السودان… من الاستقطاب إلى الاستيعاب: دعوة لفهمٍ أعمق ومخرجٍ وطني شامل

مهندس سعيد إبراهيم محمد
في قلب الجغرافيا الأفريقية، وعلى أطراف المصالح الدولية، يقف السودان اليوم عند مفترق طرق حاد، مأزوم بتجاذبات داخلية وخارجية تشكلت عبر عقود من التشظي، ولكنها في هذه اللحظة التاريخية بلغت ذروتها، حتى صار الوطن ساحة مفتوحة لكل من أراد أن يمد يده، أو يغرس قدماً.
المشهد السوداني الراهن ليس أزمة حكومة ضد معارضة، ولا نزاع جيش ضد ميليشيا فقط، بل هو اختناق بنيوي مركب، تتشابك فيه عناصر الجهوية، والقبلية، والمصالح الإقليمية، وتقاطعات القوى الدولية الباحثة عن نفوذ في رقعة لم تعد خامًا كما كانت، بل أصبحت عنيدة وملغّمة بوعيٍ مجروح وتجارب خادعة.
*أولاً: الداخل المستقطب… وهم الكعكة الضيقة*
بات واضحاً أن جزءاً من النخب السودانية وقعت في فخ توزيع “كعكة الدولة”، دون أن تنتبه أن هذه الكعكة ذاتها باتت فاسدة وغير قابلة للقسمة العادلة. إن محاولة تقسيم السلطة والثروة عبر المحاصصات الجهوية والقبلية لا يمكنها إلا أن تنتج مزيداً من الاحتقان، ومزيداً من التشظي. فالسودان، بتعدده الكبير، لا يُدار بمفاهيم “من جاء أولاً وأخذ أكثر”، بل بمشروع وطني يستوعب الجميع، دون استثناء أو تغليب.
*ثانياً: الخارج المتدخل … وصكوك الصفقات*
ليست القوى الإقليمية والدولية بريئة فيما يجري. فبعضها يتدخل بمباشرة مريبة، وبعضها يتستر خلف شعارات السلام والدعم الإنساني. ولكن الحقيقة أن السودان أصبح نموذجاً يُراد اختباره ضمن خرائط جديدة، لا تختلف كثيراً عن تجارب تمزيق الدول في الصومال، أو إغراقها في الفوضى المؤطرة كما حدث في أوكرانيا والكنغو.
غير أن ما لا يفهمه صانع القرار الغربي – أو يتجاهله – أن السودان ليس أرضاً بلا هوية، بل هو وطن يمتلك ذاكرة مقاومة طويلة، وهوية متجذرة في الثقافة، وروحاً لا تقبل الإملاء. فالسوداني، أياً كانت مواقعه، لن يُدار بـ”صك صفقة”، ولن يُخضع بـ”مساعدات مشروطة”.
والسفارة الأمريكية في الخرطوم، بتاريخها الطويل، تدرك تمامًا أن هذا البلد لا يُحكم من الخارج، مهما بدا هشاً ومفتتاً.
*ثالثاً: الحل … استيعاب لا استقطاب*
الخروج من هذا النفق لا يكون باستدعاء الخارج ليُسوّق حلولاً مستوردة، بل بتفعيل الإرادة الوطنية الكامنة في عمق هذا الشعب العظيم. الحل يبدأ من الإيمان أن السودان لا يحتاج إلى حكومة جديدة فقط، بل إلى “ذهنية حكم” جديدة:
• حكم يستوعب التنوع لا يستثمر فيه انقسامًا.
• حكم يُشرك الشباب وأهل المعرفة لا يهمّشهم لصالح حسابات السلاح.
• حكم يتعامل مع القبيلة باعتبارها مكوّناً لا مشروعاً سياسياً.
• حكم يعيد رسم العلاقة مع الخارج بما يحفظ السيادة، لا بما يبرر التبعية.
*خاتمة: مشروع كرامة لا صك استسلام*
إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من المؤتمرات، ولا جولات تفاوض طويلة بلا نتائج. ما نحتاجه هو “مشروع كرامة” وطني، محمي بإرادة شعبية، لا يعترف إلا بسيادة السودان على قراره، وعلى مستقبله.
مشروع يُبنى من رحم هذا الواقع الصعب، لا من دفاتر المنظمات ولا من توصيات السفراء الأجانب. مشروع يعرف أن السلام ليس مائدة للمفاوضين بل حياة للناس.
السودان ليس أوكرانيا، وليس الكنغو.. السودان هو السودان.



