تقارير

إلى أين يقود تطابق الرؤى بين مصر والسودان؟.. إجتماع رباعي وتنسيق لمواجهة المخاطر

القاهرة- المحقق- صباح موسى
يكتسب الاجتماع الرباعي الذي جمع اليوم الاثنين، وزيري الخارجية والموارد المائية والري في مصر والسودان، أهمية تتجاوز حدود التنسيق الثنائي بشأن ملف المياه وسد النهضة، ليعكس حرص البلدين على توحيد الرؤى وتعزيز التشاور السياسي والاستراتيجي إزاء التحديات المشتركة، في ظل ما تشهده المنطقة من تفاعلات إقليمية ودولية متسارعة، وتقاطعات للمصالح تفرض على القاهرة والخرطوم مزيدا من التنسيق لحماية مصالحهما وأمنهما المشترك.

دعم السودان
وجددت مصر والسودان تأكيد ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض أي تهديد يمس سيادته أو يستهدف إنشاء كيانات موازية، وذلك خلال الجولة الثالثة من اجتماعات آلية التشاور (2+2) لوزيري الخارجية والري في البلدين، التي انعقدت بالقاهرة اليوم الاثنين، وبحسب بيان وزارة الخارجية المصرية، شدد الجانب المصري على وقوفه إلى جانب الشعب السوداني ومؤسساته الوطنية، مؤكدا الارتباط المباشر بين الأمن القومي للبلدين، واستعداد مصر لاتخاذ التدابير اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك لدعم السودان.

رسائل سياسية
وتحمل مواقف القاهرة التي عكستها اجتماعات اليوم رسائل سياسية واضحة بشأن استمرار تمسك مصر بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، ورفض أي محاولات لإنشاء كيانات موازية أو التدخل في استقلال قراره الوطني، وتكتسب هذه الرسائل أهمية خاصة في ظل تعدد المبادرات والتحركات الإقليمية والدولية بشأن الأزمة السودانية، وما يصاحبها من تباينات في الرؤى والمصالح، فالقاهرة لا تكتفي بتأكيد موقفها الثابت من الأزمة، وإنما تحرص كذلك على إبقاء قنوات التشاور المباشر مع الخرطوم فاعلة، باعتبار ذلك ضرورة سياسية واستراتيجية للبلدين، وتفرض طبيعة التحديات التي تواجه مصر والسودان، سواء فيما يتعلق بالأمن الإقليمي أو مستقبل الاستقرار في السودان، أن يتجاوز التنسيق حدود المواقف المعلنة إلى تبادل المعلومات وتوحيد الرؤى وتكامل التحركات، بما يحمي المصالح المشتركة ويحد من تداعيات التدخلات والتجاذبات الإقليمية.

حماية الحقوق
وفي ملف مياه النيل، جدد الجانبان، وفق البيان المصري، رفضهما للتحركات الأحادية في حوض النيل الشرقي، وأكدا ضرورة حماية حقوقهما المائية استنادا إلى اتفاقية مياه النيل لعام 1959، مع التشديد على أن السد الإثيوبي يمثل تهديدا مستمرا لدولتي المصب، في ظل الإدارة الأحادية وغياب آلية قانونية ملزمة تحكم تشغيله وإدارته، كما أدان الطرفان استهداف البنية التحتية السودانية، ولا سيما محطات الكهرباء والمنشآت المائية، بطائرات مسيّرة من إحدى دول الجوار، وشددا على احترام سيادة السودان ودعم مؤسساته الوطنية، وبحث الجانبان سبل تعزيز التعاون في إعادة إعمار السودان، وثمّن الجانب السوداني المبادرة المصرية لتقييم الأضرار التي لحقت بخزان جبل أولياء، واستمرار أعمال الصيانة بواسطة الخبراء المصريين، بالتعاون مع وزارة الزراعة والري السودانية، كما أكد الطرفان رفض أي محاولات لعسكرة البحر الأحمر أو المساس بسيادة الدول المشاطئة له، وشددا على أهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين دوله، ورفض أي وجود أو نفاذ بحري لدول غير مشاطئة.

تطابق المواقف
ويمثل تطابق الموقفين المصري والسوداني بشأن سد النهضة أحد أبرز مخرجات التنسيق بين البلدين، ليس فقط لارتباط الملف مباشرة بالأمن المائي للدولتين، وإنما لما يفرضه من ضرورة توحيد الرؤية بشأن إدارة موارد النيل والتعامل مع تداعيات السد الإثيوبي وفقا لقواعد القانون الدولي، وبما يحفظ حقوق دولتي المصب ومصالح شعبيهما، كما أن وجود موقف مصري سوداني متقارب يمنح البلدين وزنا أكبر في التحركات والمشاورات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل ملف النيل، ويعزز قدرتهما على الدفاع عن حقوقهما في مواجهة الإجراءات الأحادية، خاصة أن تداعيات هذا الملف لا تتوقف عند حدود المياه، بل تمتد إلى الأمن والاستقرار الإقليميين.

ترجمة الروابط
ولا تنفصل أهمية التنسيق السياسي عن ضرورة تطوير العلاقات المصرية السودانية على المستوى العملي، وتحويل الروابط التاريخية ووحدة المصير إلى برامج تعاون ملموسة، تشمل إعادة الإعمار والبنية التحتية والموارد المائية والتدريب وتبادل الخبرات. وفي هذا الإطار، تعكس مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان اليوم بشأن مشروعات تنموية في قطاع المياه بالسودان توجها نحو توسيع التعاون من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى المشروعات التنفيذية، غير أن التحدي الحقيقي يظل في ضمان تنفيذ هذه المشروعات على الأرض، وتحويل الاتفاقات إلى نتائج ملموسة تسهم في دعم السودان وتعزز التكامل بين البلدين.

توقيت مهم
من جانبه أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسام عيسى، أهمية الاجتماع الرباعي الذي عقد اليوم بين مصر والسودان، مشيرا إلى أنه يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما وصفه بمحاولات الجانب الإثيوبي استفزاز دول المنطقة والسعي إلى تحقيق أطماع لا يجيزها القانون الدولي. وقال عيسى، سفير مصر الأسبق في الخرطوم، لـ “المحقق” إن الاجتماع يأتي بالتزامن مع إعلان إثيوبيا اعتزامها إنشاء سدود أخرى على النيل الأزرق، واستهداف محطات الكهرباء في السودان، موضحا أن الطائرات المسيّرة التي استهدفت محطات الكهرباء في مناطق متفرقة من البلاد انطلقت من الأراضي الإثيوبية، وفقا لما أعلنته الخرطوم، مضيفا أن إثيوبيا تنتهج، من خلال هذه التحركات، سياسة من شأنها زعزعة الاستقرار في محيطها الإقليمي، سعيا إلى تحقيق أطماعها في الدول المجاورة وما تمتلكه من موارد مائية وموانئ بحرية، موضحا أن الاجتماع عكس تطابق الرؤى المصرية والسودانية في عدد من الملفات، من بينها التوافق بشأن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 وأهميتها للبلدين، ودعم السلام والاستقرار في السودان، والدور المصري في إعادة إعمار البلاد، فضلا عن أمن البحر الأحمر، مشيرا إلى أن الاجتماع رحب كذلك بالتطور الجديد في مبادرة حوض النيل، والمتمثل في فتح الباب أمام تعديل بنودها والاستماع إلى الدول التي لم تنضم إلى عضويتها حتى الآن، وفي مقدمتها مصر والسودان، بما يضمن مراعاة مصالحهما المائية.

تهديد مشترك
وأضاف عيسى أن الاجتماع يعكس حقيقة أساسية تتمثل في وحدة الأمن المائي المصري والسوداني، باعتبار البلدين من دولتي المصب، وأن أي تهديد لهذا الأمن يمثل تهديدا مشتركا لهما، الأمر الذي يجعل تنسيق المواقف والحفاظ على تطابقها ضرورة لحماية الحقوق المائية للبلدين، ورأى أن ثبات الموقفين المصري والسوداني وتطابقهما بدا ينعكسان على الموقف الإثيوبي بشأن مبادرة حوض النيل، ويدفعان باتجاه اتخاذ مواقف جديدة تفتح المجال أمام تعديل المبادرة بما يراعي مصالح جميع الدول المشاطئة للنهر، بما فيها دولتا المصب، وتابع أن هذا التنسيق يسهم في ترسيخ جبهة واضحة تضم الدول المتضررة من السياسات الإثيوبية، وفي مقدمتها مصر والسودان والصومال، مؤكدا أن الرسالة الموجهة إلى القيادة الإثيوبية باتت واضحة، ومفادها ضرورة إعادة النظر في التصرفات التي لا تراعي قواعد القانون الدولي، محذرا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى عزلة إثيوبيا إقليميا، ويجعلها دولة منبوذة في منطقة شرق أفريقيا.

اجتماع ناجح
من جهته اعتبر الخبير الاستراتيجي السوداني الدكتور أمين إسماعيل مجذوب أن اجتماع اليوم يُعد من أنجح الاجتماعات التي تناولت ملفات مياه النيل والعمل المشترك بين البلدين. وقال مجذوب لـ “المحقق” إن القرض الذي قدمه البنك الدولي للتنمية كان من بين الملفات الناجحة التي شهدت تنسيقا بين البلدين، إلى جانب المشروعات الزراعية المشتركة بين مصر والسودان، مضيفا أن اللافت في الاجتماع هو تطابق وجهات النظر بين البلدين بشأن ملف سد النهضة، والاتفاقات الملزمة التي يطالب بها الجانبان، فضلاً عن تدفقات المياه والحفاظ على الخزانات السودانية، وهي قضايا حظيت بنقاش مستفيض خلال الاجتماع، موضحا أن التنسيق خلال الفترة المقبلة سينتقل إلى عمل اللجان المشتركة، بمباركة رئاستي البلدين، مشيرا إلى أن التعاون سيتناول كذلك العديد من القضايا الأخرى، من بينها الجهود المرتبطة بتحقيق السلام في السودان.

الخلاصة
الخلاصة أنه لا يمكن النظر إلى الاجتماع الرباعي بين مصر والسودان اليوم باعتباره مجرد جولة جديدة من التشاور الفني بشأن مياه النيل وسد النهضة، بل يمثل تأكيدا على أن القاهرة والخرطوم تنظران إلى أمنهما المائي والسياسي باعتبارهما مجالين مترابطين، وأن حماية المصالح المشتركة تتطلب تنسيقا مستمرا يتجاوز الملفات الثنائية التقليدية إلى مجمل القضايا التي تمس استقرار البلدين ومحيطهما الإقليمي، وفي ظل التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والتأثير في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، تزداد أهمية الحفاظ على موقف مصري سوداني متقارب، يستند إلى المصالح المشتركة واحترام القانون الدولي، مع صون استقلال القرار الوطني لكل من البلدين، ويبقى الاختبار الأهم لنتائج هذا الاجتماع في مدى قدرة القاهرة والخرطوم على تحويل هذا التوافق السياسي إلى آليات تنسيق مستدامة ومواقف عملية مشتركة، لا سيما في ملف سد النهضة، ودعم استقرار السودان، وتأمين البحر الأحمر، بما يضمن ألا تظل وحدة المواقف مجرد تأكيد سياسي، وإنما تتحول إلى قوة فعلية لحماية مصالح البلدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى