من الصمود إلى الإعمار: دلالات اجتماع محافظ بنك السودان بمُلاك المصارف

م.م. محمد الشاطر الأمين الحسن
لم يكن الاجتماع الذي عقدته محافظ بنك السودان المركزي مع ممثلي مُلاك المصارف التجارية اجتماعاً إجرائياً معتاداً، بل كان إعلاناً ضمنياً عن تحول استراتيجي في وظيفة الجهاز المصرفي، من مرحلة الصمود في ظل الحرب إلى مرحلة التهيئة للتعافي وإعادة الإعمار. وقد حمل الاجتماع ثلاث رسائل جوهرية يتعين تأملها، في التمويل والإصلاح وتكامل السياسات.
أما الرسالة الأولى، فهي أن التمويل محور معركة الإعمار. فحديث البنك المركزي عن تعزيز قدرة الجهاز المصرفي على دعم النشاط الاقتصادي وتوفير التمويل اللازم لقطاعات الإنتاج والاستثمار، يقرر حقيقة مفادها أن الدولة وحدها لن تستطيع تمويل الإعمار، فلا الموازنة العامة تسمح، ولا المنح الخارجية تكفي. وعليه، فإن الممول الحقيقي للإعمار لا بد أن يكون الجهاز المصرفي، بما يملكه من ودائع وخبرة وانتشار.
وأما الرسالة الثانية، فهي أن الإصلاح شرط التمويل. فالحديث عن رؤوس الأموال والحوكمة والأطر التشريعية والتنظيمية لم يكن ترفاً تنظيمياً، لأن المصارف التي تآكلت رؤوس أموالها بفعل الحرب، واضطربت حوكمتها بفعل النزوح والتشريد، لا تقوى على تمويل مصنع أو مزرعة. لذلك جاء الترتيب منطقياً: إصلاح الذات أولاً، ثم تمويل الغير ثانياً، ومن لم يرفع رأس ماله ويُحسِّن حوكمتها، سيخرج تلقائياً من سباق الإعمار.
وأما الرسالة الثالثة، فهي تكامل السياسات. ففي اليوم ذاته، عقدت المحافظ اجتماعين آخرين، أحدهما لإنشاء صندوق لتمويل السلع الاستراتيجية بمشاركة المصارف، والآخر لبحث حصائل الصادر والمجلس الأعلى للصادرات. ودلالة ذلك أن السياسة النقدية، وتمويل الغذاء، وحصائل الصادر، ملف واحد لا يتجزأ، فلا استقرار للأسواق بغير سلع استراتيجية، ولا سلع بغير نقد أجنبي، ولا نقد أجنبي بغير صادر منتج ومصارف قوية.
والمطلوب الآن من المصارف زيادة رؤوس الأموال ودمج الكيانات الضعيفة والتحول من تمويل التجارة العابرة إلى تمويل الإنتاج، ومن البنك المركزي إطار تشريعي واضح ومرن يتيح للمصارف التحرك دون أن يهز استقرارها، ومن المُلاك إدراك أن زمن الأرباح اليسيرة من المضاربة في العملة قد انقضى، وأن الربح القادم سيكون من تمويل الإعمار الحقيقي. فإن تحقق ذلك، ببدء صندوق السلع الاستراتيجية عمله، وعودة المصارف إلى تمويل الإنتاج، نكون قد انتقلنا حقاً من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد النهضة.



