رأي

أعنـصري أنـت؟

 

د. إسماعيل ساتي

قد يبدو العنوان مستفزاً، بل وربما ظالماً، إذا وُجّه إلى عربي يعرف السودانيين ويعيش بينهم ويعاملهم كإخوة. لكن السؤال هنا ليس عن علاقة العربي بالسوداني كفرد، وإنما عن كيفية التعامل مع السودان والنظر إلى السوداني عندما تصبح العلاقة علاقة دول ومصالح وسياسات وإعلام وثقافة. وهنا تظهر مفارقة لافتة: فالسوداني بين إخوانه العرب قد لا يجد عنصرية في حياته اليومية، لكن السودان بين بعض البلاد العربية قد يواجه أشكالاً من التمييز والنظر الدوني والتعامل غير المتكافئ؛ إعلامياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. وهذا ما يستحق أن يُقال بصراحة.

هناك قضية تسبق كل ذلك، لأنها تتعلق بالسؤال الأهم: من نحن؟ نحن السودانيين الذين نشأنا في السودان، نشأنا في مجتمع عربي اللغة والثقافة، امتزجت فيه مكونات تاريخية وجغرافية وحضارية متعددة، وحملنا هوية عربية كما حملها آباؤنا وأجدادنا. لم نختر هذه الهوية في استفتاء، ولم يمنحنا إياها حزب سياسي، ولم نستوردها من خارج السودان؛ إنها جزء من تاريخنا ووجداننا وثقافتنا ولغتنا وتكوين مجتمعنا.

ولذلك من الغريب أن يظهر اليوم من يريد أن يقنع السوداني بأن عروبته ليست حقيقية، أو أنها وهم تاريخي، أو أنها هوية فُرضت عليه، وأن عليه أن يتخلص منها لكي يكون «سودانياً» حقيقياً. ومن حق السوداني أن يكون أفريقياً وعربياً في الوقت نفسه، بل إن هذه الخصوصية من أهم سمات السودان: فأفريقيتنا لا تلغي عروبتنا، وعروبتنا لا تلغي أفريقيتنا. والمشكلة تبدأ عندما يتحول الحديث عن أفريقيا إلى مشروع لاقتلاع العروبة من السودان، وكأن الاعتزاز بأفريقيتنا لا يمكن أن يتحقق إلا بالتبرؤ من عروبتنا. وهذا أمر، حتى ولو قبله بعضنا، لا يستطيعون أن يفرضوه.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بصراحة هو: لماذا يحاول البعض أن ينزع من السوداني هويته العربية انتزاعاً؟ ولماذا يُطلب منه أن يعيد تعريف نفسه وفق تصور آخر، وتصبح عروبته أحياناً موضع اتهام، وكأنها تعني بالضرورة الاستعلاء أو إنكار أفريقيا؟ هذا خلط بين أشياء مختلفة؛ فأن تكون عربياً لا يعني أن تكون أفضل من غيرك، وأن تكون أفريقياً لا يعني أن تكون في مواجهة مع العرب، وأن تكون سودانياً لا يعني أن تتبرأ من أي مكوّن من مكونات هويتك. الهويات لا تحتاج إلى حرب بعضها ضد بعض، والسوداني يستطيع أن يكون سودانياً وأفريقياً وعربياً في آن واحد، دون أن يحتاج إلى الاعتذار عن أي منها.

ومن الطبيعي أن نعتز بالسودان وبثقافته وبشخصيته الوطنية، وأن نبحث عن مفهوم يجمع السودانيين جميعاً، لكن هناك فرقاً كبيراً بين «السودانوية» بوصفها هوية وطنية جامعة، وبين استخدامها أحياناً بطريقة تحمل استخفافاً بالهوية العربية أو محاولة لاستبدالها بها. فإذا كانت السودانوية تعني أننا سودانيون جميعاً، مهما اختلفت أصولنا ومناطقنا ومكوناتنا، وأن السودان وطننا المشترك، فلا مشكلة في ذلك. أما إذا أصبحت تعني أن علينا أن نتخلى عن عروبتنا حتى نكون سودانيين حقيقيين، فهنا يجب أن نقف؛ فالسودانوية لا تحتاج إلى قتل العروبة لكي تعيش، والوطنية لا تحتاج إلى محو الهوية، ومحاولة محو هوية جزء من المجتمع باسم الهوية الوطنية قد تنتج عكس ما يُراد منها، فتزيد الانقسام بدلاً من الوحدة.

والمفارقة أن السوداني قد يذهب إلى بلد عربي فيُعامل في حياته اليومية باعتباره أخاً وصديقاً وزميلاً، ثم يعود إلى الحديث عن السودان فيجد من يقول له إن هويته العربية هي المشكلة. فكيف يمكن أن يكون الإنسان السوداني عربياً عندما يعيش حياته، ثم تصبح عروبته موضع تشكيك عندما نتحدث عن هويته الوطنية؟ نحن لا نطلب من أحد أن يمنحنا عروبتنا، كما لا نطلب من أحد أن يعترف لنا بأفريقيتنا؛ نحن فقط نرفض أن يأتي أحد ليقرر لنا من نحن.

ومن الهوية ننتقل إلى الإعلام، حيث يُختزل السودان في بعض الخطابات الإعلامية العربية في الحرب والفقر والمجاعة والنزوح، وعندما يُختزل بلد كامل في أزمته تختفي شخصيته الحقيقية، ويختفي تاريخه وثقافته وإمكاناته، ويختفي الإنسان السوداني الذي ليس مجرد ضحية. نحن لا نطلب من الإعلام أن يخفي مأساة السودان، ولكننا نطلب منه ألا يجعل المأساة هي هوية السودان. وكما أن من حق أي بلد عربي أن يُعرض تاريخه وحضارته وثقافته إلى جانب أزماته، فمن حق السودان أن يُرى بالصورة نفسها.

أما السياسة فهي أكثر وضوحاً؛ فالسودان ليس مجرد أزمة إنسانية تحتاج إلى المساعدات، وإنما دولة ذات سيادة وشعب له الحق في تقرير مستقبله، وليس مجرد مساحة تتصارع حولها مصالح القوى الإقليمية والدولية. نحن نفهم أن للدول مصالح، لكننا نسأل: هل مصلحة السودان حاضرة بالقدر نفسه في حسابات من يتعاملون معه؟ هل يُنظر إلى السوداني باعتباره شريكاً، أم باعتباره طرفاً يمكن التأثير عليه عندما تقتضي المصالح؟ وهل تُحترم إرادة السودانيين بالقدر نفسه الذي نطالب به باحترام إرادة الشعوب الأخرى؟ هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي اعتبار طرحها عداءً لأحد.

والسودان ليس بلداً فقيراً في موارده، بل إن مفارقته الكبرى أن لديه من الموارد ما يكفي لأن يكون من الدول المهمة اقتصادياً، بينما ظل شعبه يعاني من الفقر والتدهور. فالأرض والمياه والزراعة والثروة الحيوانية والذهب والموقع الجغرافي والبحر الأحمر كلها تجعل السودان بلداً ذا قيمة استراتيجية واقتصادية كبيرة. لكن السؤال هو: هل كان السوداني دائماً المستفيد الأول من ثروات بلده؟ وهل تقوم العلاقات الاقتصادية مع السودان على شراكة حقيقية، أم تتحول أحياناً إلى استغلال لضعفه وحاجته؟ لا أحد يرفض الاستثمار العربي في السودان، بل السودان يحتاج إلى استثمارات حقيقية، لكن الاستثمار شيء وتحويل ضعف دولة إلى فرصة للهيمنة على مواردها شيء آخر.

ثم تأتي الثقافة، وربما تكون المشكلة فيها أكثر خفاءً. فالسودان له ثقافة عريقة، وله أدب وفن وموسيقى وتراث وتاريخ، ومع ذلك لا يحتل دائماً المكان الذي يستحقه في المشهد الثقافي العربي، وكأن هناك مركزاً ثقافياً عربياً وأطرافاً عربية تقع في الهامش، وكأن السودان مطالب بأن يثبت عروبته مرة بعد أخرى بينما لا يُطلب من غيره أن يثبتها. وهنا نقول بوضوح: نحن لسنا ضيوفاً على الثقافة العربية، ولسنا وافدين عليها، ولسنا بحاجة إلى شهادة انتماء؛ نحن جزء من تاريخها وثقافتها، مع خصوصيتنا السودانية والأفريقية التي نعتز بها.

ومن المهم أن يكون واضحاً أن هذا المقال ليس دعوة إلى عداء العرب، ولا رفضاً للعلاقات العربية، ولا إنكاراً لما قدمته شعوب عربية كثيرة للسودانيين. بل إننا نتحدث لأننا نرى أنفسنا جزءاً من هذا الفضاء العربي، والأخوة الحقيقية لا تعني الصمت عن الخطأ، وإنما تعني أن نستطيع أن نقول لأخينا: أنت مخطئ، وأن نقول لمن يظلمنا: لقد تجاوزت حدود الأخوة.

ربما لا تكون المشكلة في أن العربي ينظر إلى السوداني بدونية (وهو أمر غير صحيح البتة)، بل قد تكون أعمق من ذلك؛ فقد تكون في نظرة غير متساوية إلى السودان كبلد، وفي معايير مختلفة عندما يتعلق الأمر بذلك البلد، وفي محاولة من بعض الأطراف لأن يُنظر إلى السوداني باعتباره أقل عروبة من غيره، أو أن يُطلب منه التخلي عن جزء أصيل من هويته حتى يُقبل في تصور جديد للسودان. وهنا يصبح السؤال: أعنصري أنت؟ هل العنصرية هي فقط أن تكره إنساناً بسبب عرقه، أم يمكن أن تكون أيضاً أن تنظر إلى وطنه وشعبه وهويته من موقع أعلى، وأن تقرر له من يكون وما الذي يحق له أن يعتز به؟

نحن لا نطلب من أحد أن يمنحنا هوية، ولا نطلب من أحد أن يختار لنا عروبتنا أو أفريقيتنا. نحن سودانيون، وأفارقة، وعرب، وهذه ليست تناقضات، وإنما مكونات هوية تشكلت عبر التاريخ، ولا يملك أحد حق انتزاع أي جزء منها منا. فإذا كان من حقك أن تختار هويتك، فلماذا لا يكون من حقي أن أعرّف نفسي كما أرى نفسي؟ وهنا يصبح السؤال: أعنصري أنت؟ في موضع التحقق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى