تقارير

لماذا لم يسلط الإعلام السوداني ضوءاً كافياُ على هذا التقرير الأممي الهام؟

المحقق – محمد عثمان آدم

إذا غض القارئ الطرف عن البنود المتعلقة بما يمكن اعتباره علاقات عامة والسعي للحفاظ على أدنى حد ممكن من شعرة معاوية مع أطراف النزاع في السودان، فسيُفاجأ عندها أن هذا التقرير الأممي لم يكن إلا إدانة كاملة لمليشيا الدعم السريع، وهي في الحقيقة تستحق أكثر من ذلك؛ والإشارة هنا إلى البيان الختامي الصادر عن رضوان نويصر، الخبير المُعيّن من قِبل الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في السودان.

في البيان الذي ألقاه نويصر قبل ثلاثة أيام في جنيف (5 أغسطس 2025) بمناسبة انتهاء فترة ولايته في هذه البعثة، والذي يتألف من حوالي 24 فقرة، منها ثلاث فقرات خاتمة ملخصة، وستة فقرات مخصصة للجانب الحكومي وخمس فقرات عامة حول الاجتماع مع الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية وزيارة مخيمات النازحين، وست فقرات مخصصة لمليشيا الدعم السريع. والواقع أن هذا التفصيل مثير للاهتمام حقًا.

نصف الفقرات المخصصة للحكومة، 4 فقرات منها، هي مدح وثناء على مواقف الحكومة، وثنتان تنتقدان مواقفها فيما يتعلق بقصف المناطق التي “قد يتأثر بها المدنيون”، وعدم المضي في تعديل قوانين واعتقال مشتبه بهم للتعاون مع التمرد وثلاثة منها توصيات وخاتمة.

اما الفقرات الست المخصصة لـ”قوات الدعم السريع” فهي إدانة صريحة وتقريع، ونقد صريح، مما يعيدنا إلى الفقرة الافتتاحية من هذا المقال: أي إذا حذفنا التصريحات المعتادة الصادرة عن خبراء الأمم المتحدة والخبراء الدوليين الذين يودون الظهور بمظهر الحياد وعدم الانحياز إلى طرف، حتى لو اتضح أن هذا الطرف مذنب، لتساءل المرء عن سبب عدم تسليط الإعلام الحكومي في السودان الضوء على هذا التقرير أو حتى نشره كاملاً. فهو لا يشيد بمواقف الحكومة فحسب، بل يوضح رفض مسؤول حقوق الإنسان القاطع الاعتراف بالحكومة الموازية بقيادة قوات الدعم السريع ناهيك عن التعاون معها، بينما يشيد بقيام مجلس وزراء مدني بقيادة د كامل إدريس بل يُحمّل البيان قوات الدعم السريع مسؤولية 90% من الفظائع والانتهاكات المذكورة. ويقول ستُدرج نتائج هذه الزيارة في التقرير السنوي للمفوض السامي لحقوق الإنسان حول حالة حقوق الإنسان في السودان، والذي سيُعرض على الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان.. فتامل:

وقال رضوان نويصر، الخبير المُعيّن لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن حالة حقوق الإنسان في السودان في بيانه أنه اختتم زيارته إلى بورتسودان، التي امتدت من 27 إلى 31 يوليو 2025، وهي زيارته الثانية إلى البلاد منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023. وكان الهدف من المهمة مواصلة تقييم حالة حقوق الإنسان والوضع الإنساني في السودان، وتعزيز التواصل مع السلطات على مختلف المستويات، والتعبير عن قلقنا إزاء تدهور أوضاع حقوق الإنسان، وتشجيع زيادة الاهتمام باحتياجات السكان المتضررين من النزاع المسلح.

وأشار إلى أنه وقبل زيارته إلى بورتسودان، عقد اجتماعات افتراضية مع ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك المجموعات النسائية، ومع مدافعين عن حقوق الإنسان، ومحامين، وصحفيين.

وقال “أودّ أن أعرب عن امتناني للسلطات على تعاونها وتسهيلها لزيارتي. خلال مهمتي، التقيتُ بنائب وزير الخارجية، ووزير العدل، وآلية المتابعة الوطنية، والنائب العام، وحاكم إقليم دارفور، بالإضافة إلى رئيس وأعضاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان.”

لكنه بالمقابل رفض الاجتماع بالطرف الآخر لأنه سعي بطريقه (الفهلوي) أن يجعل الأمم المتحدة تعترف بالحكومة الموازية عندما تجتمع بممثليها تحت راية الدعم السريع وشدد على أنه عندما رشّحت قوات الدعم السريع وفدًا تحت راية “تحالف مؤسسة السودان”، رفض الاجتماع بهم “، مما أدى إلى إلغاء الاجتماع. كما لم تؤكد الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال موعد الاجتماع المقترح.”

كما تواصل مع مسؤولين من الأمم المتحدة وشركاء في المجال الإنساني لاستطلاع آرائهم حول القضايا الرئيسية في السودان. وفي هذا السياق، عقد لقاءات إضافية مع جهات فاعلة في المجتمع المدني، وأشاد بالتزامهم الراسخ بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في بيئة بالغة الصعوبة.

وقال إنه أُتيحت له فرصة زيارة موقع تجمع للنازحين داخليًا الذي يستضيف أسرًا تعولها نساء، بمن فيهن نازحات من الخرطوم ودارفور. التقى بالنازحات لجمع معلومات مباشرة حول كيفية تأثير الصراع على حياتهن. وأضاف “شعرتُ بحزن عميق إزاء وضعهن – نساء وأطفال، بعضهم من ذوي الإعاقة، يعيشون في خيام تحت حرارة الشمس الحارقة، مع توقف المساعدات الإنسانية والخدمات، مثل الغذاء والماء والصرف الصحي والرعاية الصحية، لأشهر بسبب نقص التمويل. سيفاقم موسم الأمطار القادم أزمة ملايين النازحين داخليًا، مما يدفع الوضع المتردي أصلًا نحو كارثة شاملة. لقد كررتُ المخاوف الرئيسية المتعلقة بحقوق الإنسان التي أُثيرت سابقًا خلال زيارتي في يوليو 2024، والتي لا تزال تتطلب اهتمامًا عاجلًا، ألا وهي حماية المدنيين، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم مساحة عمل المجتمع المدني، والمساءلة.

وهنا جاء انتقاده للحكومة حيث قال “بينما اتسمت مناقشاتي مع السلطات بالصراحة والشفافية، لاحظتُ أن التقدم الملموس في هذه القضايا الحرجة لا يزال محدودًا للغاية منذ زيارتي السابقة. وأكدتُ مرارًا وتكرارًا أن حماية المدنيين تقع في المقام الأول على عاتق السلطات السودانية، وأن الإفلات من العقاب كان محركًا رئيسيًا للصراع الدائر.”

اعقبه مباشرة بنقد مر وقوي للدعم السريع تحت بند “العنف والانتهاكات” حيث قال

فيما يتعلق بحماية المدنيين، “أشعر بقلق بالغ إزاء تصاعد العنف في شمال دارفور ومنطقة كردفان، لا سيما هجمات قوات الدعم السريع ضد المدنيين،” بالإضافة إلى الهجمات العشوائية التي تُسفر عن وفيات وإصابات وتدمير ممتلكات مدنية وبنية تحتية حيوية. وتُفاقم التقارير عن العنف الجنسي والنزوح القسري من الخسائر الإنسانية. ولا تزال عواقب الحصار المستمر على الفاشر وخيمة للغاية على المدنيين.”

ثم اعقبها بفقرة أخرى “خلال زياراتي، سلّطتُ الضوء على التقارير المُقلقة حول العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، بما في ذلك أثناء النزوح – والتي نُسب معظمها إلى قوات الدعم السريع. وقد وثّق مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في السودان أكثر من 390 حادثة عنف جنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي، منذ بدء النزاع. ويُرجّح أن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير، نظرًا لاستمرار تتناقص الإبلاغ بسبب الخوف من وصمة العار والأعمال الانتقامية وعوامل أخرى. ”

وأضاف “أعربتُ عن قلقي إزاء تزايد التقارير عن خطاب الكراهية في عدة مناطق بالسودان، وشددتُ على أهمية التنوع العرقي واللغوي والثقافي للبلاد كجزء أساسي من النسيج الاجتماعي. إن الحفاظ على هذا التنوع أمرٌ أساسي لتجنب المزيد من التشرذم على أسس جغرافية أو قبلية أو عرقية.”

وقال في ضوء رفض قوات الدعم السريع الالتزام بهدنة إنسانية في الفاشر، يساورني قلقٌ بالغٌ إزاء الأزمة الإنسانية وأزمة الحماية في المنطقة، بما في ذلك مخيم أبو شوك للنازحين داخليًا، الذي واجه هجمات متكررة في الأشهر الأخيرة، مما أدى إلى تدهور حاد في الأوضاع.

واتبع ذلك بتقريظ للحكومة حيث قال “وفي هذا الصدد، رحّبتُ بالخطوة الإيجابية التي اتخذتها السلطات السودانية بتوقيعها على إطار التعاون المُعدّل مع الأمم المتحدة بشأن منع العنف الجنسي المرتبط بالنزاع والتصدي له في أبريل 2025. ويُظهر هذا الإطار استعدادًا للتصدي للعنف الجنسي ومنعه، وضمان خدمات شاملة للناجين، ودعم المساءلة.”

كما أبديتُ مخاوفي بشأن هجمات القوات المسلحة السودانية على المناطق السكنية المدنية، بما في ذلك الغارات الجوية الأخيرة في دارفور وكردفان. وذكّرتُ جميع أطراف النزاع بالتزامهم بالتمييز في جميع الأوقات بين الأهداف المدنية والعسكرية. ويجب توجيه الهجمات إلى الأهداف العسكرية فقط، مع الحرص الدائم على تجنّب المدنيين والبنية التحتية المدنية.

خطاب الكراهية وسيادة القانون

فيما يتعلق بسيادة القانون والمساءلة، والذي أقر بأنه من حق ومسؤوليات الحكومة، قال إنه أعرب عن قلقه إزاء التقارير المتزايدة عن الاعتقالات والاحتجازات التعسفية، فضلًا عن تزايد الأحكام القاسية – بما في ذلك أحكام الإعدام – الصادرة بتهمة “التعاون” مع قوات الدعم السريع. يثير هذا الأمر مخاوف جدية بشأن حقوق الإنسان، لا سيما في ضوء الانتهاكات الواسعة النطاق لضمانات المحاكمة العادلة.

وأعقب ذلك إشادة بموقف الأجهزة الحكومية حين قال و”فى اجتماعي مع النائب العام، أطلعني على تقدم لجنة التحقيق الوطنية في الجرائم وانتهاكات القانونين المحلي والدولي. وذكر أنه تم فتح أكثر من 120 ألف قضية، ورفع أكثر من 300 قضية ضد أفراد من القوات النظامية، بما في ذلك الجيش، مع رفع بعض الحصانات. وهذا تطورٌ مُرحب به.”

وقال اته أعرب عن قلقه البالغ إزاء تقلص الفضاء المدني، بما في ذلك القيود التعسفية والمضايقات والاعتقالات التي تستهدف المجتمع المدني. وأكد على الدور المحوري للمجتمع المدني في الاستجابة للأزمات. وأعرب أيضًا عن أسفه لتعليق الإصلاحات الهادفة إلى مراجعة قوانين الطوارئ قبل اندلاع النزاع. وشدد على ضرورة إعادة النظر في هذه القوانين التي تمنح صلاحيات واسعة دون رقابة قضائية.

“وفي هذا السياق، رحّبتُ بالرد الإيجابي من وزير العدل بشأن تفعيل لجنة مراجعة قوانين الطوارئ.”

بالإضافة إلى ذلك، تناولتُ أهمية معبر أدري الحدودي بين تشاد والسودان كشريان حياة إنساني بالغ الأهمية. وحثثتُ على تمديد إعادة فتحه إلى ما بعد الموعد النهائي الحالي في 15 أغسطس لتمكين استمرار القوافل الإنسانية.

وفي إدانة لمليشيا الدعم السريع قال إنه سلّط الضوء على القيود الصارمة المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة بشدة في إشارة للحصار الذي تفرضه المليشيا على الفاشر وزمزم، ومدن في شمال دارفور وكردفان، حيث أدى القتال العنيف إلى تفاقم الوضع الإنساني. وقد تأكدت بالفعل المجاعة في بعض المناطق، مع تحذيرات من اتساع نطاق انتشارها. كما أعرب عن قلقه العميق إزاء نقص التمويل اللازم للاستجابة الإنسانية، ودعا المانحين إلى زيادة دعمهم بشكل عاجل والوفاء بالتعهدات التي قطعوها في لندن في 15 أبريل من هذا العام. وشجع السلطات على الإسراع في إصدار التأشيرات وتصاريح الإقامة لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.

قال إنه التقى بالمفوضية الوطنية لحقوق الإنسان، وهنأ الأعضاء المعينين حديثًا، وحثهم على الالتزام بأعلى معايير الحياد والاستقلالية والشفافية.

وأشار إلى أن اجتماعه مع وزير العدل كان بناءً. وأعرب عن استعداده لمواصلة التعاون مع ولاية المبعوث الأممي ومع مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في السودان، بما في ذلك جهود بناء القدرات.

واشتكى بأن الحرب المستمرة أدت إلى تدهور حاد في اقتصاد السودان الهش أصلًا. حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية – الغذاء والوقود والأدوية – بشكل حاد وسط تدهور الأوضاع الإنسانية. وانخفض سعر صرف الجنيه السوداني من حوالي 500 جنيه سوداني مقابل الدولار الأمريكي قبل الصراع إلى أكثر من 2500 جنيه – أي بانخفاض قدره 500%.

وأثبت نويصر في تقريره أنه “كما هو الحال في جميع النزاعات المسلحة، يتحمل المدنيون – ولا سيما النساء والأطفال – وطأة النزوح والفقدان والمعاناة التي لا تُوصف. ويتأثر الأشخاص ذوو الإعاقة بشكل غير متناسب، وغالبًا ما تُتجاهل احتياجاتهم. وفي مناقشاتي معهم، أفادوا بوجود تحديات هائلة في الفرار من مناطق النزاع ونقص في الخدمات المناسبة في مناطق النزوح”. وقال إنني أدعو السلطات والجهات الفاعلة في المجال الإنساني إلى إعطاء الأولوية للدعم الشامل للأشخاص ذوي الإعاقة.

الخاتمة

في كل يوم يستمر فيه هذا الصراع، تُزهق أرواح بريئة، وتُمزق مجتمعات، وتتفاقم الصدمات – صدمات ستُلاحق أجيالًا قادمة. لن تُحقق الحرب حلاً. وحده السلام والحوار كفيلان بإعادة أطفال السودان إلى مدارسهم، وإعادة النازحين إلى ديارهم، وإحياء التعايش السلمي في البلاد.

وأغتنم هذه الفرصة لأُعرب عن أطيب تمنياتي لرئيس الوزراء المدني المُعيّن حديثًا وحكومته. آمل أن يُمثل هذا خطوةً نحو إدارة تكنوقراطية شاملة تُرسي أسس السلام وتُعيد الروابط بين الشعب السوداني وسلطاته. أُؤكد مجددًا على الحاجة إلى مشاورات شاملة مع الجهات الفاعلة المدنية، ومشاركة فعّالة للمرأة، ووقف إطلاق النار، وتوفير الخدمات الأساسية، وإيجاد حل مستدام قائم على احترام حقوق الإنسان للجميع.

” يتطلب المستقبل أكثر من مجرد وقف إطلاق نار ومفاوضات – بل يتطلب التزامًا حقيقيًا بالعدالة والمساءلة والحوكمة الشاملة. يجب ألا يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي. يجب أن يتحرك بشكل عاجل لفرض حظر على الأسلحة، ودعم بناة السلام المحليين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل. يجب على أطراف النزاع إعطاء الأولوية لمصلحة المدنيين على المكاسب السياسية، ورسم مستقبل قائم على المصالحة وحقوق الإنسان.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى