مستقبل العلاقات الخارجية في ظل حكومة الأمل: كيف يستعيد السودان رصيده الدبلوماسي في زمن التحولات؟

مهند عوض محمود
مع تولّي الدكتور كامل إدريس رئاسة وزراء حكومة الأمل، لن يجد التحديات التي أمامه محصورة في الداخل السوداني وحده، بل تمتد إلى علاقات السودان الخارجية التي شهدت على مدى العقود تحولات عميقة وتقلبات حادة؛ ففي مرحلة ما، وتحديدًا خلال سنوات حكم المؤتمر الوطني، استطاع السودان أن يبني شبكة واسعة من الشراكات الإقليمية والدولية، اتسمت بالتوازن والبراغماتية، ومكّنته من تثبيت موقعه كحزب حاكم في دولة محورية في محيطها العربي والأفريقي.
واليوم، ترث حكومة الأمل هذا الرصيد، لا كماضٍ يُستدعى للتباهي، بل كفرصة استراتيجية تنتظر من يعيد قراءتها، ويفعّل عناصرها بما يتناسب مع التغيرات الإقليمية والدولية، وبما يخدم تطلعات السودان نحو الاستقرار والنهوض.
كان السودان فاعلًا مهمًا في العالم الإسلامي، من خلال حضوره المؤثر في منظمة التعاون الإسلامي ومشاركته المنتظمة في قممها ومجالسها الوزارية ؛ ولم يكن حضوره شكليًا، بل ترجمه عبر دعمه لمشروعات إغاثية وتنموية في عدد من الدول الإسلامية، من بينها مساعدات غذائية وصحية لليمن والصومال وفلسطين، ومساهمات فعّالة في برامج إغاثة الشعوب المسلمة المتضررة من الكوارث.
مع دول الخليج، بنت الخرطوم علاقات وثيقة ومتشعبة، أبرزها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وقفت إلى جانب السودان في أكثر من مفصل اقتصادي حرج، لا سيما بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011 ؛ حينها قدّمت أبوظبي دعماً نفطياً منتظماً، وضخّت ودائع في البنك المركزي، وأسهمت في استقرار سعر صرف الجنيه السوداني. كما استثمرت في مشروعات زراعية كبرى، ودعمت النظام البنكي بتحويلات ضخمة للسودانيين العاملين في القطاعين العام والخاص، واحتفظت البنوك السودانية بحسابات وودائع رئيسية لدى مصارف إماراتية، في وقت كانت فيه خيارات البلاد المالية شديدة المحدودية.
أما المملكة العربية السعودية، فقد لعبت دوراً مكملاً وثابتاً في دعم السودان، ووقّعت معه اتفاقيات تمويل زراعي وتنموي، وأسهمت في دعم الميزانية، وساندت الخرطوم سياسيًا وإعلاميًا في محافل إقليمية ودولية. وقد شكّل الموقف السوداني في “عاصفة الحزم” عام 2015، نقطة تقاطع استراتيجية جديدة في العلاقة بين البلدين، ترجمت لاحقًا عبر تنسيق أمني وعسكري عميق. كما أسهمت الجالية السودانية في المملكة –وهي من الأكبر عددًا في الخليج– في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تحويلات بلغت مئات الملايين من الدولارات سنويًا.
أما دولة قطر، فقد شكّلت أحد أبرز أركان الدعم المالي المباشر للسودان خلال العقدين الماضيين. فقدّمت الدوحة دعماً مادياً كبيراً تُقدّر قيمته بنحو 4 مليارات دولار، توزّعت بين ودائع مصرفية مباشرة في البنك المركزي السوداني، واستثمارات طويلة الأجل في مجالات الزراعة والسياحة والعقارات. من أبرز تلك المساهمات، إيداع مليار دولار في العام 2013، ضمن دعم سياسي واقتصادي لاستقرار النظام المصرفي، إلى جانب استثمارات شركة “الديار القطرية” في مشروعات تطوير عقارية وسياحية في الخرطوم وسواكن. كما أسهمت قطر بتمويل مشاريع إغاثية وصحية عبر الهلال الأحمر القطري، وكانت الدولة الراعية لاتفاق سلام دارفور في الدوحة عام 2011، ما منحها دورًا سياسيًا مركزيًا في ملف السلام السوداني.
وفي السياق الخليجي الأوسع، ربطت السودان علاقات تعاون معتبرة مع كل من البحرين وسلطنة عمان، تمثّلت في تبادل الوفود، وتمويل برامج إنسانية وصحية وتعليمية، ودعم بعض مشروعات البنية التحتية، خاصة في المناطق الطرفية.
في آسيا، كانت الصين الشريك الاستراتيجي الأهم. فمنذ منتصف التسعينيات، لعبت بكين دورًا حاسمًا في نقل السودان من مرحلة ما قبل الإنتاج النفطي إلى دولة مُصدّرة للخام ؛ حيث ساهمت في اكتشاف الحقول، وبناء خطوط الأنابيب، ومصفاة الجيلي، واستثمرت في البنية التحتية للطاقة والنقل ؛ وبلغ حجم التبادل التجاري في ذروته أكثر من 8 مليارات دولار سنويًا، وكان حوالي 69% من صادرات السودان النفطية تتجه إلى الصين، التي وفّرت بدورها قروضًا ميسّرة لتمويل سد مروي وعدد من مشاريع الكهرباء والاتصالات. وقد قاد هذه العلاقة نخبة من السفراء السودانيين المتميزين، من أبرزهم السفير الدكتور علي يوسف الشريف ، والسفير عمر عيسى، ممن لعبوا دورًا محوريًا في ترسيخ الثقة المتبادلة وتوسيع دائرة التعاون.
أما في أفريقيا، فقد كانت الريادة السودانية غير قابلة للجدال ؛ حيث تولّى السودان رئاسة الاتحاد الأفريقي، ومنظمة الإيغاد عدة مرات ؛ وشارك بفاعلية في الوساطة بين فرقاء جنوب السودان، والصومال، وأفريقيا الوسطى. كما احتضن عدة قمم أفريقية مصغّرة في الخرطوم، وعزز مكانته كدولة محورية في القارة.
في أوروبا، شهد السودان انفتاحًا تدريجيًا رغم الحصار، خصوصًا مع ألمانيا وفرنسا ؛ واستقبل وفودًا برلمانية وفنية، وشهد تعاونًا مع شركات كبرى مثل سيمنس، وبدأ خطوات جادة في معالجة ديونه مع نادي باريس.
العلاقات مع روسيا شهدت تقدمًا ثابتًا، شمل صفقات تسليح وتعاونًا في مجال المعادن. بدأت التفاهمات بشأن إنشاء قاعدة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر في عام 2017، لكنها تعطلت بعد تغيير الحكومة في 2019، رغم توقيع اتفاق مبدئي في نوفمبر 2020. ظل المشروع معلّقًا حتى أُعيد تأكيد الاتفاق رسميًا في فبراير 2025.
أما العلاقات مع الولايات المتحدة، فرغم ما شابها من توتر، شهدت تعاونًا أمنيًا في ملف الإرهاب، وأثمرت لاحقًا عن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفتحت باب العودة للمؤسسات المالية الدولية.
بعد عام 2019، دخلت السياسة الخارجية في مرحلة من التراجع، انعكس في تعثّر استثمار العلاقات مع الخليج والصين وروسيا. كما فشل المكون التنفيذي حينذاك في إدارة ملفات استراتيجية كبرى. ويُعد مشروع “ميناء أبو عمامة” أبرز مثال، إذ وُقّع اتفاقه في ديسمبر 2022، لكنه أُلغي في نوفمبر 2024، بسبب ضعف التنسيق الداخلي والتضارب بين الدبلوماسية والسياسة.
إن حكومة الأمل لا تبدأ من الصفر، بل من أرضية خصبة لعلاقات خارجية متجذرة، تحتاج فقط لرؤية استراتيجية متماسكة تعيد التموضع السوداني بثقة، وتحفظ له مكانته كشريك فاعل في الإقليم والعالم.



