رأي

ما بعد عمارة الأرض: الخيرية وسؤال الاستبدال

 

عادل الرفاعي ابوالحسن

في مقال سابق لنا طرحنا سؤالاً: «ماذا لو كان أصل البلاء أعمق من الحرب؟» لم يكن السؤال بحثاً عن سبب واحد للحرب، و لا اختزالاً لأسبابها، وإنما كان مدخلاً للتأمل في ما وراء الأحداث، و في التراكمات التي قد تجعل الأزمات أكثر تعقيداً، و آثارها أبعد من حاضرها.

ومن هذا المدخل نواصل التأمل في عمارة الأرض، باعتبارها أحد وجوه مسؤولية الإنسان عن الأرض، و مواردها، و الحياة التي تقوم عليها.

يقول الله تعالى:
﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾
(هود: 61)

تجمع الآية بين عبادة الله و مسؤولية الإنسان في الأرض. فما أودع الله فيها من موارد، و ما منح الإنسان من عقل و معرفة و قدرة، يفتح أمامه مسؤولية تحويل الإمكانات إلى حياة ينتفع بها الناس.

فترك الأرض دون فلاحة و استصلاح، و ترك الموارد دون استكشاف و استثمار، و ترك الإنسان دون فرص، قد لا يكون مجرد تأخر في التنمية؛ فقد يعني غذاءً لم يُنتج، و عملاً لم يُخلق، و فرصة لم تصل إلى من يحتاج إليها.

وحين تتسع الإمكانات بينما تضيق حاجات الناس، تصبح المسؤولية أوسع من توزيع الموجود، بل تشمل أيضاً توسيع دائرة الممكن. وقد تكون لذلك مآلات أبعد؛ فقلة الفرص، و ضعف الإنتاج، و تعطّل الموارد، قد تزيد التنافس على القليل، و تجعل بعض المظالم أكثر قابلية للتراكم.

وليس المقصود أن كل حرب أو صراع سببه عدم التنمية، وإنما أن ما نفعله، و ما نتركه دون فعل، قد يسهم في تشكيل بعض مآلات الغد.

فكل شيء له مآلات، و المآلات تقود إلى مآلات أعمق و أعقد.. لكن عمارة الأرض لا تبدأ بالأرض وحدها؛ إنها تبدأ بالإنسان الذي يعمرها.

فالصلاة، و الصيام، و الزكاة، و الحج، و سائر العبادات، تربي في الإنسان الأمانة، و الرحمة، و ضبط السلوك، و احترام الحقوق. وهنا يبرز سؤال أوسع:
ماذا تصنع هذه القيم في الإنسان عندما تتحول إلى سلوك؟

فالعبادة علاقة بين الإنسان و ربه، لكن الخيرية هي الأثر الذي يتجاوز الفرد إلى الناس. تظهر حين تتحول قيم العبادة إلى أمانة، و عدل، و رحمة، و حفظ للحقوق، و تحمل للمسؤولية.

وقد يكون الإنسان صالحاً في عبادته، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجماعة التي ينتمي إليها تمارس الخيرية؛ فقد يكون الأفراد صالحين، بينما تظلم الجماعة، أو تقدم مصلحتها على العدل، أو تهضم حقوق غيرها.

ومن هنا فـ الخيرية ليست حاصل جمع عبادات الأفراد، و لا صلاح المجتمع مجرد حاصل جمع صلاح أفراده. فالمجتمع له سلوكه العام، و قيمه المشتركة، و مؤسساته، و موازين عدله، و طريقة تعامله مع الضعيف، و المختلف، و صاحب الحق.

وهنا يبرز السؤال:
ماذا تصنع هذه القيم في المجتمع عندما تتحول إلى سلوك جماعي، و مسؤولية عامة؟

فالمجتمع الفاعل هو الذي يدرك مسؤوليته المشتركة، و يتحرك بإرادة واعية لحماية حقوق أفراده، و توسيع فرصهم، و إقامة العدل بينهم، و عمارة أرضه، و رعاية مستقبله. وبذلك تكون الخيرية خيرية مجتمع أيضاً؛ تظهر في طريقة المجتمع في إدارة شؤونه، و في قدرته على تحويل القيم إلى سلوك عام، و مؤسسات، و ممارسات، و مسؤولية مشتركة.

ومن يتولى الأمر يتحمل فوق ذلك مسؤولية الأمانة العامة؛ لأن أثر قراره يمتد إلى حياة الناس، و حقوقهم، و فرصهم، و مستقبلهم. ومن مقتضيات هذه الأمانة إقامة العدل، و حفظ الحقوق، و رعاية مصالح الناس، و قبول المناصحة، و المراجعة، و المساءلة.

وهنا نصل إلى سؤالٍ يفتح لنا باب الاستبدال.. يقول الله تعالى:

﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾
(محمد: 38)

والاستبدال معنى قرآني عظيم، لكن لا يصح أن نحمله أكثر مما تحتمل الآية. فليس هذا المقال تفسيراً جديداً للآية، و لا نقول إن تعطيل عمارة الأرض هو سبب الاستبدال.

وإنما نتوقف عند فكرة التولي عن الأمانة مجالاً للتأمل: فإذا كانت العبادة تبني الإنسان، و الخيرية تُختبر في المجتمع، و من يتولى الأمر يحمل أمانة عامة، فماذا يحدث حين يتولى المجتمع، أو من يتولى أمره، عن بعض مقتضيات هذه الأمانة؟

عندها يمكن أن يصبح تعطيل الموارد، و إهدار الفرص، و ضياع الحقوق، و اختلال العدل، صوراً من التقصير في المسؤولية؛ لا باعتبارها تفسيراً حتمياً للاستبدال، وإنما باعتبارها أسئلة ينبغي أن تدخل في مراجعتنا لأنفسنا، و مجتمعاتنا، و طريقة إدارتنا لشؤوننا.

ومن هذه الزاوية تلتقي الخيرية و عمارة الأرض: حين تتحول العبادة إلى قيم، و القيم إلى سلوك، و السلوك إلى مسؤولية جماعية، و المسؤولية إلى عمل، يصبح الخير أثراً يراه الناس في حياتهم.

أما إذا انفصلت الشعائر عن السلوك، و القيم عن الممارسة، و المسؤولية عن الأمانة، و القدرة عن العمل، فقد تتسع الفجوة بين ما نؤمن به و ما نفعله.

وهنا يصبح سؤال الاستبدال سؤالاً للمراجعة قبل أن يكون سؤالاً عن المصير:

هل تحوّل الخير الذي في أفرادنا إلى خيرية في مجتمعنا، و إلى عدل يحفظ الحقوق، و مسؤولية تعمر الأرض؟

هل نحن واعون لذلك؟
هذا المقال ليس تفسيراً مغلقاً، و لا نتيجة نهائية، وإنما دعوة للتأمل، و التفاكر، و الدراسة، و الإضافة و التصحيح؛ لعل الحوار الهادئ يفتح لنا فهماً أعمق للاستخلاف، و يساعدنا على تحويل القيم التي نؤمن بها إلى أثر حقيقي في حياة الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى