رأي

التمويل الأصغر في السودان: من شح الموارد إلى تمويل التعافي (2)

 

نعمان يوسف محمد **

إذا كان رأس المال شرطا لاستمرار مؤسسات التمويل الأصغر، والحوكمة شرطا للثقة فيها، فإن الموارد هي الشرط الذي يمكنها من العودة إلى السوق وبناء محافظ جديدة.

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر حلقات الأزمة حساسية: كيف تحصل مؤسسات التمويل الأصغر على الموارد التي تحتاجها لإعادة بناء نشاطها؟

رأس المال لا يمول المحفظة وحده:
من الخطأ النظر إلى رفع رأس المال باعتباره نهاية مشكلة التمويل. فرأس المال يمثل قاعدة للملاءة وتحمل المخاطر، لكنه لا يعني أن المؤسسة أصبحت قادرة تلقائيا على تمويل آلاف العملاء. فمؤسسة التمويل الأصغر تحتاج إلى موارد تمويلية يتم تدويرها في محافظها، وتحتاج إلى موارد مستقرة تسمح لها بالتخطيط والتوسع.

ولهذا فإن أي سياسة لإعادة بناء القطاع يجب أن تنظر إلى رأس المال والموارد باعتبارهما عنصرين متكاملين، لا بديلين عن بعضهما.

المصارف.. بين الرغبة في التمويل ومخاطر التعثر:

المصارف التجارية يمكن أن تكون مصدرا مهما للتمويل بالجملة لمؤسسات التمويل الأصغر. لكن المصرف لا يستطيع أن يتجاهل جودة المؤسسة طالبة التمويل أو تاريخها الائتماني أو قدرتها على السداد.

ومن هنا تظهر المعضلة التي أصبحت أكثر حدة بعد الحرب. فالمؤسسة المتأثرة بالحرب تحتاج إلى موارد جديدة لإعادة بناء نشاطها، بينما قد يرى الممول أن وجود تعثر سابق يمثل مانعا أمام التمويل الجديد.

لنتصور إذا أغلقت القنوات تماما، عندها ستتكون دائرة مغلقة: لا تمويل دون ثقة، ولا يمكن استعادة الثقة بالكامل دون عودة النشاط، ولا عودة للنشاط دون تمويل.

هذه ليست دعوة إلى تجاوز الضوابط، وإنما دعوة إلى تصميم آلية تتعامل مع طبيعة الأزمة نفسها.

إعادة تمويل التعثر أم تمويل التعافي؟

هنا يجب أن يكون الموقف واضحا. ليس المطلوب ضخ أموال جديدة لتغطية خسائر قديمة دون معالجة أسبابها. وليس المطلوب منح مؤسسة متعثرة تمويلا جديدا لمجرد أنها تطلبه. لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي اعتبار كل تعثر حدث أثناء الحرب دليلا على فشل المؤسسة.

لذلك يجب الفصل بين ملفين: ملف الخسائر والتعثر السابق وملف النشاط الجديد القابل للحياة. فالمحفظة القديمة تحتاج إلى تصنيف ومعالجة وإعادة هيكلة وفق القواعد المناسبة. أما التمويل الجديد فيجب أن يرتبط بخطة تعاف واضحة، ومحفظة جديدة قابلة للحياة، ونظام رقابة ومتابعة. وهنا تتجسد القاعدة: لا نعيد تمويل التعثر، بل نمول التعافي.

ماذا يعني تمويل التعافي؟

يعني أن تحصل المؤسسة المؤهلة على موارد جديدة وفق شروط واضحة، أهمها:

سلامة الحوكمة؛ كفاية رأس المال؛ إدارة مؤهلة؛ بيانات يمكن التحقق منها؛ خطة واضحة لمعالجة آثار الحرب ؛نظام فعال لإدارة المخاطر والتحصيل؛ قدرة على بناء محفظة جديدة؛ مؤشرات أداء قابلة للقياس.
وبذلك يتحول التمويل من مورد متاح لمن يطلبه إلى تمويل مرتبط بالجدارة والقدرة على التعافي والأداء.

وهنا يبرز دور بنك السودان:

لا نتحدث هنا عن تجاوز دور المصارف أو تحميل بنك السودان المركزي مخاطر مؤسسات التمويل الأصغر بصورة مباشرة. ذلك لأن الدور الأهم هو تهيئة آلية مؤسسية تسمح بتدفق الموارد إلى المؤسسات القابلة للحياة، مع الحفاظ على الانضباط الرقابي.

ويمكن التفكير في أدوات مثل:
– خطوط تمويل للتعافي للمؤسسات المؤهلة،
– آليات ضمان وتقاسم للمخاطر تساعد على تشجيع التمويل المصرفي،
– تمويل مرحلي يرتبط بتحقيق مؤشرات أداء،
– معالجة منفصلة للمحافظ المتأثرة بالحرب حتى لا تختلط الخسائر القديمة بالتمويل الجديد،
– توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية وسلاسل القيمة.
وبهذا يمكن معالجة المعضلة دون تحويل التمويل الأصغر إلى قناة لتراكم المخاطر.

ماذا عن الموارد المخصصة للقطاع؟

إذا كانت هناك موارد مخصصة لدعم التمويل الأصغر، فإن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند السؤال: هل توجد الموارد؟. والسؤال الأهم هو كيف تصل الموارد إلى المؤسسات المؤهلة، وبأي معايير، وبأي أدوات، وتحت أي رقابة؟. فالمال الموجود ولا يصل إلى النشاط الاقتصادي لا يؤدي دوره التنموي.

وهنا تظهر أهمية وجود جهة متخصصة تستطيع تجميع الموارد وتقييم المؤسسات وتوجيه التمويل ومتابعة الأداء.

التمويل بالجملة هو الحلقة المفقودة:

القطاع يحتاج إلى سوق حقيقي للتمويل بالجملة. سوق تتفاعل فيه المصارف، ومؤسسات التمويل الأصغر، والجهات الضامنة، والمستثمرون، والمؤسسات التنموية، والجهات الحكومية، ضمن قواعد واضحة. فالمؤسسة تحتاج إلى:
رأس مال. وموارد، وضمانات، وبيانات، وقدرات، وأنظمة، وسوق تستطيع من خلاله الحصول على الموارد وإعادة تدويرها.
ومن هنا فإن إصلاح مؤسسة واحدة لن يكون كافيا إذا ظلت منظومة الموارد نفسها ضعيفة.

التمويل يجب أن يصل إلى الاقتصاد الحقيقي:

الهدف ليس زيادة حجم المحافظ التمويلية فقط. وإنما الهدف أن تتحول الموارد إلى إنتاج ودخل وفرص عمل وقيمة مضافة.

ولهذا ينبغي أن تتجه الموارد الجديدة إلى صغار المزارعين والمنتجين، والانتاج الحيواني، والحرف والصناعات الصغيرة، والخدمات، وسلاسل القيمة، والمشروعات التي تعيد تشغيل الاقتصاد المحلي.

عندها يصبح التمويل الأصغر جزءا من مشروع التعافي الاقتصادي، لا مجرد نشاط ائتماني.

لكن من يقود المنظومة؟

هنا نصل إلى السؤال الثالث. حتى إذا توافرت الموارد، ووضعت الضوابط، وحددت المؤسسات القابلة للتمويل، يبقى سؤال جوهري: من بعد الحرب، من يقود تطوير صناعة التمويل الأصغر، ويبني قدرات مؤسساتها، ويربطها بالموارد، ويقيس أثرها؟. وهل تترك كل مؤسسة تبحث منفردة عن الموارد والشراكات؟ أم نحتاج إلى مؤسسة متخصصة تعمل على مستوى الصناعة كلها؟

هنا تبدأ فكرة إعادة هندسة الشركة السودانية لتنمية التمويل الأصغر. ليس باعتبارها مؤسسة تمويل إضافية، وإنما باعتبارها مرشحة للقيام بدور أوسع كمنصة وطنية تقود تطوير صناعة التمويل الأصغر في السودان.

في المقال القادم: كيف نعيد هندسة الشركة لتصبح منصة وطنية تقود صناعة التمويل الأصغر، لا مجرد مؤسسة أخرى داخلها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى