من عوض عبد الرازق إلى ساندرز: التجربة السودانية وسؤال الدين في مشروع التغيير .. تعقيب على مداخلة الصديق سيف الدين جبريل

هشام يوسف عبد الرحمن
طرح الصديق سيف الدين جبريل، في مداخلته التي شاركنا بها عبر مجموعة واتساب، قضية فكرية وسياسية عميقة وجديرة بالتأمل، ليس فقط لما تضمنته من إعادة قراءة للخلاف التاريخي بين عوض عبد الرازق وعبد الخالق محجوب، وإنما لنجاحه في ربط ذلك الخلاف بتجربة بيرني ساندرز والحركة التقدمية داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، وإعادة طرح السؤال الجوهري الذي ظل يواجه قوى التغيير في السودان: كيف تتحول الأفكار التقدمية من قناعات تتبناها النخب إلى قوة اجتماعية وسياسية واسعة، قادرة على التأثير في المجتمع وتغيير واقعه؟
وأود أن أضيف إلى ما تفضل به الصديق سيف بُعدين أراهما جديرين بالاستصحاب عند مناقشة هذه القضية: أولهما التجارب السودانية التي حاولت، بدرجات متفاوتة، تجاوز الأطر الأيديولوجية والتنظيمية التقليدية، وثانيهما مكانة الدين الإسلامي والتدين المجتمعي في تشكيل الوجدان السوداني، وما يترتب على ذلك من ضرورة بناء مشروع للتغيير ينطلق من واقع المجتمع وقيمه وثقافته، لا من تصورات نظرية منفصلة عنه.
أولاً: التجارب السودانية ومحاولات الخروج من الأطر التقليدية
لم تخلُ الساحة السياسية السودانية من محاولات سعت إلى تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي التقليدي، والاقتراب من جوهر ما دعا إليه عوض عبد الرازق بشأن بناء حركة وطنية ديمقراطية واسعة تستند إلى واقع المجتمع ودرجة تطوره، وإن لم تتبنَّ تلك المحاولات أطروحاته بصورة مباشرة.
ولعل من أبرز تلك التجارب الحراك الطلابي الذي برز فيه الدكتور إسماعيل الحاج موسى ورفاقه بجامعة الخرطوم خلال ستينيات القرن الماضي، ولا سيما في أجواء ثورة أكتوبر 1964 وما أعقبها. ويمكن النظر إلى هذه التجربة بوصفها محاولة مبكرة لتجاوز الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي، وبناء تيار وطني ديمقراطي أكثر انفتاحاً على المجتمع، يقترب في جوهره من بعض ما دعا إليه عوض عبد الرازق، وإن لم يتبنَّ أطروحاته بصورة مباشرة. غير أن ما اعتور التجربة من قصور تنظيمي وسياسي حال دون تطورها إلى مشروع سياسي مستدام يحقق طموحاتها الأولى.
ثم جاءت تجربة مؤتمر الطلاب المستقلين، الذي تأسس بجامعة الخرطوم عام 1977م، رافعاً شعار “كل الوطن للناس… لا خاصة لا عامة”، وساعياً إلى تجاوز الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، وتأسيس خطاب وطني يقوم على الاستقلال الفكري والديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية. وقد اتسعت التجربة خلال الثمانينيات، وأسهمت في الحراك الطلابي المصاحب لانتفاضة أبريل 1985، وبرزت فيها قيادات من بينها عمر الدقير، قبل أن تتطور امتداداتها السياسية، عبر مراحل تنظيمية مختلفة، إلى حزب المؤتمر السوداني، الذي تولى رئاسته إبراهيم الشيخ، ثم خلفه عمر الدقير عام 2016.
غير أن هذه التجربة، رغم ما حققته من حضور سياسي وتنظيمي، واجهت اختباراً بالغ الصعوبة بعد سقوط الإنقاذ في أبريل 2019، حين انتقلت من موقع المعارضة إلى المشاركة في تحالفات السلطة الانتقالية، ثم في خضم الاستقطاب السياسي الذي سبق اندلاع حرب أبريل 2023 وأعقبها. وفي تقديري، كشفت مواقف الحزب وتحالفاته، ولا سيما علاقات بعض القوى المدنية بقوات الدعم السريع ومواقفها من الحرب، عن تناقضات تستوجب مراجعة نقدية جادة، وتطرح تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق الممارسة السياسية مع المبادئ التأسيسية للاستقلال الفكري والديمقراطية والدولة المدنية، دون أن يعني ذلك الجزم بوجود ارتباط تنظيمي أو عسكري لم تثبته أدلة موثوقة.
لكن المعضلة، في تقديري، لم تكن في سلامة المنطلقات الفكرية بقدر ما كانت في اختبارات تنزيل تلك المفاهيم التقدمية إلى أرض الواقع. فقد واجهت هذه المحاولات، رغم اختلاف ظروفها ومساراتها، صعوبات في بناء قاعدة اجتماعية راسخة، وترسيخ الديمقراطية داخل التنظيم، وإدارة الاختلاف، وتحويل الشعارات إلى برامج وممارسات سياسية قادرة على الصمود أمام تحديات السلطة والتحالفات والمصالح المتعارضة.
ولا يعني ذلك إنكار ما حققته هذه التجارب من إسهامات في الحياة السياسية السودانية، وإنما الإقرار بأن طموحاتها التأسيسية كانت أوسع من النتائج التي استطاعت تحقيقها.
ولعل أحد أهم دروس التجربة السودانية أن كثيراً من مشروعات التجديد السياسي بدأت بأفكار واعدة، لكنها لم تنجح بالقدر المأمول في التحرر من بعض أمراض الممارسة الحزبية التي نشأت أصلاً لمجاوزتها. فالتجديد لا يتحقق بتغيير اللافتات أو المصطلحات، وإنما بتغيير الثقافة السياسية وأساليب التنظيم وإدارة السلطة والاختلاف.
وهنا تحديداً تكتسب المقارنة التي طرحها الصديق سيف مع تجربة بيرني ساندرز أهميتها؛ فالعبرة ليست بمجرد تبني الأفكار التقدمية، ولا حتى بالنجاح في تأسيس تنظيم يحملها، وإنما بالقدرة على بناء حركة اجتماعية واسعة تتجذر في المصالح اليومية للناس، وتمارس داخل مؤسساتها ما تدعو إليه من ديمقراطية وشفافية وتداول للقيادة، وتخضع أفكارها باستمرار لاختبار الواقع.
ثانياً: الدين والتدين المجتمعي في معادلة التغيير السوداني
غير أن ثمة بُعداً آخر لا يجوز إغفاله عند مناقشة مستقبل القوى التقدمية في السودان، وهو مكانة الدين الإسلامي والتدين المجتمعي في تشكيل الوجدان السوداني وبنيته الثقافية والقيمية.
فالإسلام، بما له من حضور تاريخي واجتماعي عميق، ليس مجرد انتماء ديني منفصل عن الحياة العامة، وإنما أحد المكونات الأساسية للهوية الاجتماعية والثقافية السودانية، مع ضرورة الاعتراف بالتعدد الديني والثقافي والإثني الذي يميز البلاد.
وقد أسهم التدين الشعبي، بما ارتبط به من تقاليد صوفية وقيم التكافل والتسامح والتضامن الاجتماعي، في تشكيل جانب مهم من العلاقات الاجتماعية والوجدان الجمعي السوداني، وإن تفاوتت تجلياته بين البيئات والمناطق والمراحل التاريخية.
ومن هنا، فإن أي مشروع للتغيير الاجتماعي والسياسي يتجاهل هذه الحقيقة، أو يتعامل مع التدين الشعبي باعتباره عائقاً أمام التقدم، إنما يخاطر بالاغتراب عن قطاعات واسعة من المجتمع الذي يسعى إلى تغييره.
وفي هذا السياق، لا بأس من استدعاء مشروع “اليسار الإسلامي” للمفكر المصري الدكتور حسن حنفي، الذي سعى إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي من منظور يجعل قضايا العدالة الاجتماعية والتحرر ومقاومة الاستغلال والاستبداد في قلب المشروع الفكري والسياسي.
وقد انطلق حسن حنفي من محاولة إعادة وصل التراث بقضايا الواقع، وتجاوز التعارض المصطنع بين الانتماء إلى الموروث الحضاري والتطلع إلى التقدم الاجتماعي والسياسي. وهي محاولة تستحق التأمل والنقد، لا باعتبارها نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، وإنما بوصفها اجتهاداً فكرياً لإقامة صلة بين القيم الدينية المتجذرة في المجتمع وتطلعاته إلى الحرية والعدالة والتغيير.
ولعل الدرس الأهم هنا أن التقدمية لا تقتضي القطيعة مع الموروث الديني والثقافي للمجتمع، مثلما أن احترام الدين لا يستوجب توظيفه في الصراع على السلطة أو احتكار تفسيره سياسياً.
فالمطلوب ليس استبدال أيديولوجية مغلقة بأخرى، ولا إعادة إنتاج تجربة الإسلام السياسي التي كشفت الممارسة السودانية عن إخفاقاتها وتناقضاتها، وإنما صياغة مشروع وطني ديمقراطي يستلهم قيم العدل والتكافل والكرامة الإنسانية، ويصون في الوقت نفسه المواطنة المتساوية والحريات العامة وحقوق المختلفين دينياً وفكرياً.
وهذا يقتضي التمييز بين الدين باعتباره مكوناً أصيلاً في وجدان المجتمع ومنظومته القيمية، وبين توظيفه السياسي أداةً للإقصاء واحتكار الحقيقة والسلطة.
ثالثاً: من سلامة الفكرة إلى القدرة على تغيير الواقع
إن الربط بين هذه التجارب السودانية، وأطروحة عوض عبد الرازق، ومشروع اليسار الإسلامي عند حسن حنفي، وتجربة ساندرز الأمريكية، لا يعني تطابق منطلقاتها الفكرية أو ظروفها التاريخية، وإنما يكشف عن سؤال مشترك: كيف يمكن بناء مشروع سياسي يجمع بين وضوح الرؤية الفكرية، وفهم الواقع الاجتماعي والثقافي، والقدرة على التنظيم والتأثير؟
فقد أثبتت التجربة السودانية، في مراحل مختلفة، أن امتلاك الأفكار المتقدمة لا يكفي وحده لبناء حركة سياسية مؤثرة، وأن الشعارات التي لا تجد ترجمتها في حياة الناس ومصالحهم اليومية سرعان ما تفقد قدرتها على التعبئة والاستمرار.
كما أن بناء التحالفات الواسعة لا يحقق غاياته ما لم يستند إلى برامج واضحة، ومؤسسات ديمقراطية، وآليات للمساءلة والمحاسبة، وقدرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى انقسام أو إقصاء.
ومن ناحية أخرى، فإن مخاطبة المجتمع من داخل منظومته الثقافية والقيمية لا تعني الاستسلام لكل ما هو سائد فيها، وإنما الانطلاق من عناصرها الإيجابية لتطويرها، ومواجهة ما يتعارض منها مع الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان.
وهنا تكمن أهمية استصحاب الدين في مشروع التغيير السوداني، لا باعتباره بديلاً عن العقلانية السياسية أو الدولة المدنية، وإنما باعتباره أحد مفاتيح فهم المجتمع والتواصل معه، وبناء خطاب إصلاحي يستوعب خصوصيته التاريخية والحضارية.
رابعاً: نحو مراجعة نقدية للتجربة السياسية السودانية
إن إعادة الاعتبار لأطروحة عوض عبد الرازق لا ينبغي أن تقف عند حدود الإنصاف التاريخي، بل تستدعي مراجعة نقدية أمينة للتجارب السودانية التي حاولت، بصورة أو بأخرى، تجاوز التنظيمات الأيديولوجية المغلقة، بما حققته وما أخفقت فيه، حتى لا نعيد إنتاج الإخفاقات نفسها تحت مسميات جديدة.
كما أن استدعاء تجربة ساندرز ينبغي ألا ينصرف إلى مجرد الإعجاب بقدرة التقدميين على العمل داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، وإنما إلى فهم الشروط التي مكنتهم من بناء قواعد اجتماعية وانتخابية، وربط مطالبهم بقضايا السكن والصحة والتعليم والأجور وتكلفة المعيشة.
فالسودان، بتركيبته الاجتماعية والثقافية المختلفة، وتاريخه السياسي المضطرب، وتحديات الحرب والانقسام وضعف المؤسسات، يحتاج إلى مشروع تغيير ينطلق من خصوصيته، ويستوعب تحولات مجتمعه، ويجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية والتنمية والسلام، دون أن يدخل في خصومة مع المعتقدات والقيم الراسخة في وجدان غالبية مواطنيه.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام القوى التقدمية والوطنية السودانية لم يعد مجرد الإجابة عن سؤال: كيف نصل إلى السلطة؟ بل كيف نبني قوة اجتماعية ديمقراطية تستطيع أن تغيّر طبيعة الممارسة السياسية نفسها، سواء كانت داخل السلطة أو خارجها؟
وفي تقديري، فإن أزمة السياسة السودانية لم تكن يوماً فقراً في الأفكار أو ندرة في مشروعات الإصلاح والتجديد، بقدر ما كانت عجزاً متكرراً عن تحويل تلك الأفكار إلى مؤسسات راسخة، وممارسات ديمقراطية، وبرامج قابلة للتنفيذ، ونتائج يلمسها المواطن في حياته.
ومن هنا، فإن مستقبل التغيير في السودان لن تصنعه القطيعة مع المجتمع وموروثه، ولا إعادة إنتاج التنظيمات والأيديولوجيات القديمة في أثواب جديدة، وإنما مشروع وطني ديمقراطي يتصالح مع واقع المجتمع دون أن يستسلم لسلبياته، ويستوعب قيمه الدينية والثقافية دون أن يوظفها للإقصاء، ويجعل من العدالة والحرية والمواطنة والتنمية غايات عملية قابلة للتحقق.
شكراً للصديق سيف الدين جبريل على هذا الطرح الذي أعاد فتح باب مهم للنقاش، وأتاح فرصة لاستحضار تجارب سودانية تستحق المراجعة والتقييم، بعيداً عن التقديس أو الإدانة، وبروح تبحث عن أسباب الإخفاق بقدر ما تبحث عن شروط النجاح.
فالمستقبل لا تصنعه الأفكار الجيدة وحدها، وإنما تصنعه قدرة المجتمعات على تحويل تلك الأفكار إلى قوة منظمة، ومؤسسات ديمقراطية، وممارسة سياسية تستمد مشروعيتها من الناس، وتستجيب لتطلعاتهم، وتحترم قيمهم وكرامتهم.



