بين يدي الحوار السوداني.. ما هي رؤية القوى السياسية والمدنية؟

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
سُكب مدادٌ كثير، وأُطلقت تصريحاتٌ كثيرة حول الحوار السوداني ـ السوداني، وعن الحرب والسلام وترتيبات المرحلة الانتقالية. وكل ذلك مهم، ولا أحد يقلل من أهمية إنهاء الحرب والوصول إلى سلام يعيد للبلاد عافيتها.
لكنني أظن أن هناك سؤالاً أهم لم يأخذ حظه من النقاش: ماذا ستضع القوى السياسية والمدنية أمام الشعب السوداني على طاولة الحوار؟
فالمواطن لا يعنيه كثيراً أن تجلس النخب مع بعضها وتتفق على صيغة جديدة للحكم، بقدر ما يعنيه أن يعرف: ماذا سيحدث لبلده وحياته بعد هذا الحوار؟ وما هي رؤية كل حزب وكل تيار وكل مجموعة سياسية ومدنية للسودان؟
نريد أن نسمع منهم بوضوح: هذه رؤيتنا السياسية لإدارة الدولة، وهذه رؤيتنا الاقتصادية للخروج من هذا الانهيار، وهذه رؤيتنا لمعالجة الفقر والبطالة وتدهور العملة وارتفاع الأسعار، وهذه رؤيتنا للصحة والتعليم والخدمات.
نريد أن نعرف كيف ينظرون إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وإصلاح الخدمة المدنية، وإعادة النازحين و اللاجئين، ومعالجة آثار الحرب، وتحقيق العدالة، وبناء دولة قادرة على حماية المواطن وفرض سيادة القانون.. بمعنى آخر، يدخل كل طرف إلى الحوار ومعه رؤية ومشروع وبرنامج، وليس فقط موقفاً سياسياً أو مطالب تفاوضية.
لقد جرب السودان كثيراً من الاتفاقيات والتسويات. جلس السياسيون إلى الطاولات، وتقاسموا السلطة والثروة، وشُكلت الحكومات، ثم انتهى الأمر في كثير من المرات إلى أزمة جديدة. والمشكلة أن المواطن كان غالباً آخر من تصل إليه نتائج تلك التسويات.
السلام مطلوب، وإنهاء الحرب ضرورة وفقاً لشروط الدولة، وترتيبات الفترة الانتقالية مهمة. لكن كل ذلك ليس هو النهاية. إنها مجرد بداية لطريق طويل عنوانه: كيف نعيد بناء السودان ونصلح حياة السودانيين؟
وهنا أتذكر قصة حدثت في عام 2005م، عندما كانت البلاد تستعد لاستقبال الدكتور جون قرنق.. كانت سيارتي تعاني مشكلة في العادم، فذهبت بها إلى ميكانيكي شهير متخصص في إصلاح العوادم. وبينما كان الصبي تحت السيارة يفك العادم، قال لمعلمه، وبنشوة واضحة:
«يا معلم، قالوا جون قرنق جاي!»
فرد عليه المعلم بكل برود:
«يا ولدي، جون قرنق يجي ويفوت، ويانا نحن تحت العربات دي! فك العادم سريع، خلينا نشوف شغلنا.»
قد تبدو القصة بسيطة، لكنها بقيت في ذاكرتي سنوات طويلة.. فقد جاء قرنق وذهب، وجاءت حكومات وذهبت حكومات، وتغيرت التحالفات، ووقعت اتفاقيات سلام، وحدث التغيير واندلعت حروب، وتبدلت الشعارات والوجوه.. لكن المواطن ظل، في كثير من الأحيان، تحت العربة.
لهذا، فإنني أرى أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحوار أو يكون في مقدمة أعماله ليس فقط: من يحكم؟ وكيف تنتهي الحرب؟ ومن يشارك في الفترة الانتقالية؟
السؤال الأهم هو:
ماذا لديكم للسودان وللمواطن السوداني؟
فإذا دخلت القوى السياسية والمدنية الحوار وكل منها يحمل رؤية واضحة للسودان الذي يريد بناءه، وبرنامجاً قابلاً للنقاش والتنفيذ، فقد يكون الحوار بداية حقيقية.
أما إذا دخلناه مرة أخرى بحثاً عن مواقع في السلطة وتقاسم النفوذ، فربما نغير أسماء الذين يجلسون حول الطاولة، بينما يظل المواطن تحت العربة.



