كيف تصبح رؤية البنك المركزي للقطاع المصرفي واقعاً يلمسه الناس ويحسون أثره

م.م. محمد الشاطر الأمين الحسن
لم تكن تصورات محافظ بنك السودان المركزي، الأستاذة آمنة ميرغني، التي طرحتها على ملاك المصارف وإداراتها، أمنيات عابرة، بل مشروعاً متكاملاً يهدف إلى الانتقال بالسودان من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد النهضة، ومن الصمود إلى التعافي وإعادة الإعمار. والسؤال الآن ليس: ماذا تريد المحافظ؟ بل: كيف يتحول ما تطرحه إلى واقع يلمسه المواطن في السوق والمصرف وسعر الصرف؟ فالدول لا تبنى بالتمني، بل بسياسات لها جدول زمني ومؤشر قياس ومسؤول عن التنفيذ. لذلك ترى المحافظ أن الممول الحقيقي للإعمار لن يكون الموازنة المنهكة ولا المنح المتقطعة، بل الجهاز المصرفي نفسه، غير أن مصارف تآكلت رؤوس أموالها بفعل الحرب لا تقوى على تمويل مصنع أو مزرعة. ومن هنا جاء الترتيب: إصلاح الذات أولا، ثم تمويل الغير ثانيا، عبر تقوية رؤوس الأموال قبل نهاية 2026 والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال ومتطلبات بازل. ويتوازى مع ذلك الخروج من اقتصاد النقد الورقي إلى اقتصاد رقمي، عبر المحول القومي والمقاصة الإلكترونية ونقاط البيع والدفع عبر الهاتف وربط الأنظمة بمنصة بلدنا. لكن السياسة النقدية لها حدود: فالبنك المركزي يستطيع أن يضبط القواعد ويوجه التمويل ويبني المنصات، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني طريقا أو يعيد كهرباء أو يؤمن قافلة بضائع، ومن ينسى ذلك سيظلم السياسة النقدية مرتين: مرة حين يطالبها بما ليس من شأنها، ومرة حين يحاسبها على ما لم تفعله.
وفي قلب الطرح تأتي فلسفة السيدة المحافظ: الدولار مرآة لحال الدولة، حين لا ننتج ولا نصنع ونظل مستهلكين، يصل الدولار إلى الحد الذي وصل إليه. لذلك لم يكن علاج سعر الصرف عندها ببيع الدولار في السوق، بل بإنتاجه في المصنع والمزرعة والمنجم. ومن هنا تم توجيه التمويل إلى القطاعات الإنتاجية والصادر والأدوية وإعادة الإعمار، مع تخصيص 12% للتمويل الأصغر، وهو إعلان بأن زمن الربح اليسير من المضاربة قد انقضى، وأن الربح القادم سيكون من تمويل الإعمار الحقيقي. وهذا هو التحدي أمام ملاك المصارف: هل سيقبلون بعقلية التمويل الطويل للإنتاج، أم سيظلون أسرى الربح السريع؟ ويتصل بذلك ملف حصائل الصادر بوصفه المعركة الفاصلة، إذ لا استقرار للأسواق بغير سلع استراتيجية، ولا سلع بغير نقد أجنبي، ولا نقد أجنبي بغير صادر منتج. وهنا تأتي أهمية المجلس الأعلى للصادرات وصندوق تمويل السلع الاستراتيجية وربط كل مراحل التصدير في منظومة واحدة، لأن كل دولار يتسرب خارج النظام هو مصنع لا يبنى ودواء لا يصل وجنيه يفقد قيمته. وفي المقابل يرى منتقدون أن هذه السياسات تواجه اختبارا صعبا، إذ قد يؤدي التشدد في رفع رؤوس الأموال إلى خروج مصارف صغيرة وتركيز السوق في يد الكبار، وقد يبطئ التركيز على الضوابط وتيرة التمويل، بينما يظل التحول الرقمي رهينا بالكهرباء والاتصالات. وهذه التحفظات ليست هامشية، فأي إصلاح ينجح في الورق ويفشل في الوصول إلى المزارع الصغير، سيكون إصلاحا ناقصا مهما كانت أرقامه جميلة.
ولكي تكتمل الصورة، لا بد من مواجهة الحقيقة الأصعب: كل هذه السياسات تعمل في بيئة حرب استنزفت البنية التحتية، وعطلت الطرق والموانئ، وشردت الكفاءات، وقطعت سلاسل الإمداد. ولذلك فإن السياسة النقدية وحدها، مهما كانت محكمة، لا تستطيع أن تصمد إذا بقيت معزولة عن إصلاح الواقع الأمني والخدمي، فالمصرف لا يستطيع أن يمول مزرعة لا تصل إليها مدخلات الإنتاج، ولا مصنعا لا تصل إليه الكهرباء، ولا تاجرا لا يأمن على بضاعته في الطريق. ومن هنا يأتي معنى التكامل: أن تتحرك السياسة النقدية جنبا إلى جنب مع سياسات الدولة في الأمن والخدمات والإنتاج، حتى لا تتحول القرارات المصرفية إلى جزر منفصلة تحيط بها الخراب. وإن ما تمكنت منه المحافظ حتى الآن هو إبقاء الجهاز المصرفي واقفا في قلب الحرب، وهو أمر يحسب للبنك المركزي، لكن التحدي القادم هو أن يعمل هذا الجهاز في بيئة تسمح له بأن ينتج، لا أن يصمد فحسب. وما يميز الطرح الحالي أنه لم يتعامل مع الملفات بوصفها جزرا معزولة، بل جعل السياسة النقدية وتمويل الغذاء وحصائل الصادر والتحول الرقمي والإصلاح المصرفي ملفا واحدا، وهو ما يمنح الرؤية اتساقها على مستوى التصور، وهو انتقال ما زال بحاجة إلى أن تثبته النتائج.
وتصبح التصورات واقعا ملموسا عندما نقيسها بسؤال واحد حاسم: هل وصل التمويل إلى من ينتج؟ هل ارتفعت رؤوس أموال المصارف؟ هل عادت المصارف إلى العمل في الخرطوم؟ هل اشتغل المحول القومي؟ هل دخلت حصائل الصادر عبر القنوات الرسمية؟ هل شعر المواطن أن جنيهه أصبح أكثر استقرارا؟ والإنصاف يقتضي أن نقول: الاقتصاد لا يبنيه محافظ وحده مهما كانت كفاءته، بل تبنيه منظومة كاملة: بنك مركزي حازم، ومصارف ملتزمة، ومنتجون واثقون، ومواطن يرى أن جنيهه يستحق أن يبقى في المصرف لا في السوق الموازية. والكرة الآن ليست في ملعب المحافظ وحدها، بل في ملعب المصارف والمنتجين والدولة كلها. وإذا تحول الإجماع الذي ظهر في الاجتماعات الأخيرة إلى التزام يومي، فإننا لن نكون أمام تجربة محافظ فحسب، بل أمام لحظة تأسيس جديدة، يتحول فيها التصور إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى واقع. وعندها فقط، إذا أجابت الأشهر المقبلة عن أسئلة القياس بـ “نعم”، لن تكون تصورات د. ميرغني مجرد تصورات، بل ستكون هي الواقع الذي يعيشه كل سوداني، أما إذا أجابت بـ “لا”، فستبقى الرؤية، مهما كانت متماسكة، مجرد وثيقة جميلة أخرى في أرشيف البنك المركزي.



