رأي

لا نهضة حقيقة بدون دولة قوية

د.إيناس محمد أحمد

غالباً ما تواجة الدول التي خرجت من الحرب معضلة أساسية تتمثل في كيفية إعادة البناء والإعمار وأسئلة من شاكلة من أين يبدأ الاعمار ؟ وكيف تكون التنمية ؟
ونحن في السودان عشنا سنوات وسنوات في حروب هنا وهناك ، أنهكت بلادنا وهدت اقتصادنا وتسببت في إجهاض كل محاولات الإصلاح لاقتصادنا ، ثم جاءت الحرب الأخيرة ليكون التحدي أكبر والأزمة أعمق والمهددات الداخلية والخارجية أكثر .

نتفق أن أساس النهضة من بعد ابتلاء الحرب هو التنظيم والتخطيط والرؤية الوطنية ثم تأتي الاحوال الجيوسياسية لتوجيهها نحو مصلحة إعمار الدولة ومكافحة الفساد والمحسوبية.

لنبدأ مثلاً بنموذج نهر الهان (كوريا الجنوبية) فبعد أن خرجت من الحرب الكورية عام 1953م ، لم تكن كوريا الجنوبية إلا دولة متعبة منهكة تعيش على المعونات والمساعدات لا تملك اقتصاداً ولا موارد قوية، يعيش شعبها في أمية وجهل و واقع قاتم ومستقبل مجهول ، و لم تكن هناك حلول في الأفق ، إلا أنها بفضل التخطيط الصحيح والإرادة الوطنية الصادقة ومحاربة الفساد و المحسوبية واستثمار الموارد بطريقة علمية، استطاعت كوريا الجنوبية، خلال ستة عقود، أن تتخطى حواجز الفوضى والدمار لتصبح من أقوى الاقتصاديات الصناعية في العالم.

هذا التحول لم يكن نتيجة معجزة بل نتيجة تخطيط اقتصادي سليم وجة بوصلة التنمية إلى قطاعات معينة تستطيع أن تنجح فيها،
وأقامت تحالف بين الشركات الكبري (State- Chaebol Alliance)
هذة الشركات لم تكن كيانات مستقلة ولا شركات حكومية خالصة إنما كانت شريكاُ اقتصادياً ملتزماً بتحقيق أهداف اقتصادية استراتيجية تنموية تحددها الدولة وفق خططها للنهضة طويلة الأمد في المقابل تحصل هذه الشركات على دعم حكومي مشروط بأداء معين يتمثل في قروض طويلة الأجل، ضمانات واعفاءات وفتح أسواق جديدة ولو خارج البلد ثم تطور الحال في العام 1997م وحدثت إصلاحات تعزز الشفافية والمنافسة العالمية، وكسرت البيروقراطية واعتمدت جهازاً إدارياً قوياً يقوم على الكفاءة فقط لا الولاء ، هذا الجهاز هو الذي نفذ الخطط الحكومية رغم تغير سياسات الحكومات المختلفة.

تجربة أخرى تتمثل في تايوان التي اعتمدت علي نموذج يقوم علي الشراكة الذكية بين الدولة وأسواق تنافسية تبتكر ثم تصنع ثم تصدر .
التجربة الثالثة هي تجربة رواندا التي خرجت من حرب أهلية وجرائم إبادة جماعية في العام 1994م ، جعلتها دولة فاشلة لكنها خلال ثلاث عقود اجتازت حالة الانهيار الاقتصادي والفشل السياسي ، لتتحول إلى أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا، وسعت إلى تأسيس اقتصاد يقوم على الابتكار والتطور التكنولوجي لا على الزراعة والرعي فقط ، واتخذت من العدالة الانتقالية عبر (Gacaca Courts) ، لصياغة عقد اجتماعي ومصالحة وطنية ترسخ مفهوم المواطنة كمعيار لبناء الدولة ، مما جعلها أقل الدول الأفريقية فسادا ومحسوبية. أدركت رواندا ان التنمية ليست موارد فقط بل قدرة الدولة علي محاربة الفساد وإدارة الموارد بطريقة صحيحة وتوجية الاقتصاد نحو الاستثمار المنضبط.

هذه التجارب الثلاث قد تكون متفاوتة في النطاق الزمني وفي اختلافها من قارة لأخرى وفي اختلاف ظروف حرب كل منها ، لكنها برهنت علي أن النهضة تنطلق من خطط استراتيجية وطنية قادرة و الاستفادة من كل الموارد وعبر مؤسسات منضبطة تستند على القانون ومكافحة الفساد لأنه العدو الأول للتنمية.

كما أن التطور الاقتصادي مرتبط بخصائص الدولة وما تملكه من موارد وثروات وما يمكنها من تنميته والاستفادة منه في الأسواق العالمية ، فلا يمكن لدولة ان تقلد دولة أخرى وإنما فقط تتبع الخطوات الصحيحة باتجاه التقدم وتنفيذ حزمة إجراءات تنموية.

وأول طريق التعافي هو صياغة عقد اجتماعي وحوار وطني لكل القطاعات حول كيفية النهضة بالدولة بضمانات ضد التقلبات السياسية والسعي لانتقال الدولة من مرحلة الحرب و الأزمة إلى مرحلة البناء و التنمية .

أضف إلى ذلك الحاجة إلى الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية الخاصة بإعادة الاعمار والبنى التحتية وتنمية موارد الطاقة ، ومعالجة الأضرار البيئية التي حدثت بفعل الحرب وتحديد الأضرار وكيفية جبرها ، فالدول الخارجة من الحرب تكون أمام خيارين إما إعادة إنتاج نموذج تنموي هش لا يستمر طويلا ويعيدها لدائرة الدول الفقيرة ،وإما تحويل مرحلة التعافي إلى فرصة لبناء اقتصاد وتنمية وعدالة وحوار مجتمعي فاعل على أسس قوية تستطيع أن تكون منصة للانطلاق نحو تغيير إيجابي جذري ينهض بالدولة.

السلام لا يبدأ عند وقف الحرب إنما يبدأ حينما يشعر الناس أن لديهم فرصة لبناء حياتهم ومستقبلهم من جديد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى