استراحة من ذاكرة الطفولة السودانية: (شريكي الله و الرسول!)

عادل الرفاعي ابوالحسن
ما إن تقع عين طفل على قطعة نقود معدنية ملقاة في شارع من شوارع الحِلّة، حتى يطلق هذه الصيحة بأقصى سرعة، و كأنه يخوض سباقاً مصيرياً! فقد يكون مع رفاقه يلعب الكرة أو يتجول في الأزقة، لكن العثور على (الوقيعة) كفيل بأن يحوّل اللحظة العادية إلى منافسة مثيرة.
و هنا تبدأ الإثارة! هل سينجح الطفل في إكمال عبارته قبل أن يقاطعه أحد؟ أم سيباغته رفيق سريع اللسان، و يصيح: (شريكك!)؟
كانت القاعدة واضحة؛ إذا قال أحد الأطفال (شريكك!) قبل أن يكمل صاحب النقود عبارته، أصبح شريكاً له في الوقيعة. و إذا قالها اثنان أو ثلاثة، أصبحوا جميعاً شركاء! أما إذا أكمل الطفل عبارته من دون أن يسمع أحداً يقول (شريكك!)، فقد حسم الأمر لمصلحته، و أصبحت الوقيعة حقه وحده.
و يا له من قانون! لا يحتاج إلى محكمة أو قاضٍ، و لا إلى ورقة مكتوبة أو شاهد إثبات. عُرف يعرفه الجميع و يلتزمون به، و لا مجال للاعتراض عليه بعد حسم المنافسة. لا يهم إن كان الطفل صغيراً أو كبيراً، قوي البنية أو ضعيفها؛ فالمعيار واحد: من قال (شريكك!) قبل اكتمال العبارة أصبح شريكاً، و من تأخر ضاعت عليه الفرصة!
و لم تكن الوقيعة أمراً هيناً في ذلك الزمن؛ فقد تكون تعريفة، أو قرشاً، أو فرينياً، أو خمسة قروش، أو عشرة قروش. و كانت لهذه المبالغ قيمة شرائية معتبرة في عالم الأطفال، فخمسة قروش مثلاً كانت تتيح لصاحبها شراء كمية من الحلوى و اللبان تكفيه و عدداً من رفاقه.
و ما إن تُحسم المنافسة حتى تبدأ الأسئلة: ماذا سنشتري؟ الحلوى أم البسكويت أم اللبان؟ و هل سيحتفظ صاحب الوقيعة بالغنيمة لنفسه، أم يوزعها على رفاقه؟
كثيراً ما كان يشتري الحلوى و اللبان و يوزعهما على المجموعة، فتتعالى الضحكات، و تتحول النقود القليلة إلى فرحة يتقاسمها الجميع. و هكذا كانت قطعة نقود بسيطة تصنع يوماً استثنائياً، و تمنح الأطفال حكاية جديدة يروونها و يتندرون بها.
و تمضي السنوات، و يكبر الأطفال، و تتغير الحياة، لكن الذكريات تبقى. يجتمع رفاق الأمس، و يستعيدون أيام الحِلّة، فيقول أحدهم: (تتذكروا يوم لقينا خمسة قروش؟). فتعود الضحكات، و تتوالى الحكايات، و كأن الحكاية وقعت بالأمس القريب. قد تختلف التفاصيل، لكنهم لن يختلفوا على متعة تلك الأيام و بساطتها.
تلك كانت بعض ملامح الطفولة السودانية في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي؛ أيام كانت فيها القروش القليلة تصنع فرحة كبيرة، و كانت العبارات العفوية تتحول إلى أعراف لها هيبتها، و كان الأطفال يتعلمون، من غير دروس أو محاضرات، معنى المنافسة و المشاركة و احترام الكلمة.
و بالمناسبة، الحكاية دي ذكّرتني بسؤال سياسي على طريقة أولاد الحِلّة:
يا جماعة، البرهان يوم استلم السلطة، قال (شريكي الله و الرسول!)؟ و لا واحد من المعاه قال ليهو (شريكك!) قبل ما يكمل العبارة؟!



