رأي
الدولار الجمركي في السودان.. قرارٌ يطارد الدولار أم يطارد المواطن؟

د. الصادق علي حاج الشيخ
في السودان، لم يعد الدولار مجرد ورقة خضراء تعبر بها السلع الموانئ والأسواق، ولا مجرد رقم يتبدل على شاشات المصارف والصرافات؛ لقد أصبح مرآةً تعكس ارتباك الاقتصاد، وقلق المواطن، وحركة التجارة، وثقل الحرب على دولة تحاول أن تمسك بخيوط اقتصادها وهي تقاوم العاصفة.
وحين يرتفع الدولار الجمركي، لا يرتفع رقماً في دفتر الحسابات وحده؛ بل تمتد موجته من بوابة الجمارك إلى المستورد، ومن المستورد إلى التاجر، ومن التاجر إلى رفوف الأسواق، حتى يبلغ المستهلك الذي يجد أن الجنيه الذي في يده صار يشتري أقل مما كان يشتريه بالأمس.
لكن خلف هذا المشهد الاقتصادي سؤال أعمق لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج الأسعار: هل تستطيع زيادة الدولار الجمركي أن تضبط إيقاع العملة، أم أنها مجرد محاولة لتحصيل إيرادات من اقتصاد أنهكته الحرب؟ وأين ينتهي حق الدولة في إدارة مواردها، وأين تبدأ حدود القانون؟
في اقتصاد مستقر قد يكون لكل أداة مالية مجالها الواضح، أما في اقتصاد الحرب فتتشابك الخيوط: المالية تريد الإيرادات، والبنك المركزي يريد استقرار العملة، والجمارك تريد تحصيل مستحقات الدولة، والمستورد يريد بقاء تجارته، والمواطن يريد أن يجد السلع بسعر يستطيع احتماله.
ومن بين هذه الدوائر المتشابكة يقف الجنيه السوداني، كأنه سفينة صغيرة في نهر مضطرب؛ لا يكفي أن نراقب ارتفاع منسوب المياه، بل يجب أن نسأل عن مصدرها، وعن اتجاه التيار، وعن سلامة السفينة نفسها.
الدولار الجمركي وسعر الصرف.. مفهومان مختلفان
من الضروري في البداية التمييز بين سعر الصرف وسعر الدولار الجمركي. فسعر الصرف يدخل في صميم السياسة النقدية وإدارة النقد الأجنبي، وهي مسائل ترتبط بصورة أساسية باختصاصات بنك السودان المركزي وفق قانون بنك السودان لسنة 2002 وتعديلاته.
أما الدولار الجمركي فهو سعر تستخدمه السلطات الجمركية في تقييم السلع المستوردة وحساب الرسوم والضرائب المستحقة عليها. ومن ثم فإن رفع الدولار الجمركي لا يعني، من الناحية القانونية، أن الدولة حددت سعراً جديداً للدولار في السوق، لكنه قد يؤدي اقتصادياً إلى نتيجة شبيهة؛ لأنه يرفع القيمة بالجنيه التي تُحسب على أساسها الرسوم والأعباء المرتبطة بالاستيراد.
وهنا تبدأ المشكلة. فإذا ارتفع الدولار الجمركي بصورة متكررة بينما يظل الاقتصاد يعاني من شح النقد الأجنبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، فإن القرار قد يتحول من مجرد أداة لتقييم السلع إلى عامل إضافي في رفع تكلفة الاستيراد والأسعار.
القانون.. أين تبدأ سلطة الدولة وأين تنتهي؟
من منظور قانوني، لا ينبغي أن يكون النقاش حول القرار قائماً على سؤال واحد: هل تحتاج الدولة إلى الإيرادات؟
الإجابة واضحة: نعم، ولا سيما في ظل الحرب والضغط الهائل على موارد الدولة.
لكن السؤال القانوني الأهم هو: هل الجهة التي أصدرت القرار تملك الاختصاص؟ وما السند التشريعي الذي استندت إليه؟ وهل اتبعت الإجراءات والشكل القانوني الواجبين؟
يمثل قانون بنك السودان لسنة 2002 وتعديلاته أحد أهم الأطر القانونية المنظمة للعملة والسياسة النقدية، بينما ينظم قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2004 جانباً مهماً من عمل الجهاز المصرفي والنشاط المصرفي والرقابة عليه.
أما الجانب الجمركي فيرتبط بالتشريعات الجمركية والضريبية واللوائح والقرارات الصادرة من السلطات المختصة.
وهنا يجب التأكيد على قاعدة بسيطة لكنها جوهرية: لا يكفي أن يكون القرار مفيداً للخزانة العامة حتى يكون سليماً قانوناً؛ بل يجب أن يكون صادراً من الجهة المختصة، وبالأداة القانونية الصحيحة، ولغاية مشروعة، وبإجراءات سليمة، وألا يتجاوز الأثر الذي يسمح به القانون.
وهذا يقودنا إلى قضية تداخل الاختصاصات.
فوزارة المالية تبحث عن الإيرادات وتمويل الموازنة، والجمارك تحصل الرسوم المقررة، بينما يضطلع البنك المركزي بوظائف السياسة النقدية وإدارة النقد الأجنبي.
ومن ثم فإن تحويل الدولار الجمركي إلى أداة غير مباشرة لإدارة سعر الصرف قد يثير إشكالاً في التكييف القانوني والاقتصادي للقرار.
هل الدولار الجمركي ضريبة مقنّعة؟
هذه هي النقطة التي تستحق نقاشاً أكثر صراحة.. عندما يرتفع سعر الدولار المستخدم في التقييم الجمركي، ترتفع القيمة بالجنيه التي تُحتسب على أساسها الرسوم والضرائب ذات الصلة بالواردات.
فإذا كانت السلعة مستوردة بالدولار نفسه، ثم ارتفعت قيمة الدولار الجمركي، فإن المستورد يدفع رسوماً أعلى بالجنيه، وغالباً ما تنتقل الزيادة إلى سعر السلعة.
ومن هنا يمكن أن يصبح الدولار الجمركي، اقتصادياً، رافعة لزيادة العبء المالي على الواردات حتى لو لم يسمَّ القرار ضريبة جديدة.
وهنا ينبغي أن يكون المعيار هو الشفافية: ما مقدار الزيادة في الإيرادات؟ وما مقدار أثرها على الأسعار؟ وما مقدار الضرر المحتمل على الإنتاج والاستيراد الضروري؟
فالسياسة العامة الرشيدة لا تقيس نجاح القرار بما يدخل الخزانة فقط، وإنما بما يحدثه القرار في الاقتصاد كله.
ماذا تقول التجربة السودانية السابقة؟
السودان مرّ بهذه الدائرة من قبل:
فقد عانى الاقتصاد من تعدد أسعار الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، لكن تجربة 2018 قدمت درساً مهماً.
اتجه بنك السودان آنذاك إلى إجراءات هدفت إلى تحسين تدفق النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، وتشجيع المصارف على استقطاب حصائل الصادرات، وتنظيم سوق الذهب، وتوجيه النقد الأجنبي نحو السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج.
وكانت النتيجة تضييق الفجوة بصورة كبيرة بين السعر الرسمي والموازي.
ثم جاءت إصلاحات 2021 التي اتجهت إلى توحيد أسعار الصرف على أساس أقرب إلى سعر السوق.
والدرس هنا ليس أن السودان يجب أن يعيد تطبيق نموذج 2021 حرفياً؛ فالظروف الحالية مختلفة تماماً بسبب الحرب.
لكن الدرس الأهم هو أن استقرار العملة لا يصنعه رقم إداري وحده، وإنما تصنعه قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي والثقة في النظام المصرفي وتدفق الصادرات والتحويلات.
أين الخلل اليوم؟
المشكلة الحقيقية ليست الدولار وحده.. إنها في العلاقة بين عرض الدولار والطلب عليه.
الحرب أضعفت الإنتاج، وعطلت جزءاً من النشاط الزراعي والصناعي والتجاري، وأثرت في طرق النقل وسلاسل الإمداد.
وفي الوقت نفسه يحتاج السودان إلى استيراد الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار.
أي أننا أمام معادلة صعبة:
طلب مرتفع على النقد الأجنبي + عرض محدود + إنتاج متضرر + صادرات متأثرة + اقتصاد غير رسمي واسع = ضغط مستمر على الجنيه..
وفي هذه الظروف، فإن رفع تكلفة الواردات لا يعالج أصل المشكلة…بل قد يزيدها إذا أدى إلى ارتفاع الأسعار، ثم تراجع القوة الشرائية للجنيه، ثم زيادة الطلب على الدولار للتحوط من مزيد من الانخفاض.
هل يستطيع رفع الدولار الجمركي علاج سعر الصرف؟
الإجابة المباشرة: لا، ليس في ذاته.. فالقرار قد يزيد إيرادات الدولة بالجنيه، لكنه لا يخلق دولاراً واحداً جديداً.
ولا يزيد الصادرات، ولا يرفع إنتاج الذهب، ولا يجذب تحويلات السودانيين بالخارج، ولا يعيد الثقة إلى الجهاز المصرفي.
ولهذا فإن استخدام الدولار الجمركي لمعالجة أزمة سعر الصرف يشبه محاولة معالجة آثار المرض دون معالجة مصدره.
قد يكون القرار مفيداً مالياً، لكنه ليس علاجاً نقدياً.
وهنا ينبغي أن تضع الدولة كل أداة في مكانها الصحيح.
اقتصاد الحرب لا يلغي دولة القانون:
قد يقول قائل إن السودان في حالة حرب، وإن الدولة تحتاج إلى موارد عاجلة، وبالتالي لا يمكن إخضاع القرارات الاقتصادية للمعايير نفسها التي تطبق في زمن السلم.
صحيح أن الحرب تفرض استثناءات وضرورات..
لكن الضرورة الاقتصادية لا تلغي المشروعية القانونية.
بل إن اقتصاد الحرب يحتاج إلى وضوح قانوني أكبر، لأن القرارات الاستثنائية تمس حياة المواطنين ومراكزهم المالية والتجارية بصورة مباشرة.
ومن ثم يجب أن تكون القرارات الاقتصادية الاستثنائية: واضحة السند، محددة الأثر، معلنة، قابلة للمراجعة، ومتناسبة مع الغاية التي صدرت لتحقيقها.
فالدولة تحتاج إلى الإيرادات، لكن المواطن والتاجر والمستثمر يحتاجون أيضاً إلى اليقين القانوني.
التوصيات المباشرة:
إذا كان السودان يدير اقتصاد حرب، فإن المطلوب ليس قراراً منفرداً، وإنما خطة نقدية ومالية وجمركية قصيرة الأجل، واضحة وقابلة للقياس.
وأقترح بصورة مباشرة:
1. وقف الزيادات المتكررة في الدولار الجمركي مؤقتاً إلى حين وضع آلية واضحة ومعلنة لتحديده.
2. الفصل بصورة قانونية وعملية بين الدولار الجمركي وسعر الصرف، وعدم استخدام الأول كأداة مستترة لإدارة سعر الجنيه.
3. إعلان السند القانوني والجهة المختصة بإصدار القرار وتحديد تاريخ سريانه وآثاره بصورة لا تحتمل الغموض.
4. إنشاء آلية مشتركة بين وزارة المالية وبنك السودان والجمارك لقياس أثر أي تعديل قبل إصداره على التضخم وسعر الصرف وأسعار السلع.
5. حماية الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج من الأعباء الجمركية التي ترفع تكلفة المعيشة والإنتاج.
6. إعطاء المصدر حوافز حقيقية لإدخال حصائل الصادر عبر النظام المصرفي الرسمي بدلاً من دفعه إلى السوق الموازي.
7. تنظيم تصدير الذهب ومحاربة تهريبه مع توفير حوافز تجعل القنوات الرسمية أكثر جاذبية.
8. استقطاب تحويلات السودانيين بالخارج عبر نظام مصرفي مرن وسعر صرف واقعي وإجراءات سهلة.
9. إدارة الواردات بالأولوية لا بالمنع العشوائي، بحيث تعطى الأولوية للغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج.
10. تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي تدريجياً، لأن استمرار الفجوة يشجع المضاربة والتهريب.
11. ضبط تمويل عجز الموازنة حتى لا يؤدي التوسع النقدي غير المنضبط إلى مزيد من الضغط على الجنيه.
12. إخضاع القرارات الاقتصادية ذات الأثر المالي الكبير لمراجعة قانونية مسبقة للتأكد من الاختصاص والسند والشكل والسبب والتناسب.
13. تحديد مدة القرارات الاستثنائية ومراجعتها دورياً حتى لا يتحول إجراء الحرب المؤقت إلى سياسة دائمة.
14. نشر مؤشرات أداء واضحة تشمل الفجوة بين أسعار الصرف، وحصائل الصادرات، والتحويلات الرسمية، والتضخم، وتمويل الواردات الأساسية.
خمس أولويات عاجلة:
إذا كان المطلوب اختصار كل ذلك في خمس خطوات، فإن الأولوية يجب أن تكون:
أولاً: وقف التعديل المتكرر للدولار الجمركي ووضع قاعدة معلنة لتحديده.
ثانياً: تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والموازي تدريجياً.
ثالثاً: زيادة عرض الدولار عبر الصادرات والذهب والتحويلات، بدلاً من التركيز على تقليل الطلب فقط.
رابعاً: حماية الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج.
خامساً: إخضاع القرارات الاقتصادية الاستثنائية لمراجعة قانونية واقتصادية مسبقة، مع تحديد أهدافها ومدتها ومؤشرات نجاحها.
الخاتمة:
وفي نهاية المطاف، يبقى الدولار في السودان أكثر من سعر للصرف، ويبقى الجنيه أكثر من وحدة نقدية؛ فكلاهما أصبحا عنواناً لحكاية اقتصاد يحاول أن يبقى واقفاً وسط رياح الحرب.
وليس عيباً أن تبحث الدولة عن مواردها في زمن تنزف فيه الخزينة، ولا أن تحاول وزارة المالية أن تمسك بميزان الإيرادات والنفقات. لكن الخطر يبدأ حين يصبح رفع الأعباء هو الطريق الأسهل، بينما تظل أبواب الإنتاج والصادر والنقد الأجنبي تضيق يوماً بعد يوم.
إن الجمارك تستطيع أن تجمع المال، لكنها لا تستطيع أن تخلق الدولار. والقرار الإداري يستطيع أن يغير رقماً على الورق، لكنه لا يستطيع وحده أن يغير قواعد السوق. والقانون يستطيع أن يمنح الدولة سلطة، لكنه في الوقت ذاته يرسم لهذه السلطة حدودها حتى لا تتحول الضرورة إلى قاعدة، والاستثناء إلى منهج دائم.
لقد أثبت السودان في تجاربه السابقة أن إيقاع العملة يمكن أن يهدأ حين تتدفق حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية، وحين تضيق الفجوة بين السوقين، وحين يشعر صاحب المال أن المصرف أكثر أماناً وجدوى من السوق الموازي.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع الدولار في حد ذاته، وإنما مع الأسباب التي تجعل الدولار نادراً، والجنيه ضعيفاً، والسوق الموازي أقوى من السوق الرسمي.
وإذا كان اقتصاد الحرب يفرض على الدولة أن تتخذ قرارات صعبة، فإن الحكمة تقتضي أن تكون هذه القرارات كالجراحة الدقيقة: تعالج موضع الداء، ولا تزيد من نزف الجسد.
فالسودان لا يحتاج إلى أن يطارد الدولار من شارع إلى شارع، ولا أن يلاحق سعره كل صباح بقرار جديد؛ بل يحتاج إلى أن يعيد للدولار طريقه الطبيعي إلى خزائن الدولة، وأن يعيد للجنيه شيئاً من الثقة التي فقدها، وأن يجعل القانون مظلة للضرورة لا غائباً عنها.
فحين يعود الإنتاج إلى الحقول والمصانع، ويجد الصادر طريقه إلى الخارج، وتعود حصائل الذهب والتحويلات إلى الجهاز المصرفي، ويصبح القانون واضحاً والقرار قابلاً للتوقع، عندها فقط يمكن للجنيه أن يستعيد شيئاً من عافيته، ويمكن لاقتصاد الحرب أن يعبر من مرحلة البقاء إلى بداية التعافي.
فلا يستقيم إيقاع العملة بقرار منفرد، وإنما باستقامة المنظومة كلها.



