قبيل افتتاح سد النهضة… تنسيق عال بين مصر والسودان وإثيوبيا تشيع بلبلة

القاهرة- المحقق- صباح موسى
مع قرب افتتاح سد النهضة رسميا في التاسع من الشهر الجاري، تحاول إثيوبيا التسويق لوجود اتفاقات بين السودان وإثيوبيا بمعزل عن مصر، عن طريق تسريب معلومات تعزز ذلك بالتوازي مع حملات على وسائل التواصل الاجتماعي لمشاركة فنانين سودانيين في حفل الافتتاح.
مصالح البلدين
وعقد وزير الري المصري هاني سويلم، ونظيره السوداني عصمت قرشي عبد الله، اجتماعاً في القاهرة، اليوم الخميس، جرى خلاله التباحث والتوافق في وجهات النظر حول عدد من الموضوعات ذات الصلة بمياه النيل، بما يحافظ على حقوق ومصالح الدولتين، وأكد الوزيران على ضرورة الالتزام التام بقواعد القانون الدولي للمياه فيما يخص سد النهضة،
تهديد للاستقرار
وعقد هذا الاجتماع بعد ساعات من اجتماع رباعي التأم “الأربعاء” بمقر وزارة الخارجية المصرية، بحضور وزيري الخارجية والري في البلدين، حيث تم الاتفاق على ضرورة تأمين الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل، والعمل المشترك للحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة، وفقاً للنظام القانوني الحاكم لنهر النيل، وفي إطار مبدأ مجتمع المصالح المشتركة والمساواة في الحقوق، طبقاً للقانون الدولي واتفاقية عام 1959 المبرمة بين البلدين، واتفق الطرفان على أن السد الإثيوبي يترتب عنه آثار جسيمة على دولتي المصب، ويمثل تهديداً مستمراً لاستقرار الوضع في حوض النيل الشرقي طبقاً للقانون الدولي، لاسيما ما يتعلق بالمخاطر المترتبة على الخطوات الأحادية الإثيوبية لملء وتشغيل السد، والمتعلقة بأمانه، والتصريفات المائية غير المنضبطة، ومواجهة حالات الجفاف، مطالبين أديس أبابا بتعديل سياستها في حوض النيل الشرقي لاستعادة التعاون بين دول الحوض.
وثيقة مسربة
وبالتزامن مع الاجتماعات المصرية السودانية بالقاهرة، نشرت “الجزيرة نت” اليوم الخميس تقريرا كشفت فيه عن وثيقة مسربة تم توقيعها بين السودان وإثيوبيا في السادس والعشرين من أكتوبر عام 2022 بالخرطوم، بين كل من سليشي بقلي ممثلا عن إثيوبيا، وسيف الدين حمد عبد الله عن السودان بصفتهما رئيسي الوفدين، وأن وزير الري والمياه الإثيوبي هابتامو إيتيفا والمهندس ضو البيت عبد الرحمن منصور وزير الري والموارد المائية السوداني صادق عليها.
تبادل المعلومات
وتضمنت الاتفاقية – وفق ماتم إعلانه- التزام إثيوبيا بإتمام ملء السد بشكل تدريجي خلال موسم الأمطار من كل عام في يوليو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر، حتى يصل منسوب ارتفاع المياه إلي 625 مترا فوق سطح البحر، مع تقليص حجم التخزين في حال حدوث جفاف، وسبق بنود الاتفاقية ديباجية مطولة أكدت أن سلامة وتشغيل سد النهضة وسد الروصيرص مترابطان، ويستوجبان تنسيقا وثيقا وعملا مشتركا للتعامل مع الظروف الطبيعية وحالات الطوارئ، وأشارت الاتفاقية إلى أن الهدف من اجتماعات البلدين هو تبادل المعلومات وتعزيز الفهم المشترك حول إدارة الموارد المائية العابرة للحدود، بما يسهم في تحسين إدارة البنية التحتية المائية في حوض النيل بين إثيوبيا والسودان.
احداث بلبلة
ونشر هذا التسريب بعد ساعات من الاجتماعات الرباعية في القاهرة بين وزيري الخارجية والري في مصر والسودان، وبدا كأنها محاولة للتشويش على أي تنسيق واتفاقيات بين هذين البلدين حول سد النهضة، علاوة على إحداث بلبلة حول هذا التنسيق بين دولتي المصب، واظهار أن السودان لديه اتفاقات سرية مع الجانب الإثيوبي، فما هو هدف تسريب مثل هذه الوثيقة، التي زعم التقرير أنها وقعت بين الجانبين في عام 2022 أي قبل نحو ثلاث سنوات، وذكر التقرير أن سيف الدين حمد وقع الوثيقة عن الجانب السوداني باعتباره رئيسا لوفد التفاوض، على الرغم من أن حمد ترك رئاسة وفد السودان للتفاوض منذ زمن النظام السابق في السودان.
منسقة ومتسقة
كما ذكر التقرير أن وزير الموارد المائية والري السابق ضو البيت عبد الرحمن هو من صادق على هذه الإتفاقية، ولم يفهم ماذا يعني تصديق وزير على إتفاقية، وهل هذا يعني وجوب تنفيذها وعلى أنها سارية، رغم أن التصديق على الاتفاقيات من مهام المجلس التشريعي الذي لم يتم تكوينه في السودان حتى اللحظة، وتم تعديل الوثيقة الدستورية نفسها في البلاد.
حاولنا الاتصال بـ “ضو البيت” للاستفسار حول تصديقه على هذه الوثيقة، ولم نتمكن من أخذ رد من الوزير السابق، إلا أن رد الوزير في تصريح سابق لـ “المحقق” حول تأكيد الرئيس السيسي في منتصف يوليو الماضي على ثقة مصر في قدرة ترامب على حل المشاكل المعقدة وإرساء السلام والاستقرار في المنطقة، وتقدير مصر حرص ترامب على التوصل لاتفاق عادل يحفظ مصالح الجميع حول سد النهضة وتأكيده على ما يمثله النيل لمصر كمصدر للحياة.
وكان تعليق ضو البيت أن رد الرئيس السيسي على حديث ترامب عن سد النهضة بأنه لا يوجد رد أبلغ من رد الرئيس المصري، مؤكدا أن مواقف السودان منسقة ومتسقة تماما مع فريق التفاوض المصري فيما يخدم مصلحة البلدين في سد النهضة.
لا ضرر ولا ضرار
على أية حال لو افترضنا أن السودان وقع مع إثيوبيا مثل هكذا وثيقة، فإن كل ما جاء فيها من تبادل للمعلومات والتنسيق مع السودان لم يحدث بالفعل على أرض الواقع، وارتباك السدود السودانية وعلى رأسها سد الروصيرص القريب من سد النهضة وحدوث الفيضانات المدمرة مع تفريغ سد النهضة في السنوات الأخيرة، يؤكد أن أديس أبابا كعادتها لا تلتزم بأي عهود ومواثيق، ولا يوجد اتفاق قانوني يلزمها على عدم الاضرار بمصالح مصر والسودان، ولم تلتفت إثيوبيا إلى مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”، ولا يعنيها تأكيد دولتي المصب على أنهما ليسا ضد إقامة أي مشروعات تنموية في إثيوبيا شريطة ألا يضر ذلك بمصالح مصر والسودان، فما الذي يضير إثيوبيا من توقيع اتفاقيات ملزمة بذلك والتنسيق بين الأطراف الثلاثة لعدم وقوع أي ضرر على دولتي المصب.
افتتاح السد
وكان رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد دعا كل من مصر والسودان لحضور افتتاح سد النهضة، مؤكدا أن السد لا يشكل تهديدا لمصر والسودان، بل أنه فرصة للتعاون الإقليمي وتحقيق المنفعة المتبادلة. فيما وصف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي دعوة أديس أبابا لحضور حفل افتتاح السد بـ “العبث”، مؤكدا حق مصر في الدفاع عن مصالحها المائية، وقال إن 13 عاما من التفاوض مع إثيوبيا أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنه لم تكن هناك إرادة سياسية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم.
أولوية السودان
وحول الوثيقة المسربة استبعد الخبير الدولي ومستشار وزارة الري السوداني السابق الدكتور أحمد المفتي توقيع السودان عليها.
وقال المفتي لـ “المحقق” لا علم لي بهذه الوثيقة، ولكني استبعد التوقيع عليها، مضيفا إن السودان أولويته سلامة سدوده، لذلك لا يتحدث إلا عن الملء والتشغيل، مؤكدا أن الأولوية في السودان هي لحياة الإنسان، وقال إن تبادل المعلومات مهمة لسلامة السدود، لكنها ليست للانسان في السودان، وتساءل بالقول: ماذا يفيد المواطن إن أوصلت إثيوبيا معلومة للسودان بأن السد سوف ينهار غدا لاثبات أنها لا تتصرف تصرفات آحادية، مؤكدا أن العبرة بتوافق إثيوبيا مع السودان ومصر وليس السودان وحده.
لا توجد
كما استبعد الخبير الأمني والاستراتيجي السوداني الدكتور أمين اسماعيل مجذوب وجود اتفاقية بهذا المعنى. وقال مجذوب لـ “المحقق” قد تكون هناك مشاورات حول ذلك، لكني لا أعتقد وجود وثيقة حكومية بين السودان وإثيوبيا، موضحا أن هناك تنسيق كبير بين مصر والسودان حول سد النهضة منذ عام 2017، مؤكدا أن إثيوبيا تريد احداث بلبلة قبل افتتاح سدها.
تطابق كبير
من جهته أوضح الخبير المصري في الموارد المائية الدكتور عباس شراقي أن الإجتماعات بين المسؤولين في مصر والسودان تعكس دائما التوافق والتنسيق الكبير بين البلدين حول سد النهضة.
وقال شراقي لـ “المحقق” إن مصر والسودان بينهما تطابق كبير في الرؤى حول هذا الملف، مضيفا أن دولتي المصب رفضا الدعوة لحضور افتتاح السد، بالإضافة إلى خطاباتهم لمجلس الأمن برفضهم لما تتخذه إثيوبيا من خطوات أحادية بما يؤكد تطابق المواقف، مؤكدا أن أديس أبابا تريد أن تحدث فرقة بين دولتي المصب، وقال إنه لا يوجد إتفاق ثنائي بين السودان وإثيوبيا، مضيفا أن إثيوبيا في بعض السنوات كانت تعلن أنها ستفتح بوابات سد النهضة قبلها بيوم واحد، وأن السودان يحتاج إلى أسبوع حتى يستطيع توفيق أوضاع سد الروصيرص، مبينا أن هذا لا يعتبر تبادلا للمعلومات، وقال إن مصر والسودان يحتاجان إلى رسم سياسة أولا حول طريقة التشغيل وأن يكونوا على علم قبل التنفيذ بفترة كافية، مؤكدا عدم رفض دولتي المصب لسد النهضة، وقال لكننا نرفضه بهذه الصورة التي تفرضها إثيوبيا دون إتفاق قانوني ملزم.



