من تشخيص الأزمة إلى ميثاق البناء .. رؤية للحوار السوداني–السوداني الشامل

م. م. محمدالشاطر الأمين
لم تعد الأزمة السودانية نزاعاً سياسياً عابراً أو خلافاً حول تقاسم السلطة يمكن احتواؤه بالتسويات المرحلية، بل ارتقت إلى مستوى أزمة دولة ومجتمع وإنسان. أشعل فتيلها تمرد مليشيا الدعم السريع المسلح على مؤسسات الدولة الشرعية، فانزلقت البلاد إلى حرب شاملة استهدفت الدولة ذاتها وخلفت دماراً في البنية التحتية وانهياراً في الخدمات وتصدعاً عميقاً في النسيج الاجتماعي.
وقد تضرر من هذا التمرد، الشعب السوداني كافة، دون تمييز في نزوحه ولجوئه وفقدانه للأمن ومصادر الرزق وانقطاع تعليمه وعلاجه، كما أن من وراء هذا التمرد أجندات ومصالح أجنبية، استثمرت هشاشة الداخل وسعت إلى إعادة تشكيل السودان وفق حسابات لا تمت إلى إرادة السودانيين ومصلحتهم بصلة. وإزاء ذلك لم يعد السؤال “هل نتحاور” وإنما ” أي حوار سوداني – سوداني نريد وبأي منطق وإلى أي غاية”، فأصبحنا أحوج ما نكون إلى حوار وطني رشيد يبدأ بتشخيص موضوعي للحقائق ويمضي بالاتفاق على الثوابت وينتهي بــ”ميثاق ملزم وخارطة طريق قابلة للقياس”.
إن أولى خطوات المعالجة تبدأ بتشخيص دقيق للواقع الذي يواجه السودان اليوم والمتمثل في أزمة إنسانية من موجات نزوح ولجوء وفقد للأرواح والممتلكات طالت جميع الأقاليم، وانهيار في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء بفعل الاستهداف المباشر والتوقف القسري، وتدمير للطرق والجسور والمصانع والمؤسسات، وركود اقتصادي حاد تمثل في توقف الإنتاج وتعطيل التجارة ونهب الموارد وارتفاع معدلات البطالة والفقر، فضلاً عن آثار نفسية واجتماعية خلفها العنف والتهجير وستمتد لأجيال، والاتفاق على هذا التوصيف المشترك هو عتبة الحل لأي حوار سوداني شامل.
ولم يكن التمرد حدثاً فجائياً بل ثمرة تراكمات تمثلت في ضعف المؤسسات وغياب الحوكمة واختلال توزيع السلطة والثروة وتآكل الثقة وتوظيف القوة المسلحة في التنافس السياسي، وقد فاقمت من ذلك تدخلات خارجية سعت لدعم أجنداتها عبر تغذية التمرد وتأجيج الصراع، مما يطرح السؤال الجوهري عن الثغرات التي مكنت للتمرد وكيف نحصن الدولة والمجتمع السوداني كي لا يتكرر.
إن إدارة الاختلاف تتطلب تصنيف القضايا إلى ما يمكن التوافق عليه فوراً وما يتطلب معالجة دستورية وتشريعية وما يُرجأ إلى حين استتباب الاستقرار، مع التمسك بثوابت وطنية يجب أن يؤس عليها “الميثاق السوداني” وهي وحدة السودان وسلامة أراضيه وسيادة الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون والمواطنة المتساوية ورفض العنف والتمرد وسيلة للتغيير واحترام التعدد والتنوع.
وإذ نستشرف المستقبل فإن العودة إلى ما قبل الحرب تعني إعادة إنتاج أسبابها، وأن السودان الذي ننشد، هو دولة موحدة ذات سيادة تحرسها مؤسسات وطنية مهنية تقوم على سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة وتقيم العدل في توزيع التنمية وتحول تنوعها إلى رافعة للقوة.
ولتحقيق ذلك لا بد من خمسة مسارات متكاملة ومتلازمة: مسار الأمن والاستقرار عبر حسم التمرد ووقف العدائيات وحماية المدنيين ونزع سلاح المليشيات وبناء جيش وطني واحد مهني، ومسار معالجة آثار الحرب بعودة كريمة للنازحين واللاجئين وجبر الضرر والتعويض وإعادة الخدمات والتأهيل النفسي والاجتماعي، ومسار بناء الدولة العادلة بإصلاح الحكم واستقلال القضاء وضمان الحريات وإنفاذ العدالة الانتقالية، ومسار إدارة التنوع بالانتقال من الخشية من التعدد إلى الاعتراف المؤسسي به كمصدر قوة، ومسار إعادة بناء الاقتصاد بالانتقال من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد إنتاجي قائم على الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والطاقة والصناعة.
وفي هذا السياق تتحمل الدولة مسؤولية توفير الأمن والعدالة والخدمات بينما يكون المجتمع شريكاً أصيلاً بعلم الباحث واستثمار رجل الأعمال وإنتاج المزارع ومبادرة الشباب ودور المرأة وخبرة المغترب، فـ إعادة بناء السودان بعد التمرد مسؤولية تضامنية. ولكي لا يتحول الحوار السوداني–السوداني إلى خطاب استهلاكي يجب أن يُفضي إلى ثلاثة مخرجات محددة: الأولويات العاجلة المتمثلة في إنهاء التمرد وحماية المدنيين وإيصال المساعدات وإعادة الخدمات الأساسية، و الميثاق السوداني–السوداني كتعاقد وطني يؤكد أن السودان وطن للجميع وأن سيادة الدولة خط أحمر وأن رفض التدخل الأجنبي والمواطنة أساس الحقوق والواجبات، وخارطة الطريق التي تربط الأهداف بالزمن والمسؤوليات عبر مسار يبدأ بإنهاء التمرد ثم تثبيت الأمن ثم إعادة بناء المؤسسات ثم معالجة الآثار ثم إعادة الإعمار وصولاً إلى التنمية المستدامة.
إن السؤال المصيري ليس “من سيحكم غداً” وإنما “أي سودان سنسلمه لأبنائنا”، فإن بنينا دولة قوية بمؤسساتها عادلة بقوانينها منيعة ضد التدخل، نكون قد حولنا المحنة إلى منعطف تاريخي للنهوض، ويبدأ الحوار الحقيقي حين يدخل كل سوداني ليس ليدافع عن موقف بل ليسهم في صناعة حل ويحمي وطناً يستحق البقاء.



