رأي

نقد التجربة: مراجعات في أزمة الديمقراطية في السودان من واقع التجربة الحزبية في التجمع الاتحادي

قريب الله السماني **

مدخل: لماذا نكتب هذه السلسلة؟

ليست هذه السلسلة محاولة لاستعادة خلافات تنظيمية مضت، ولا لتصفية حسابات سياسية مع رفاق اختلفنا معهم، وإنما محاولة لمراجعة تجربتنا الحزبية بصدق وشجاعة، انطلاقاً من إيماننا بأن تشخيص أوجه الخلل في الممارسة الديمقراطية شرط أساسي لإصلاحها.

لقد ظلت الديمقراطية حلماً وطنياً تعاقبت عليه أجيال من السودانيين، وقدمت في سبيله تضحيات جسيمة. لكن تجاربنا المتكررة تطرح أمامنا سؤالاً لا يجوز الهروب منه: لماذا تتعثر الديمقراطية في السودان، حتى عندما تتاح لها فرصة جديدة؟

إننا نعتقد أن الإجابة لا تكمن في الانقلابات العسكرية والتدخلات الخارجية وحدها، على خطورتها، وإنما تستوجب أيضاً مراجعة القوى السياسية والمدنية التي يفترض أن تكون حاضنة الديمقراطية وحارستها.

فأزمة الديمقراطية في السودان لا تبدأ عند أبواب القصر الجمهوري (أبواب السلطة)، بل تمتد إلى داخل الأحزاب نفسها، وإلى ثقافتها التنظيمية، وعلاقتها بجماهيرها، وطريقة اختيار قياداتها وصناعة قراراتها وإدارة اختلافاتها.

ومن هنا اخترنا أن ننطلق من تجربتنا في التجمع الاتحادي، باعتبارها جزءاً من تجربة العمل الحزبي الديمقراطي في السودان، عشنا تفاصيلها، وشاركنا في بناء مؤسساتها، وشهدنا ما حققته من نجاحات وما واجهته من إخفاقات.

ولا نزعم أن تجربتنا تختصر كل أزمات الديمقراطية السودانية، أو أننا نملك وحدنا تفسير أسباب تعثرها. وإنما نريد أن نقدم شهادتنا، وأن نفتح باب النقاش والتحري أمام العضوية الحزبية والمهتمين بمستقبل العمل الديمقراطي.

وسنحاول في هذه المراجعات أن نميز بين الوقائع التي عايشناها، والاستنتاجات التي توصلنا إليها، وأن نبحث في الأسباب التي سمحت بحدوث الاختلالات، لا أن نكتفي بتحديد المسؤولين عنها.

فالقضية ليست فقط من أخطأ، وإنما لماذا كان الخطأ ممكناً، وكيف يمكن أن نبني مؤسسات وضمانات تحول دون تكراره.

وسنتناول في هذه السلسلة قضايا المؤسسية والتفويض والمحاسبة، والعلاقة بين الأحزاب والتحالفات السياسية، وأثر السلطة والنفوذ في الممارسة الحزبية، وموقع العضوية والجماهير من صناعة القرار، وكيف يمكن أن تتحول التنظيمات التي تنادي بالديمقراطية إلى بيئات تضيق بالاختلاف.

كما سنطرح الأسئلة نفسها على تجربتنا نحن، لأن النقد الذي يعفي أصحابه من المراجعة يفقد جانباً مهماً من قيمته.

إن غايتنا النهائية ليست مجرد تفسير ما حدث داخل التجمع الاتحادي، وإنما استخلاص الدروس التي يمكن أن تسهم في إصلاح الأحزاب السودانية، وإعادة الجماهير إلى قلب العمل السياسي، وبناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على حماية استقلال القرار الوطني.

فإذا كنا نعجز عن حماية فرصة ديمقراطية صغيرة داخل حزب، فكيف نطمح إلى بناء دولة ديمقراطية تتسع لاختلافات شعب بأكمله؟

ولأننا نؤمن بأن أخطاء الديمقراطية لا تُعالج بالتراجع عنها، ولا بالوصاية على الجماهير، ولا بمصادرة حقها في الاختيار، وإنما تُعالج بالمزيد من الديمقراطية، فإننا نرى في النقد والمراجعة والمحاسبة وسائل لتصحيح المسار، لا أسباباً للتخلي عنه.

فالديمقراطية ليست تجربة معصومة من الأخطاء، ولكن قدرتها على الاعتراف بأخطائها وتصحيحها عبر مؤسساتها وإرادة جماهيرها هي مصدر قوتها وتجددها.

إن أخطاء الديمقراطية تُعالج بالمزيد من الديمقراطية، لا بمصادرتها.. ومن هنا يأتي السؤال الذي نريد أن تقودنا إليه هذه المراجعات:
كيف نحصّن الديمقراطية القادمة، حتى لا نعيد إنتاج الإخفاقات ذاتها؟

نكتب لنتعلم من تجربتنا، ولنفتح باباً للمراجعة والإصلاح، إيماناً بأن الديمقراطية التي نريدها للسودان ينبغي أن تبدأ من داخل أحزابنا، وأن تستمد قوتها من مؤسساتها وجماهيرها.

وسنواصل…

 

** الأمين العام للتجمع الاتحادي – الأمانة العامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى