مشاهدات من لقاء القيادة … البرهان يسرد أبرز الوقائع خلال سبع سنوات

الخرطوم – المحقق – رئيس التحرير
لم يكن لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ظهر الخميس الماضي، في القيادة العامة للقوات المسلحة، مع أكثر من 135 صحفياً واعلامياً، من الجنسين، لقاءً عادياً، ومن الواضح أن رئيس مجلس السيادة جاء مستعداً لذلك اللقاء، على عكسنا نحن الإعلاميين حيث لم يكن لدينا تصور مسبق حول رؤوس المواضيع التي سيتم تناولها، فقد كان لكل منا توقعاته الخاصة، ولعل ذلك ما يفسر “كثرة المداد الذي أريق” حول ما جاء في اللقاء
ما قبل اللقاء:
قبل أن يصعد الإعلاميون إلى الباصات التي تقلهم إلى مباني القيادة العامة، حيث مكان اللقاء، خضعوا لإجراءات أمنية مشددة، إذ تم التأكد من أن أسماءهم “مكتوبة” على قول عادل إمام، وجُمعت الهواتف الذكية، وحين دخلوا إلى المبنى الذي يحوى مكان اللقاء، خضعوا للتفتيش مرتين وخلعوا الأحزمة وساعات اليد، ولذلك حين جلست في مقعدي بادر من يجلس بجانبي بسؤالي:
إذا كان البرهان يحتسي القهوة ويشرب العصير في الشارع العام، و يتجول وسط زحمة المولد، ويحمل طلاب المدارس معه على ظهر البوكس، دون أن يتعرض للخطر، فمم يخاف عليه هؤلاء وهو وسط الإعلاميين في مبنى القيادة العامة ؟ والحقيقة أني بقدر ما اجتهدت إلا أن أنني لم أجد إجابة مقنعة !!
داخل القاعة:
الوضع داخل القاعة الفسيحة ، المقسمة إلى ثلاثة أجزاء يفصل بينها ممشى طولي، كان مرتباً بشكل دقيق، الصف الأول- على جوانبه الثلاثة – كان التجليس فيه مرتب سلفاً، لكبارنا في السن والمقام ولمرافقي رئيس مجلس السيادة، وكانت الكراسي في الجزء الأوسط من الصف الثاني محجوزة للحرس، أما بقية القاعة فكان الجلوس فيها كما اتفق فأنت تختار مكان جلوسك حيث تحب .
قبل منتصف النهار، تقريباً، اكتمل التجليس، وتم اختبار أجهزة الصوت، وشاشة العرض، وحضر مصورو مجلس السيادة بكاميراتهم فنصبوا المنصوبة منها و رفعوا المرفوعة، وبعد اكتمال التحضيرات، دخل رئيس مجلس السيادة، بصحبة الفريق إبراهيم جابر، فحياّ الحاضرين، وعُزف السلام الجمهوري، وأخذ الجميع مواقعهم.
تولى تقديم البرنامج الدكتور عبد الملك النعيم، فأخبرنا أننا سنشاهد فيلماً قصيراً عن ملتقى الإعلاميين، وآخر عن الخرطوم يلخص قصة نهوضها من تحت الركام، كما أخبرنا أننا سنستمع لرسالة مسجلة بالصوت والصورة من أستاذ الأجيال البروفيسور علي محمد شمو، وقد حدث كل ذلك بالفعل. ثمّ طلب من البروفيسور عبد اللطيف البوني الذي كان يجلس بجوار البرهان في الصف الأول، ومن الدكتورة بخيتة أمين، أن يسلما توصيات الملتقى إلى رئيس مجلس السيادة، وقد فعلا.
حديث الرئيس:
صعد رئيس مجلس السيادة الانتقالي إلى منصة الحديث، فكرر تحية الحاضرين ورحب بهم وأعلن أن التوصيات التي تسلمها ستجد منه العناية اللازمة، و وجه بتشكيل لجنة متابعة لوضع التوصيات موضع التنفيذ، ومن ثم شرع في ما يود قوله من حديث.
لم يكن البرهان يقرأ من خطاب مكتوب، ولم ألحظ أن أمامه ورقة بها نقاط للحديث، لكن من الواضح أنه كان قد حضَّر نفسه لما كان يود قوله أمام هذا المحفل الإعلامي الكبير، والحقيقة أنه لم يترك قضية رئيسية شغلت الناس والرأي العام، خلال السنوات السبع الأخيرة، إلا وتطرق لها، وقال فيها روايته: تحدث عن ماضي الدعم السريع ومستقبله، وعن الشراكة العسكرية المدنية مع قوى الحرية والتغيير، و”كيف مضت وكيف انتهت واتبددت قبال أوانها” وعن الحرب وأداء القوات المسلحة خلالها، وعن وضع الجيش الحالي والمستقبلي، وعن العلاقات الخارجية في جزئها المتعلق بمواقف الدول من الحرب، وتحدث عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وعن أداء الحكومة المدنية التي أسماها “حكومة البروفسورات”، وتحدث عن الحوار السوداني- السوداني ومآلاته .. باختصار حاول البرهان أن يقدم سردية كاملة فيها كثير من المعطيات الجديدة لأهم الأحداث التي شهدتها البلاد، وأرسل من خلال ذلك جملة من الرسائل المتعلقة بالمستقبل، وهو ما سأحاول أن أفصل فيه من خلال هذا المقال.

عن الدعم السريع ومستقبله:
قال البرهان – والصياغة من عندي – إنه ليس صحيحاً القول بأنه عند سقوط نظام الإنقاذ كانت قوة الدعم السريع 20 ألفاً ، بل كانت نحو 75 ألفاً، أتت نتاجاً لدمج قوات حرس الحدود وقوى أخرى مع الدعم السريع، وأضاف أن الإنقاذ هي مَن تبنت الدعم السريع، وأن البشير رفض أمام قيادات عسكرية دمج الدعم السريع في القوات المسلحة (قال ذهبت له في معية عبد الرحيم حسين وعوض بن عوف ومحمد عطا واقترحنا عليه دمج الدعم في الجيش لكنه سأل محمد عطا ما إذا كان يوافق على أن يكون الدعم السريع تابعاً لقوة جهاز المخابرات، فوافق) أو كما قال، بل ذهب رئيس مجلس السيادة أكثر من ذلك فقال إن الإنقاذ كانت تخطط لدمج الجيش في الدعم السريع !!
وعن الموقف من الدعم السريع الآن، أكد البرهان أن موقفهم ثابت منذ مفاوضات جدة في مايو 2023 وقد ظلوا يكررونه لكل الوسطاء الذين يأتون إليهم، وهو باختصار إما أن يُهزم الدعم السريع ويستسلم قادته ويضعوا السلاح من تلقاء أنفسهم، أو أن يُصار إلى هدنة يتم خلالها خروج الدعم السريع من المدن والأعيان المدنية التي يحتلها، ويتم تجميع المقاتلين في أماكن تم تحديدها للوسطاء، ومن ثم يخضع المقاتلون إلى عملية تسريح وإعادة دمج، كما يخضع الذين ارتكبوا الجرائم إلى محاكمات، على أنه من المهم التأكيد أنه لا مستقبل سياسي أو عسكري للدعم السريع.
الشراكة مع قوى الحرية والتغيير:
قال البرهان إن القوات المسلحة لم تكن ترغب في أن تتولى الحكم في البلاد، وأنها عندما ساندت الثورة في أبريل 2019 وأقامت شراكة مع قوى الحرية والتغيير، كانت تأمل في تحول ديمقراطي سلس، ينتهي بانتخابات حرة يختار فيها السودانيون من يحكمهم، لكنهم إكتشفوا أن الأحزاب المكونة لـ”قحت” كان همها وهدفها هو السيطرة على السلطة وتنفيذ أجندتهم الخاصة، وأنهم عندما أحسوا – لاحقاً – بامتعاض قيادة الجيش من ذلك، جاءوا إليه بوفد ضم ياسر عرمان ومريم الصادق وبابكر فيصل واقترحوا عليه أن يبقى رئيساً لمجلس السيادة لمدة عشر سنوات مع منحه كل الضمانات اللازمة، على أن يُخلي بينهم وبين الحكومة يفعلون بها وفيها ما يشاؤون، لكنه رفض هذا العرض.
وأضاف أن رئيس الوزراء وقتها، عبدالله حمدوك، كان يشكو من سلوك أحزاب الحرية والتغيير، وقد كان متفقاً مع الجيش في إحداث التصحيح في 25 أكتوبر 2021 ، وأن ما حدث في ذلك التاريخ لم يكن انقلاباً وإنما كان تصحيحاً لمسار الثورة، وأشار إلى أنه قال قبل أيام لمجموعة من شباب ثورة ديسمبر أن كلاهما (الثوار والجيش) خُدعوا بواسطة أحزاب قحت، وأن تلك الأحزاب التي اصطفت مع الأجنبي لا مكان لها في مستقبل السودان السياسي.
وضع الجيش قبل الحرب وحالياً:
قال الفريق أول البرهان أنه كانت لديهم معلومات بنوايا الدعم السريع، وعندما اندلعت الحرب لم يكن الجيش في وضع تسليحي يكافئ ما كان لدى الدعم السريع، لكنهم بفضل استبسال جنود وضباط القوات المسلحة، ومساندة السودانيين الذين انضموا إلى معسكرات الجيش في وقت مبكر، تمكنوا من الصمود وصد موجات الهجوم الأولى، وأن أول إمداد عسكري وصلهم كان قد دفع قيمته أثنان من رجال الأعمال السودانيين خمسون مليون دولار لكل منهما.
وقدم البرهان تفاصيل جديدة حول خطة خروجه من القيادة العامة وعملية التمويه التي صاحبتها، وكيف أنه أشرف على المعارك عقب ذلك وأدار بنفسه معركة تحرير الخرطوم شارعاً شارعاً ومنزلاً منزلاً حتى غادرها آخر جنجويدي.
وأكد أن القوات المسلحة الآن في أفضل حالاتها من حيث الجاهزية والتسليح، وأنها بنت قواعد جوية جديدة في أكثر من ولاية، بعد أن كانت لا تملك إلا قاعدة واحدة مكشوفة للعدو ، وأن خطة دحر التمرد ستستمر كما هو مرسوم لها.
العلاقات مع الخارج:
بدا لي أن البرهان حسم موقفه من التعامل مع الخارج وحدد وجهة علاقاته المستقبلية، في ضوء مواقف مختلف الأطراف من الحرب التي يتعرض لها السودان، فقد سمى دولاً بعينها قال إنها وقفت بجانب الشعب السوداني في محنته بالمال والعون الإنساني، وبالموقف في المحافل الدولية والاقليمية وبغير ذلك، وقال إن دولاً مثل السعودية وقطر والكويت والجزائر وتركيا ومصر وإريتريا لم تتردد في تقديم كافة أشكال الدعم للسودانيين في محنتهم، بينما ناصبت دول أخرى شعب السودان العداء وقدمت كافة أشكال الدعم للمتمردين الذين ارتكبوا في حق المدنيين كل أنواع الجرائم كما في حالة الإمارات وإثيوبيا وتشاد وشرق ليبيا، ومع تنويهه بدور السعودية أكثر من مرة ألمح إلى أن الحرب رسمت مساراً جديداً لعلاقات السودان الخارجية..
كما أنه لم ينس إبداء عدم رضاه عن العلاقات مع الدول الغربية التي حاولت ممارسة الحصار على الدولة السودانية والإصرار على مساواة جيش البلاد الوطني بمليشيا الدعم السريع المتمردة، وأشار إلى أنهم منفتحون على جهود الوساطة المبذولة لكن لديهم خطوط حمراء لن يقبلوا بتجاوزها، وهي تجريد الدعم السريع من سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية، على النحو الذي أشرنا إليه أعلاه.
الأوضاع الاقتصادية والمعيشية:
أبدى البرهان عدم رضاه عن المستوى الذي وصلت إليه أوضاع البلاد الاقتصادية، وألمح إلى أن حرباً اقتصادية شُنت على البلاد، وقال إنه عندما اندلعت الحرب كانت هناك حسابات لمئات الشركات الحكومية في الخارج أغلبها في البنوك الإماراتية، وأن الإمارات استولت على معظم تلك الأموال وحولتها لصالح الدعم السريع، وقال إن الدولة لا تسيطر إلا على النذر اليسير من إنتاج الذهب وأن شركات الامتياز لا تمنح الدولة إلا نسبة ضعيفة، وأشار إلى أنهم لن يقفوا متفرجين على هذه الأوضاع رغم أنهم كانوا أوكلوا هذه الأمور إلى الحكومة المدنية.
غير أنه أكثر ما لفت نظري، ونظر مَن كانوا بجانبي، إشارته الواضحة إلى الفجوة بين الحكومة وبين عامة الناس، بعد أن سماها “حكومة البروفيسورات”، وقال إنه دعاهم للاقتراب من العامة وتلمس مشكلاتهم، وقد ربط بعض أصحاب الخيال الواسع ممن كانوا حاضرين بين هذه “الانتقادات” وبين حالة “التحفز” التي بدا عليها رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس عندما التقيناه عقب ذلك بنحو ساعتين.
الحوار السوداني:
أهم ما قاله البرهان عن الحوار السوداني – السوداني هو أنه داعم للمبادرة ويأمل في نجاحها، على الرغم من كونه أشار إلى عدم تبنيها بشكل واضح ، وكذلك حديثه – رداً على أحد الأسئلة – أن الحوار الحالي ليس معنياً بتقاسم سلطة أو خلافه من مشاركة في الفترة الانتقالية، وإنما هو معنى بمستقبل البلاد في جانبه المتعلق بالسلام الشامل والمصالحة الوطنية والدستور الدائم وغير ذلك من قضايا ما بعد الانتقال، وحين سُئل عن ردة فعله المحتملة إذا ما أوصى المتحاورون بعودة الدعم السريع إلى المشهد، قال البرهان إن هناك خطوطاُ حمراء حددها الشعب ولن يسمح بتجاوزها.



