تقارير

الإتحاد الأوروبي والسودان: هل من سبيل لتجاوز القطيعة وبدء تعاون مثمر للطرفين؟

المحقق – المحرر الدبلوماسي

في الأنباء أن مبعوثة الإتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي بصدد زيارة السودان، وفي جدول أعمالها مقابلة كبار المسؤولين في بورتسودان وعلى رأسهم رئيس الوزراء، الدكتور كامل إدريس.

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن عزم الإتحاد الأوروبي تعيين سفير جديد في السودان، ويجري تداول اسم الدبلوماسي الألماني “ولفرام فتير” سفيراً جديداً للاتحاد خلفاً للدبلوماسي الايرلندى “إيدان أوهارا” الذى عمل سفير للاتحاد الأوروبي من 2022 الى 2025.

الدبلوماسي الألماني المرشح يحمل سيرته ذاتية مهنية تقول إنه خدم في بوركينافاسو وإثيوبيا والإتحاد الأفريقي و وبروندي فضلاً عن خدمته في رئاسة وزارة الخارجية الألمانية والبرلمان الالماني.

مؤشرات إيجابية:

ليس هناك من شك، في أن مجالات التعاون بين السودان، والإتحاد الأوروبي، لا تكاد تحصى، سواء السياسية أو الاقتصادية والتنموية أو الأمنية والإنسانية، وليس هناك من شك كذلك، في أن “الحالة الدبلوماسية” بين الطرفين كانت دون طموح أي منهما لأكثر من ثلاثة عقود، وذلك لجملة من الأسباب، في جوهرها سياسية، تتعلق بمواقف الإتحاد، و دوله المؤثرة، من مجريات الأوضاع في السودان.

و بتعيين سفير جديد في هذا التوقيت، ومغادرة الحالي موقعه، تلوح فرصة لإحداث تفاهم بين بروكسل والخرطوم قد يلعب السفير الجديد دوراً مؤثراً في إرساء أسسه الجديدة بما قد يبذله من جهود في تحسين العلاقات بين السودان و 27 دولة أوروبية.

وفي هذه المقالة نحاول أن تطرح سؤالاً مفتاحياً، وهو هل هناك أمل في تحسين العلاقات بين السودان ودول الاتحاد الأوروبي؟ وهل الأشخاص والسفراء قادرين على إحداث التغيير أم هم فقط أدوات لتنفيذ سياسات ومصالح دولهم في السودان ؟

تَرِكة السفير السَّلف

نحو أربع سنوات قضاها السفير “إيدان أوهارا” سفير الاتحاد الأوروبي المغادر ، ممثلاً لهذه الكتلة القارية المؤثرة، وقد كانت أمامه فرصة ذهبيه أن يقود مع زملائه سفراء الدول الأعضاء قاطرة التحول نحو إرساء السلام والعدالة والديمقراطية في السودان، لكنه بدلاً من ذلك إنخرط – وبعض زملائه – في أنشطة ذات أفق ضيق أسهمت في تخريب الفترة الانتقالية وقادت إلى الحرب التي يعيشها السودان الآن، كما سنرى في هذا التقرير.

في هذا التقرير بحثنا عن السيرة العملية للرجل في ملف العلاقات السودانية الأوروبية في دهاليز وزارة الخارجية السودانية، وفي السفارات الأوروبية متابعة لمانشر عنه، وعن انجازات الاتحاد الأوروبي في فترة توليه منصبه، وتتبعنا أخبار العلاقات الأوروبية السودانية في مختلف المصادر ، وراجعنا البيانات الصادرة وتصريحات القيادات السياسية التى التقى بها هو وطاقمه خلال الأربع سنوات الماضية، وخرجنا بحصيلة مفادها أن الرجل ترك وراءه تَرِكةً ثقيلة ستزيد من عُسر المهمة التي يتولاها خَلَفه.

سفير الإتفاق الاطاري

نستطيع، بكل ثقة، أن نطلق على الدبلوماسى الايرلندي “إيدان أوهارا” لقب “سفير الإتفاق الاطاري” ، فما إن وصل الرجل، ذو الخلفية القانونية والمتخصص في حقوق الإنسان، إلى السودان و قدم أوراق اعتماده في سبتمبر 2022 حتى صب كل عمله الدبلوماسي والسياسي والدعم الأوروبي في دعم الاتفاق الاطاري الذى أوصل السودان إلى نقطة الغليان وإطلاق شرارة الحرب، فقد كان السفير الأوروبي حاضرا في كل الندوات التى نظمتها بعثة فولكر وشارك فيها هو والسفراء الأوروبيين إلى أن حدثت الفتنة الكبري في ندوة الإصلاح الأمني والعسكري حول دمج الدعم السريع ، وتصاعدت الأحداث التى قادت إلى الحرب في أبريل 2023.

من خلال متابعة نشاطه كان واضحاً أن السفير أوهارا يلتقي بتيارات سياسية محدودة مؤيدة للاتفاق الاطاري، وكان يمارس كل أنواع التهميش و العزل لقوى سياسية وعسكرية وأمنية ورسمية ودبلوماسية، ويرفض الالتقاء بها، بل وأهملها وتغافل عن دورها وحجبها عن الالتقاء بالمؤسسات الأوروبية ولم يحاول أن يستمع إلى الرأي والرأي الآخر في السودان.

التغاضي عن المعتدين

لم يكتف السفير أوهارا بالمجاهرة بالانحياز لقوى سياسية معينة، وتشدده لفرض “الحلول” التي تقودها بعثة فولكر على السودان، بل تغاضى عن إدانة واحدة من أوضح الاعتداءات التي قامت بها مليشيا الدعم السريع في اليوم الرابع لاندلاع الحرب، ففي ذلك اليوم، الموافق 18 أبريل هجمت مليشيات الدعم السريع المتمردة على منزل عميد السفراء الأوروبيين والاعتداء عليه شخصياً، لكن هذا الحادث لم يحرك فيه ساكناً، وانتشر وقتها فيديو مصور يشكر فيه دبلوماسي أوروبي قوات الدعم السريع ويصفها بالجيش المنظم والمهني ، وأصدر الإتحاد الأوروبي بياناً مغتضباً تعمد تجاهل تحديد هوية المعتدين على السفير ولم يشر إليهم على أنهم من قوات الدعم السريع !!

مواقف رمادية

إنعكست كل هذه التطورات على كل مواقف الاتحاد الأوروبي تجاه السودان و التي تحولت إلى رمادية، فكل بيانات الإتحاد الأوروبي التى صدرت في عهد السفير إيدان أوهارا مازالت تعرف الحرب في السودان على أنها “حرب بين جنرالين” و “صراع على السلطة ضد القوى المدنية والتحول الديمقراطي”، وأن الاتحاد الأوروبي يقف على مسافة واحدة من كل الأطراف، في حين نجده يركز على تضخيم الكارثة الانسانية و يغض الطرف عن الانتهاكات ضد المدنيين والجرائم التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع والمليشيات و المرتزقة من الدول المجاورة، وحتى بعد أن أعلن تحالف تأسيس عزمه إنشاء حكومة موازية، رفض أوهارا إصدار بيان يدين تهديد وحدة السودان، ورفض على استحياء إدانة جرائم الدعم السريع ربما بسبب معرفته أن الإتحاد الأوروبي مول وسلح هذه القوات بحجة مكافحة الهجرة غير الشرعية!!

سحب الاعتراف

في عهد السفير إيدان أوهارا أغلقت لأول مرة بعثة الاتحاد الأوروبي أبوابها في السودان بعد 40 عاماً من التعاون السياسي والتنموى والإنساني والثقافي والأمني، و تم نقلها إلى بلجيكا و رفض الدبوماسي الايرلندي كل المحاولات لفتح السفارة من بورسودان و حاول الإتحاد الأوروبي جاهداً فتح السفارة في كينيا بضغط مما يسمى بالقوى المدنية، وبرز في هذه الفترة جهود الاتحاد الأوروبي الواضحة في استضافة مؤتمرات باريس وهليسنكي ولندن وبرلين وجنيف في دعم القوى المدنية من خلال استضافة رموز حكومة حمدوك في العواصم الاوربية والبرلمانات و مراكز صنع القرار و تنظيم عدد من المؤتمرات تحت شعار “لم الشمل المدني” في محاولة لدعم السياسيين من قوى الحرية والتغيير لتشكيل جبهة مدنية موحدة تقود المشهد ، ولكن حجم الانقسامات والاختلافات الحزبية والمصالح الشخصية الضيقة أفشلت كل التفاهمات والحوارات وأهدرت ملايين اليوروهات الأوروبية في “دعم التحول الديمقراطي في السودان”. وأبرز ما أفشل هذه المؤتمرات والمحاولات هو إصرار السفراء الاوربيين على تهميش قوى سياسية كبيرة محافظة وأيدلوجية من اليمين واليسار السودانى من المشاركة في هذه المؤتمرات.

نجاحات وزارة الخارجية

على الرغم من هذا الأداء الأوربيي الهزيل ومحاولات نقل السفارات الأوربية إلى كينيا و إثيوبيا لتكون قريبة من “القوى المدنية و حكومة تأسيس وقيادات الدعم السريع” إلا أن جهود وزارة الخارجية السودانية وأصدقاء السودان، والعاقلين في أوروبا نجحت في نقل البعثة لتعمل من القاهرة مؤقتاً، ولتكون أقرب إلى غالب القوى السياسية والمدنية التي يممت شطر الجارة الشمالية باعتبارها الأقرب لفهم الحالة السودانية.

إن المراقب لدور الاتحاد الاوربي في الفترة السابقة يرى حرص وسعى وإصرار السفير ومبعوثة الإتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي والتي تعمل من كينيا على خلق منابر بديلة لجدة وإفشال الجهود الأمريكية والسعودية والمصرية لحل الأزمة السودانية من خلال دعم منابر بديلة للحوار في جنيف وباريس. مع إنه لا يخفى على أي مراقب، أن هذه المنابر عطلت وأخرت تطبيق اتفاق جدة الذى يدعمه الجيش السوداني ومجلس السيادة الانتقالي الممثل الوحيد للشعب السوداني.

سلاح العقوبات

في الأربع سنوات الماضية ركز سفير الاتحاد الأوروبي، وهو ذو خلفية قانونية، على فرض العقوبات الدولية على السودان، وهي الخطوات التي وصفها وزير الخارجية السوداني السابق، علي يوسف، بأنها تعكس فقط عدم رضا الجهات التي تفرضها وتفتقر إلى التأثير الفعلي على الوضع في السودان وأن مثل هذه الإجراءات لا تؤدي إلى تغييرات ملموسة، بل تعكس مواقف سياسية أكثر من كونها أدوات فعالة للتغيير.

التدخل الإنساني

في مايو 2025 منح الإتحاد الأوروبي جائزة لـ”شبكة غرف الاستجابة للطوارئ في السودان”، تقديرًا لما أسماه “جهودهم في تقديم المساعدات الإنسانية والدفاع عن حقوق المدنيين خلال الأزمة”، وظهر سفير الإتحاد الأوروبي إيدان أوهارا وهو يقدم الجائزة، فخلال الأعوام الثلاثة الماضية عمل الإتحاد الأوروبي جاهداً على تضخيم الأزمة الانسانية الموجودة في السودان، وهي أزمة لايمكن إنكارها، لكن هذا الإصرار على الضخيم والتهويل ماهو إلا أحد أدوات ضغط على الجيش السودانى لوقف الحرب وقبول الدعم السريع والجلوس معه للتفاوض.

لقد وقع الاتحاد الأوروبي وما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني التى يمولها ويدعمها ويكرمها، في شرك تسييس الملف الإنساني للوصول إلى مربع “إرسال قوات دولية لحماية المدنيين تحت البند السابع”، لكن موقف الاتحاد الاوروبي غير الأخلاقي مما يحدث في غزة يوضح سياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين واستخدام القانون الإنساني الدولي في فرض الحلول والسياسات الخارجية على الدول.

السياسة المستقبلية

كما جرت العادة، من المرجح أن ترحب وزارة الخارجية بسفير الإتحاد الأوروبي القادم الدبلوماسي الألماني ولفرام فتير، وسيتاح له لقاء المسؤولين في الدولة إبتداءً من وزير الدولة بوزارة الخارجية السفير عمر صديق، وستحاول الوزارة أن تستكشف طبيعة تفويض الدبلوماسي القادم وما في جعبته، وستُظهر الفترة المقبلة، ما إذا الإتحاد الأوروبي يرغب في تعاون مثمر مع الجانب السوداني أو أنه مكبل بقيود السياسة المنحازة لقوى سياسية لا وزن شعبي لها ولا مستقبل لها في حكم السودان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى