رأي

ويخوفونك بالإسلام السياسي

رمضان أحمد

كثير من أبناء وبنات المسلمين سقطوا في فخ شيطنة الإسلام من قبل خصومه وتقسيمه بين “الإسلام السياسي” وإسلام عادي. والحقيقة هي أنه لا يوجد شيء اسمه إسلام سياسي وآخر غير سياسي. الإسلام يعني العدل المطلق، الذي ليس فيه مكانه خاصة للأقوياء على حساب الضعفاء، ولا الأغنياء على الفقراء، ولا الرجل على المرأة وهكذا. وهو ما لا يريده المسيطرون على رقاب الشعوب.

في هذا المقال نسلط الضوء على أهم جوانب الإسلام التي تمس البشرية اليوم وحاجة البشر اليوم إليه بعد أن فشلت كل النظم الوضعية في تحقيق الحياة الكريمة للبشر. ونشير أيضاً إلى الاستبداد السياسي في بلاد المسلمين واستخدامه الدين الإسلامي في ممارسة الاستبداد وكيف أن هذا الاستبداد السياسي في بلاد المسلمين هو الذي يحفظ مصالح القوى الغربية في بلاد المسلمين. ثم نختم بسبب مناهضة الغرب للإسلام لمنع البشرية من الاستفادة من تعاليمه السمحة.

أهمية الإسلام للعالم اليوم:

أولاً: الإسلام الذي سعت أنظمة الاستبداد على طمسه هو ذلك الإسلام الذي يذم الاستبداد السياسي والمستبدين ويحث على الرفق بالرعية. فقد ورد عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بهم فارفُقْ بِهِ» . رَوَاهُ مُسلم وصَحِيحٌ (الألباني).

ويستنكر المولى عز وجل على فرعون العلو في الأرض واستضعاف الناس بقوله: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.” الأية 4 من سورة القصص.

لذلك ركزت أنظمة الاستبداد السياسي على التدين الشعائري وتمجيده، بينما أغفلت التدين السلوكي لأنه ببساطة يمس سلوك الحاكم تجاه رعيته. ومن هنا ظهرت مفارقات غريبة جداً، فعلى سبيل المثال يبكي بعض المسلمين في المسجد عند سماع الخطبة ولكن عندما يخرجوا إلى السوق لا يوجد أثر لهذه الخطبة على سلوكهم. فهم يمارسون الغش والنفاق وخلف العهود وأكل أموال الناس بالباطل وكل الموبقات، مع أن موقف الإسلام في ذلك واضح. والسبب في ذلك أن الحاكم هو الذي يعكس هذا السلوك المشين الذي أصبح مع الأسف الشديد جزءاً من ثقافة المجتمع. هذا الإسلام “المدجن” الذي يتسامح مع الفساد والاستبداد هو بالضرورة المقابل لما يسمى “الإسلام السياسي”.

ثانياً: الإسلام يعنى بتحقيق العدل من خلال حفظ الضرورات الخمس، وهي النفس والمال والعقيدة والنسل والعقل. فالنفس البشرية عند الله هي واحدة، الكافر والمسلم على حد سواء. “مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ. سورة المائدة: 32.

وأما حفظ المال فالمقصود به حماية الكسب الفردي، وأن كل إنسان مطلوب منه أن يسعى لكسب رزقه بالحلال وبالأساليب المشروعة، وأما حفظ العقيدة فيأتي احتراماً وتقديراً لحق الاختيار في الحياة، وبالتالي لا يجوز إجبار أي إنسان على اعتناق عقيدة هو ليس مقتنعاً بها، بما في ذلك الإسلام نفسه دون أن ينتقص ذلك من حقه كمواطن في دولة تتبع أحكام الشريعة الإسلامية. وأما حفظ النسل فيندرج ضمن العناية بالأسرة باعتبارها أصغر وحدة مجتمعية فيها يحصل الفرد على التربية السليمة لينطلق إلى المجتمع مساهماً في ازدهاره ورفعته. والأسرة أهم أركانها الأب والأم وكلاهما يقوم بدوره لرعاية النشيء. ولذلك يحرم الإسلام العلاقات غير المشروعة باعتبارها تؤدي إلى هدم الأسرة وقطع النسل. وأما العقل فهو مناط التكليف، بدونه لا يوجد تكليف. لذلك اهتم الاسلام بالعقل وجعل حفظه جزءاً من مقاصد الشرع، لذلك يحرم الإسلام كل ما من شأنه الإضرار بالعقل ولو تغييبه مؤقتاً.

هذه الضرورات الخمس يحتاج إليها المسلم وغير المسلم على حد سواء، وتصلح كمعايير للبحث العلمي والابتكارات التكنولوجية، خاصة ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي الذي يهدد البشرية بسبب غياب المعايير الأخلاقية. وأعتقد أن مقاصد الشريعة الإسلامية تصلح تماماً لأن تكون معايير للذكاء الاصطناعي.

وعلى صعيد آخر نجد أن الفقه الإسلامي غطى كل جوانب الحياة، من حيث علاقة الإنسان بنفسه وبمن حوله من البشر ابتداءَ من أبويه وأبنائه فيما يعرف بقانون الأحوال الشخصية وفقه المعاملات وبربه فيما يعرف بالعقائد وبالطبيعة من حوله. لا يوجد في الدنيا نظام شامل للحياة يشبه النظام الإسلامي. وليس غريباً أن تستفيد الدساتير الأوروبية عموماً والدستور الفرنسي خصوصاً من الفقه المالكي.

كيف فشل النظام العالمي اليوم؟

النظام الغربي الاستعماري المهيمن على العالم هو الذي يضع المعايير في العلاقات الدولية. وعلى الرغم من الكلام الجميل الذي تأسست عليه عصبة الأمم وفيما بعد الأمم المتحدة، وعلى الرغم من المعاهدات الدولية الرنانة، يظل النظام العالمي مختلاً، حيث يسود الأقوياء على حساب الضعفاء ويفرضون أجنداتهم الخاصة التي تبتعد غالباً عن أي قيم وأخلاق، ابتداءً من استعمار الشعوب واسترقاق الأفارقة وإبادة الشعوب الأصلية، فضلاً عن فرض أنظمة الاستبداد السياسي على الشعوب المستضعفة لنهب ثرواتها وإفقار شعوبها. ربما كان اختلال النظام العالمي قبل ظهور الانترنت خافياً عن الناس ولكن اليوم وبفضل الفضاءات المفتوحة أصبح كل شيء مكشوفاً.

إن فشل النظام العالمي ليس فقط على مستوى العلاقات الدولية فحسب، بل حتى داخل الدول العظمى نفسها بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعيش أكبر عدد من المليارديرات في العالم ومع ذلك يوجد مالا يقل عن 11 في المائة من السكان يعيشون على القمامة.

الغرب وأزلامه يعادون الإسلام، لماذا؟

معاداة الغرب وأزلامه للإسلام ليس أمراً مستغرباً، نظراً لأن الإسلام يدعو إلى تعزيز قيمة الفرد ليكون مساهماً في ازدهار المجتمع، بينما النظام الغربي يهتم بالفرد لاستغلاله. فقيمة الإنسان في الفكر الغربي تكمن في قدرته على الإنتاج ودفع الضرائب، بخلاف ذلك يصبح عالة. والأسرة في النظام الغربي غير محبذة، باعتبار أنها قد تنشيء الفرد على قيم تخالف ما تريده الدولة أو النخبة الرأسمالية المتحكمة في الدولة. لذلك يشجع النظام الغربي العلاقات خارج عش الزوجية لتقوم الدولة بعملية التربية بدلاً من الأبوين. هذا فضلاً عن أن الدولة في النظام الغربي هي الكل في الكل وتملك الحق في سحب حق المواطنة. أما في الإسلام فالمجتمع هو الأصل بينما الدولة أو الحاكم مهمته تنظيم المجتمع وتمكينه من أداء دوره وإلا وجب عزله. لذلك، لا يعطي الإسلام أي شكل من أشكال القداسة للحاكم.

ومن اللافت أن تطبيق نفس النظام الغربي في بلاد المسلمين تكون نتائجه مختلفة لأن فكرة اختيار القيادة السياسية من الشعب يعني تطبيق إرادة الشعب كمجتمع. لذلك رأينا النتيجة في التجربة الماليزية والتركية؛ نجح الغرب في إجهاض تجارب بعض الدول الإسلامية، ولكنه فشل في إجهاض التجربة التركية على الرغم من المحاولات المتعددة، بحكم أنها تجذرت وأصبحت ملكاً للشعب الذي حماه بصدوره العارية.

ما يميز التجربتين الماليزية والتركية هو اختفاء الفقر تماماً. والسبب هو أن الدولة محكومة بإرادة المجتمع وبالتالي كان تفاعل المجتمع بمنظماته المدنية كفيلاً بجسر الهوة بين الأغنياء وبين الفقراء عبر الزكاة والصدقات والأوقاف، هذا فضلاً استنهاض قيم الإسلام في التكافل المجتمعي الذي لم يُعزل منه حتى الحيوان.

العالم اليوم بحاجة إلى مباديء الشريعة الإسلامية وقيم الإسلام، ليس فقط لمحاربة الفقر وتقييد هيمنة الأقوياء على الفقراء، وإنما لإعلاء قيمة الإنسان وتحقيق كرامته من خلال تحقيق العدل والمساواة وتمكين الشعوب من استغلال ثرواتها.

ومن هنا أحيي البروفسور وائل حلاق أستاذ الفلسفة بجامعة كولومبيا الأمريكية – وهو مسيحي من أصل فلسطيني – نذر نفسه لجعل مبادئ الشريعة الإسلامية بديلاً عن الحداثة. يرى البروفسور أن المسلمين أساءوا فهم الشريعة الإسلامية عندما حصروها في أحكام الحدود، بينما يرى هو أن الشريعة الإسلامية نظام حياة تهتم بغير المسلم بقدر اهتمامها بالمسلم وأنه نظام يوفر الحد الأدنى من العدالة التي يحتاج إليها العالم اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى