رأي

حين يصبح إنقاذ الإنسان مشروطاََ .. هل تخلت الأمم متفرقة أو متحدة عن مبادئها الأساسية ؟

 

دكتور أنور الهادي عبد الرحمن

شهد الخطاب تجاه الحروب والنزاعات، في بعض مراحله، انتقالاً ملحوظاً من التركيز على الهدن الإنسانية وحماية المدنيين وإيصال المساعدات، إلى الحديث بصورة أكثر صراحة عن قضايا الشرعية والتمثيل ومن يملك حق إدارة الدولة بعد الحرب.

وهذا التحول يستحق التأمل؛ لأنه يثير سؤالاً أعمق من تفاصيل المواقف اليومية: ما العلاقة بين العمل الإنساني والمسار السياسي؟ وهل ينبغي أن تكون الهدنة الإنسانية مدخلاً إلى التسوية السياسية، أم أن لها قيمة مستقلة بذاتها؟

في تقديري، ينبغي أولاً التمييز بين المجالين.. فالعمل الإنساني يستمد مشروعيته من حاجة الإنسان نفسها. المريض يحتاج إلى الدواء لأنه مريض، والجائع يحتاج إلى الغذاء لأنه جائع، والمدني المحاصر يحتاج إلى طريق آمن لأنه مهدد في حياته. ولا ينبغي أن تتوقف هذه الحقوق على نجاح مفاوضات سياسية أو على قبول هذا الطرف أو ذاك بصيغة للحكم.

إذا أمكن إنقاذ إنسان خلال ساعة من توقف القتال، فإن لهذه الساعة قيمة إنسانية كاملة، حتى لو انهارت الهدنة بعد ذلك، وحتى لو لم تؤدِّ إلى تسوية سياسية.

وهنا تكمن أهمية عامل الزمن. فالزمن في العمل الإنساني ليس هو الزمن في التفاوض السياسي. يوم واحد في قاعة تفاوض قد يكون أمراً عادياً، لكنه في مدينة محاصرة أو مستشفى يوشك مخزونه من الدواء على النفاد قد يكون الفارق بين الحياة والموت.

ولهذا فإن الهدنة الإنسانية لا تحتاج إلى نتيجة سياسية حتى تكتسب قيمتها. قيمتها الأولى والمباشرة هي ما تحققه للإنسان: إنقاذ حياة، أو إيصال غذاء، أو علاج مريض، أو إجلاء مدني، أو إتاحة قدر من الأمان ولو بصورة مؤقتة.

أما السياسة فلها منطق مختلف.. موضوعها هو السلطة والشرعية والتمثيل وترتيبات الحكم وبناء الدولة. وأدواتها هي التفاوض والاتفاقات والضمانات والضغط والاعتراف والعقوبات والتسويات. وغايتها النهائية ليست فتح ممر إنساني أو إيصال شحنة دواء، وإنما الوصول إلى ترتيبات تحدد كيف تُدار الدولة ومن يملك حق تمثيلها وكيف يُمنع تجدد الحرب.

ومن هنا، فإن الهدنة الإنسانية لا تنتج، بذاتها، شرعية سياسية. وقد تهيئ مناخاً للتفاوض، وقد تساعد على بناء قدر من الثقة، وقد تمنح الأطراف فرصة للانتقال من المواجهة إلى الحوار، ولكن ذلك كله يظل احتمالاً سياسياً، لا شرطاً لقيمتها الإنسانية.

وهذه نقطة جوهرية.. فالمشكلة لا تكمن في أن يتقاطع الإنساني مع السياسي؛ فهذا أمر قد يفرضه الواقع. المشكلة تبدأ عندما تُحمَّل الهدنة الإنسانية وظيفة سياسية تصبح معها نجدة الإنسان مشروطة بمآلات التفاوض.

حينئذ قد يجد العمل الإنساني نفسه أمام سؤال لم يكن ينبغي أن يواجهه أصلاً: هل الغرض هو إنقاذ الإنسان، أم استخدام تلك الحاجة للوصول إلى غاية سياسية؟

ولهذا فإن حماية استقلال العمل الإنساني ليست مسألة نظرية، بل شرط عملي للحفاظ على الثقة فيه وقبوله من المجتمعات والأطراف المختلفة.

وفي المقابل، فإن الطريق إلى السلام الدائم لا يمكن أن يكون إنسانياً فقط. فالحرب، مهما اشتدت آثارها الإنسانية، لها أسباب وبنى ومصالح وصراعات سياسية لا تُحل بشحنة غذاء ولا بممر مؤقت ولا بهدنة محدودة الزمن.

السلام المستدام يحتاج إلى سياسة قادرة على معالجة سؤال الدولة والسلطة والتمثيل والقانون ومؤسسات الحكم، وإلى ترتيبات تمنع عودة العنف بعد توقفه.

وهكذا فإن العلاقة بين المجالين ينبغي أن تُفهم بدقة.. العمل الإنساني يعالج المعاناة الآنية ويحمي الإنسان من آثار الصراع، أما العمل السياسي فيعالج جذور الصراع وترتيبات الدولة ومستقبل السلطة.. وقد يتقاطعان، ولكن لا ينبغي أن يحل أحدهما محل الآخر.

ومن هذه الزاوية، فإن انتقال أي خطاب دولي من الحديث عن الهدنة والمساعدات إلى الحديث الصريح عن الشرعية والحكم يمكن أن يُقرأ باعتباره انتقالاً من لغة إنسانية إلى لغة سياسية أكثر وضوحاً.

وهذا الوضوح، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مضمون الموقف السياسي نفسه، أفضل من إخفاء الغايات السياسية داخل لغة إنسانية.

فالسياسة ينبغي أن تُناقش بوصفها سياسة: من يمثل الدولة؟ ما أساس الشرعية؟ كيف تُبنى مؤسسات الحكم؟ وكيف ينتهي الصراع بصورة تمنع تجدده؟

أما العمل الإنساني فينبغي أن يظل قائماً على مبدئه الأول: إن الإنسان الذي يمكن إنقاذه اليوم لا ينبغي أن ينتظر اكتمال الإجابة عن هذه الأسئلة.

والخلاصة أن الإنساني والسياسي مجالان مختلفان في الغاية والمعيار، وإن كانا قد يتقاطعان في الواقع.. ولا ينبغي أن يكون المطلوب إقامة جدار بينهما، وإنما منع الخلط في الوظائف: فلا تُجعل نجدة الإنسان رهينة للتسوية السياسية، ولا تُستخدم اللغة الإنسانية ستاراً لمقاصد سياسية كان الأجدر التصريح بها ومناقشتها على حقيقتها.

فالهدنة قد تنقذ إنساناً اليوم، وهذا وحده يكفي لتبريرها. أما من يحكم، ومن يمثل الدولة، وكيف تُعاد صياغة السلطة بعد الحرب، فذلك سؤال سياسي آخر، لا تستطيع الهدنة الإنسانية وحدها أن تجيب عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى