رأي

الطرمبية: هل ترحل برحيل طرمب أم أصبحت جزءاً من بنية السياسة الأمريكية؟

 

د. إسماعيل ساتي

كلما اقترب النقاش من مستقبل السياسة الأمريكية بعد دونالد طرمب، عاد سؤال جوهري يفرض نفسه: هل الطرمبية ظاهرة سياسية ارتبطت بشخصية استثنائية استطاعت أن تفرض حضورها على الحياة السياسية الأمريكية، أم أنها تعبير عن تحولات أعمق في المجتمع الأمريكي، ستظل آثارها قائمة حتى بعد رحيل صاحبها عن المشهد السياسي؟

قد يبدو السؤال في ظاهره متعلقاً بمستقبل رئيس أمريكي، لكنه في جوهره يتجاوز شخص دونالد طرمب إلى طبيعة التحولات التي شهدتها الولايات المتحدة، ومدى قدرة نظامها السياسي على استيعابها وإعادة التوازن إلى علاقاته ومؤسساته. فالتاريخ السياسي لا يخلو من قادة أحدثوا تحولات كبيرة في بلدانهم، لكن رحيلهم لم يؤد بالضرورة إلى زوال الأفكار والحركات التي ارتبطت بهم. وفي المقابل، شهد التاريخ أيضاً حركات فقدت زخمها بمجرد غياب قادتها، لأنها لم تستطع بناء منظومة قادرة على الاستمرار من دونهم.

ولعل البداية الصحيحة لفهم الطرمبية هي ألا ننظر إلى دونالد طرمب باعتباره السبب الوحيد في ظهورها، بل أن نتساءل عن البيئة التي أتاحت له الصعود، وعن الظروف التي جعلت خطابه يجد صدى لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين، وعن العلاقات التي نشأت بينه وبين قاعدته الشعبية، ثم عن قدرة الحزب الجمهوري والمؤسسات السياسية على استيعاب هذا التحول أو الحد من آثاره.
فالقادة، مهما بلغت قدراتهم الشخصية، لا يصنعون الظواهر السياسية من فراغ. إنهم يتحركون داخل بيئات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وقد ينجح بعضهم في التعبير عن مخاوف وتطلعات ظلت زمناً طويلاً من دون تمثيل سياسي مقنع. وعندما يتمكن قائد من تحويل هذه المشاعر المتفرقة إلى خطاب جامع، ومنح أصحابها إحساساً بأن هناك من يسمعهم ويمثلهم، فإنه قد يتجاوز حدود التأييد الانتخابي التقليدي ليصبح رمزاً لهوية سياسية واجتماعية.

ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم صعود طرمب بمعزل عن التحولات التي شهدها المجتمع الأمريكي، بما في ذلك الشعور بالتهميش لدى قطاعات من الطبقة العاملة، والقلق من التغيرات الديموغرافية والثقافية، والمخاوف المرتبطة بالهجرة والعولمة، وتراجع الثقة لدى بعض الناخبين في المؤسسات السياسية والإعلامية التقليدية. وقد تداخلت هذه العوامل بدرجات متفاوتة، لتوفر بيئة ملائمة لخطاب يعد باستعادة المكانة الوطنية، ويضع المصالح الأمريكية المباشرة في مقدمة الأولويات، ويقدم نفسه باعتباره صوتاً لمن يشعرون بأن النخب السياسية لم تعد تمثلهم.

وقد استطاع طرمب توظيف هذه البيئة بمهارة سياسية وإعلامية واضحة، مستخدماً خطاباً شعبوياً مباشراً، وشعارات سهلة التداول، واستقطاباً حاداً بين أنصاره وخصومه. ولم تكن المسألة مجرد برنامج انتخابي، بل نشأت علاقة خاصة بين القائد وقاعدته الشعبية، تقوم على قدر من الولاء الشخصي، وعلى شعور متبادل بأنهما يخوضان معركة واحدة ضد قوى تسعى إلى إقصائهما أو تهميشهما.

وهنا تكمن إحدى الخصائص المهمة للطرمبية. فحين يصبح القائد، في نظر أنصاره، أكثر من مجرد رئيس أو مرشح، ويتحول إلى رمز لهويتهم السياسية، فإن العلاقة معه لا تعود محكومة حصراً بتقييم الأداء الحكومي أو مقارنة البرامج الانتخابية. وقد يستمر الولاء حتى في ظل الخلاف حول بعض السياسات أو الإخفاق في تحقيق بعض الوعود، لأن العلاقة تكون قد اكتسبت أبعاداً تتصل بالهوية والانتماء والثقة المتبادلة.
لكن هذا الارتباط يطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول قدرة الحركة على الاستمرار بعد غياب قائدها. فالأفكار يمكن أن تنتقل، والبرامج يمكن أن تُطور، والشعارات يمكن أن يتبناها آخرون، غير أن العلاقة الشخصية التي بناها قائد مع جمهوره يصعب نقلها بالدرجة نفسها إلى خليفة جديد. وقد يجد هذا الخليفة نفسه مضطراً إلى الاختيار بين تقليد شخصية طرمب، وهو أمر لا يضمن له النجاح، وبين تطوير خطاب مختلف قد يضعف صلته بالقاعدة التي صنعت قوة الطرمبية.

ولا يقل دور الحزب الجمهوري أهمية عن دور القائد والقاعدة الشعبية. فالسؤال ليس فقط ما إذا كان الجمهوريون سيواصلون تأييد طرمب، بل إلى أي مدى غيرت الطرمبية طبيعة الحزب نفسه، وأعادت تشكيل أولوياته وخطابه وعلاقته بالناخبين.

إذا كانت الطرمبية قد بدأت بوصفها تياراً داخل الحزب الجمهوري، فإن استمرار بعض أفكارها ومواقفها في الخطاب الجمهوري قد يجعل من الصعب العودة ببساطة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل صعود طرمب. فالقضايا المتعلقة بالهجرة، والقومية الاقتصادية، والعلاقة مع المؤسسات الدولية، والتشكيك في النخب التقليدية، أصبحت جزءاً مهماً من النقاش السياسي داخل الحزب وخارجه. ومن ثم، فإن رحيل طرمب لا يعني بالضرورة أن الحزب سيعود إلى سياساته السابقة أو أن التيارات التي دعمته ستفقد حضورها.

ومع ذلك، فإن الحزب الجمهوري ليس كتلة متجانسة، كما أن الطرمبية نفسها لا تخلو من تناقضات داخلية. فهناك اختلافات حول التجارة الدولية، وحدود التدخل الأمريكي في الخارج، والعلاقة بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية، فضلاً عن التباين في تقدير كلفة بعض السياسات الاقتصادية والسياسية. وقد تظل هذه الاختلافات محدودة في ظل وجود قائد قادر على فرض أولوياته، لكنها قد تظهر بصورة أكثر وضوحاً عندما يغيب هذا القائد، وتبدأ المنافسة على خلافته وتحديد الاتجاه الذي ينبغي للحزب أن يسلكه.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الطرمبية بوصفها ظاهرة شخصية، والطرمبية بوصفها اتجاهاً سياسياً، والطرمبية بوصفها منظومة قابلة لإعادة إنتاج نفسها.
فالطرمبية الشخصية قد تتراجع أو تنتهي مع غياب دونالد طرمب، لأن جانباً كبيراً من قوتها ارتبط بأسلوبه الخاص في القيادة والتواصل والتعبئة. أما الطرمبية السياسية، التي تتمثل في مجموعة من الأفكار والمواقف والأولويات، فقد تستمر بدرجات متفاوتة، حتى إذا تغيرت القيادة أو أعيد تقديم هذه الأفكار في صياغات جديدة. ويبقى الاحتمال الأعمق هو أن تتحول إلى منظومة سياسية أكثر استقراراً، لها قياداتها ومؤسساتها وقاعدتها الاجتماعية، ولا يتوقف استمرارها على وجود شخص بعينه.

وهذا الاحتمال الأخير هو ما يستحق اهتماماً خاصاً؛ لأن الانتقال من حركة تتمحور حول قائد إلى اتجاه سياسي قادر على الاستمرار يتطلب أكثر من مجرد الاحتفاظ بالشعارات. إنه يحتاج إلى بناء علاقات مستقرة بين القيادة والقاعدة الشعبية، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات، وإلى برنامج يستطيع التوفيق بين المصالح المتعارضة، وإلى آليات تسمح بتجديد القيادة من دون تفكيك الحركة أو الدخول في صراعات داخلية تستنزفها.

ومن منظور منظومي، لا تُفهم الظاهرة السياسية من خلال أحد عناصرها منفرداً، بل من خلال العلاقات المتبادلة بين عناصرها، وطبيعة التفاعلات التي تربطها، ومدى قدرتها على التكيف مع المتغيرات المحيطة بها. فالقائد عنصر مهم في المنظومة، لكنه ليس المنظومة كلها. والحزب ليس مجرد أداة في يد القائد، كما أن القاعدة الشعبية ليست مجرد جمهور يتلقى الخطاب. هناك علاقات متبادلة التأثير بين القائد والحزب والناخبين والمؤسسات والبيئة الاقتصادية والاجتماعية، وهذه العلاقات هي التي تحدد إلى حد بعيد قدرة الظاهرة على الاستمرار أو التراجع.

