب إصدار نداء للجميع للمشاركة بالرأي عبر كافة الوسائل والوسائط، بتأسيس منصة تتلقى الاقتراحات وتدرسها وتجمعها في محاور رئيسية، لتكون ملخصاتها هي أجندة للحوار.

علماً بأن بعض قضايا الحوار ليست وليدة اليوم، إنما هي قضايا متراكمة، فهي تحتاج فقط أن تحرر وتعلن وتبعد عنها أجندة الخارج، لأن ما نحن فيه اليوم، ليس خلافاً بين السودانيين على أجندة داخلية، وإنما صراع أجندة خارجية، اتخذ من السودان ميداناً ومن بعض السودانيين أدوات يحركها لخدمة الأهداف، والجميع يعلم أن السودان أصبح _ فى الفترة التى سبقت الحرب _ مستباحاً للمخابرات العالمية، يسرح ويمرح فيه بعض السفراء كما يشاؤون دون مراعاة لأدنى مبادئ العرف الدبلوماسي. بغرض فرض إرادتهم على السودانيين، مستغلين بعض صغار النفوس، ممن جعلوا أنفسهم مطية لتمرير الأجندة مقابل دنانير معدودات.

ونشكر لرئيس مجلس السيادة أن رفع الحرج بجعل الحوار سودانياً داخل السودان، فكف بذلك أكبر منفذ، للتدخلات الخارجية عن المتحاورين. وإن كان للخارج دور واعتبار ، فالمعنيين به هم السودانيين الذين سخروا أنفسهم وأموالهم لنصرة الوطن ودعمه بالنفرات السياسية والمساهمات النقدية. هذا ما يتوجب على الميسرين إدراكه، لأنه من أهم الموجهات التي يجب أن تراعى.

لا جدال في أن دور الميسر أن يجمع الأطراف المتحاورة التى رضيت بقيم وأخلاق ومبادئ الوطن التي يأتي في مقدمتها: أن السودان دولة مستقلة ذات إرادة حرة تحدد رؤاها وخياراتها فى شأنها الداخلي والخارجي ، وإدراك هذا الدور وعدم تجاوزه، هو الخطوة الأولى في مسيرة النجاح، وكون الحوار سودانيا وداخل السودان تأكيد وتنبيه برفض الوصاية والتدخل الأجنبي، وهكذا يتحدد الإطار العام الذي بنبغي أن ينطلق منه الحوار.

وكون الحوار للناس كافة فيه ترسيخ لمبدأ التحرر من التبعية والانقياد والانعتاق من التسلط والهيمنة، الذي ادعاه البعض وأرادوا أن يرثوا به السودان وأهله، وهذا يؤسس لمبدأ مهم: أنه لا ينبغي لأحد أن يدعي تمثيلا للمواطنين ولا تفويضا منهم، فالتمثيل عبر آليات الانتخاب فى التجمعات المهنية والجمعيات والمنظمات الرياضية والثقافية، التي قضت نظم عملها على اختيار ممثليها عبر اختيار حر مباشر، أو كيانات اجتماعية أو دينية لها معاييرها فى اختيار القيادات التي تمثلها ، وكل هذا هو ترتيب انتقالي ، ينتهى بقيام المؤسسات التي تمثل الشعب لتقرر بعد ذلك في كل ما يرى الوطن، فمراحل وسياسات وتدابير الانتقال تزول أحكامها بزوال الأسباب، فآلية الانتخابات هى الأداة المتفق عليها محليا وعالميا لتمثيل الشعوب ، وطالما الأمر كذلك فلا وصاية لأحد، حتى لو استنصر بكل حكومات العالم ومنظماته.

والحوار يتطلب جهداً دقيقاً في الترتيب له وإدارته والاتفاق على مخرجاته والتركيز على نقاط الرأي الغالب أو الإجماع في القضايا المطروحة، وهذا يستلزم قدرات علمية ومعرفية وخبرات وتجارب عملية فيمن يتصدون له، والقدرات العقلية والصحية والبدنية لازمة مكملة لأداء المهمة، وتظل قضية تنفيذ المخرجات هي التحدي الرئيس والامتحان الحقيقي الداعين للحوار..
ولنا عودة في مقال قادم إن شاء الله عن قضايا الحوار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى