لكن يا الدولار مابالغت بوليغ !!

محجوب فضل بدري
لم أغتاظ في حياتي مثل غيظي من ذوي تلك (الطفلة) التي وضع أهلها على لسانها عبارات محددة: (ياعمر البشير أسِّي العيشة دي بي جنيه!! لكن ياعمر البشير لكن ما بالغت بوليغ!!) ، وقد صدقت في جزء مما قالت !! لأنه كان هو فعلاً نوع من المبالغة أن تحافظ حكومة البشير على مستوى معقول من العيش الكريم!!
وإن أنكره بعض الناس ولم يشعر به الكثيرون إلا بعد أن فقدوه . وصدق الله العظيم حيث يقول:-
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا قَرۡیَةࣰ كَانَتۡ ءَامِنَةࣰ مُّطۡمَئنَّةࣰ یَأۡتِیهَا رِزۡقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانࣲ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَ ٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡنَعُونَ﴾ [النحل 112]
لا أريد التقليل من الأسباب التي أدت إلى الاحتجاجات على الغلاء فلم يكن بمقدور أي أحد أن يتنبأ بما سيؤول إليه الأمر بعد الإنقاذ إلا أنها كانت بمثابة (قفزة في الظلام) ومن يدري فلربما كان قد يحدث ما حدث حتى لو استمرت الإنقاذ في الحكم لسنوات أخرىٰ، فالأزمة ليست وليدة لحظةٍ معينة ولا بسببٍ واحد، بل هي لتراكماتٍ عديدة في عهود مختلفة ولأسباب مختلفة!! أشتعلت شرارة الغضب ولمع وميض الفرح عند سقوط الانقاذ، لكنه كان مجرد شظايا أضاءت لبرهةٍ ثم ذَوَتْ. ولم يوهم ذلك إلا (المصفقين) – فقد كان التصفيق مهنة فى مسارح أوروبا لها قائد وأفراد (المصفقون) يتخذون مقاعدهم في المسرح ويشرعون في التصفيق لممثلٍ معين أو فقرة معينة متفقٌ عليها في المسرحية ويتقاضون نظير ذلك أجراً- مثل عملاء اليوم!!
سعر الدولار اليوم مقابل الجنيه بلغ نحو عشرة آلاف جنيه سوداني وكان الخبير الاقتصادى المرحوم عبد الرحيم حمدي قد حذر من أنه قد يصل إلى (خمسين جنيهاً) أواخِر عهد الأنقاذ!!
ولن يعاود سعر الدولار الانخفاض بوصفة سحرية، أو بقرار سيادي، أو بعودة الضمير إلى تجار الحروب وملوك السوق السوداء، هذا بعينه هو السعي للمستحيل، لكن طلب الصعاب ومقارعة الشدائد يحتاج إلى أذهان متيقظة وأنشطة متوقدة تضع الإنتاج فى مقدمة أولوياتها وأن يتحد الجميع ويتركون التعصب القبلى أو الجهوي، والكيد الحزبي، أو التربُّح من الأزمات، ويلتفون حول هدف واحد وهو صيانة استقلال البلاد بالمزيد من الانتاج وأن يعلو من شأن الوطن الذي تتقاذفه المشاكل ولا يترك له الأعداء فرصة لالتقاط أنفاسه أو تجميع شتاته، والجيش هو المؤسسة الوحيدة المتماسكة في بلادنا فلابد أن نقف خلفه سنداً وعضداً، فلنكن مثل ضلعي المثلث يفترقان عند القاعدة نعم، لكنهما يلتقيان عند القمة حتماً.
وَدِدْتُ لو أنني سمعتُ من تلك الطفلة والتي غدت الآن شابة ناضحة هل ستقول للدولار بالغت بوليغ، لأنها قطعاً لن تقول يا كامل إدريس بالغت بوليغ كما قالت لعمر البشير لأن مصيرها اليوم سيكون الحراسة انتظاراً للمحاكمة.