ولذلك، فإن رحيل طرمب، مهما كان توقيته أو أسبابه، لن يكون وحده العامل الحاسم في مستقبل الطرمبية. الأهم هو ما سيحدث للعلاقات التي أسهمت في نشأتها واستمرارها. هل ستظل المخاوف التي خاطبها طرمب قائمة؟ وهل سيواصل الحزب الجمهوري التعبير عن الفئات التي رأت فيه ممثلاً لمصالحها؟ وهل ستظهر قيادة جديدة قادرة على المحافظة على تماسك هذه القاعدة؟ أم أن التناقضات الداخلية، والإخفاقات السياسية والاقتصادية المحتملة، والتغيرات في اتجاهات الناخبين، ستؤدي إلى إضعاف الحركة وإعادة تشكيلها؟

كما أن قدرة النظام السياسي الأمريكي على التعامل مع هذه الظاهرة ستؤثر في مسارها. فالانتخابات، وأداء الحكومات، واستقلال المؤسسات، وقدرة الأحزاب على تجديد برامجها، كلها عوامل تؤثر في توازن الحياة السياسية. ولا ينبغي افتراض أن المؤسسات ستتمكن تلقائياً من احتواء كل تحول، أو أن الطرمبية ستنجح حتماً في فرض رؤيتها؛ فالمسار يتوقف على التفاعلات المتبادلة بين هذه العناصر، وعلى النتائج التي تنتجها السياسات المتبعة، وعلى كيفية استجابة المجتمع لها.
وقد تقود هذه التفاعلات إلى أحد مسارات متعددة: فقد تتراجع الطرمبية الشخصية بعد غياب طرمب، مع استمرار بعض أفكارها داخل الحزب الجمهوري؛ وقد تظهر قيادة جديدة تتبنى جانباً كبيراً من خطابها وتعيد تقديمه بأسلوب مختلف؛ وقد تنقسم القاعدة المؤيدة لها بين تيارات تتنافس على تحديد مستقبل الحزب. ومن الممكن أيضاً أن تؤدي التحولات الاقتصادية والاجتماعية إلى تغيير أولويات الناخبين، فتتراجع بعض القضايا التي غذّت صعودها، بينما تظل قضايا أخرى حاضرة في السياسة الأمريكية.

ولا يعني هذا أن جميع هذه الاحتمالات متساوية، أو أن المستقبل يمكن التنبؤ به بدقة. لكنه يعني أن اختزال المسألة في بقاء طرمب أو رحيله يغفل العوامل الأعمق التي تحدد مسار الظواهر السياسية. فالمستقبل لا تصنعه رغبات القادة وحدهم، ولا تتحكم فيه المؤسسات بمعزل عن المجتمع، بل يتشكل من التفاعل المستمر بين القيادة والمصالح والقيم والظروف المحيطة.
ولعل الدرس الأهم هنا أن رحيل الشخص لا يعني بالضرورة رحيل الظاهرة التي ارتبطت به. فقد يغيب القائد، بينما تبقى الأسباب التي صنعت شعبيته، وتستمر العلاقات التي غذّت حركته، وتظهر قيادات جديدة تستثمر الرصيد السياسي الذي تركه وراءه. وفي المقابل، قد يفقد القائد نفوذه تدريجياً إذا تغيرت البيئة التي منحته القوة، أو إذا عجزت الحركة عن التكيف مع المتغيرات، أو إذا فشلت في تحويل الولاء الشخصي إلى مشروع سياسي ومؤسسي قابل للاستمرار.

إن مستقبل الطرمبية، في نهاية المطاف، لن يتحدد بمجرد السؤال عمن سيخلف دونالد طرمب، بل بالسؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة ستشهد إعادة تشكيل للعلاقات التي أنتجت هذه الظاهرة، أم أن هذه العلاقات ستظل قائمة وتبحث عن قيادة جديدة تعبّر عنها.
فإذا بقيت البيئة التي أفرزت الطرمبية، واستمرت المصالح والمخاوف التي غذّتها، ونجح الحزب الجمهوري في استيعابها وإعادة إنتاجها، فإن غياب طرمب قد يمثل نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى، لا نهاية الظاهرة نفسها. أما إذا تغيرت هذه الظروف، أو فقدت الحركة قدرتها على التماسك والتكيف، فقد تتراجع الطرمبية أو تنقسم أو تتحول إلى صيغة مختلفة عما عرفناه خلال السنوات الماضية.

وهكذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الطرمبية ستبقى بعد طرمب، بل ما إذا كانت المنظومة السياسية والاجتماعية التي أفرزتها ستظل قادرة على إعادة إنتاجها. فالأشخاص قد يصنعون الفارق في لحظات تاريخية معينة، لكن استمرار التحولات التي يقودونها يتوقف على ما إذا كانت ستجد جذورها في بنية المجتمع، وتستقر في علاقات مؤسساته، وتتحول من ظاهرة مرتبطة بشخص إلى اتجاه قادر على الاستمرار والتجدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى