تقصي الحقائق الدولية تنشر تقريرها وتفاصيل حول جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها مليشيا الدعم السريع

جنيف – المحقق – محمد عثمان آدم
نشرت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان اليوم (الجمعة) تقريرها المبدئي والذي يتكون من 18 صفحة تلخص ما توصلت إليه من نتائج منذ تكوينها في أكتوبر 2023. كما نشرت بيانًا صحفيًا ملخصًا للتقرير.
بنظرة سريعة على البيان، الذي لا يلخص التقرير فحسب، بل يستشهد أيضًا بتعليقات أعضاء اللجنة، يتبين أنه ذكر ميليشيات قوات الدعم السريع ست مرات فيما يتعلق بالجرائم والفظائع والهجمات والقتل والاعتقال والاغتصاب وجميع انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في الفاشر، وقبلها في عديد المناطق وانفردت بذلك.
وخصص التقرير 7 فقرات كاملة ومنفردة بجرائم وفظائع يقول إن قوات الدعم السريع والمليشيا المتحالفة معها ارتكبنها وخصص فقرة واحدة لجرائم حرب في مناطق الكنابي في الجزيرة بعد استعادتها من المليشيا. وفي حالات الاغتصاب فرّق البيان بين الأفعال “الفردية” من أفراد من الجيش والأفعال “الجماعية” الراتبة “لقوات” الدعم السريع.
وأيضا بنظرة سريعة على البيان، يتبين أنه ذكر القوات المسلحة السودانية ست مرات، ولم يتعلق أي منها بجرائم ضد الإنسانية أو اغتصاب أو اختطاف، وجميعها مشتركة بين الطرفين وتتعلق بما يقول إنها جرائم الحرب، والتي تتعلق بقصف المناطق التي يُحتجز فيها المدنيون، واحتجاز المتعاونين مع الميليشيات ومنعهم من الوصول إلى الاتصالات القانونية والعائلية والبيروقراطية.
وجاء في مقدمة التقرير ملخص من أربع فقرات يمكن إجمالها في الاتي:
1- يوثق الهجمات على المدنيين والأهداف الأساسية اللازمة لبقائهم في السودان -إشارة للمستشفيات وقوافل الإغاثة والسكن والمياه والكهرباء.. الخ
2- خلص إلى أن طرفي النزاع انتهكا القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وأن معظم هذه الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب-الاعتقالات- القصف الجوي …الخ
3- قد يشكل سلوك قوات الدعم السريع أيضًا جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة و القتل الممنهج على أساس العرق والقبيلة والنوع الاغتصاب لأجل الاضطهاد وكوسيلة ازلال أثناء القتال.. الخ
4- يدعو التقرير إلى المساءلة ويضع خارطة طريق للعدالة.
وجاء التقرير تحت عنوان: “حرب الفظائع: استهداف المدنيين في السودان عمدًا”، حيث أفادت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بوقوع جرائم دولية واسعة النطاق، ونشرت اللجنة بيانًا صحفيًا يلخص النقاط الرئيسية في التقرير المفصل.
وأكد البيان، الصادر اليوم (الجمعة)، أن القوات المتناحرة في السودان تستهدف عمدًا السكان المدنيين في البلاد المنكوبة، وترتكب فظائع، بما في ذلك جرائم حرب على نطاق واسع، وفقًا لما ذكرته البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان في أحدث تقرير لها.
وقال البيان “وقد ترقى بعض الأفعال أيضًا إلى جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة.” وهذه الفقرة وصف بها ما ارتكبته قوات الدعم السريع.
خلص التقريرٌ الذي قُدِّم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بعنوان “حربٌ من الفظائع”، إلى أن كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع كانتا مسؤولتين ليس فقط عن هجماتٍ مباشرةٍ وواسعة النطاق ضد المدنيين، بل أيضاً عن تدميرٍ واسع النطاق للبنية التحتية الأساسية للبقاء على قيد الحياة، بما في ذلك المراكز الطبية والأسواق وشبكات الغذاء والمياه ومخيمات النزوح.
“كما خلص التقرير إلى أن قوات الدعم السريع، خلال حصار الفاشر والمناطق المحيطة بها، ارتكبت جرائمَ لا تُحصى ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل والتعذيب والاستعباد والاغتصاب والاستعباد الجنسي والعنف الجنسي والتهجير القسري والاضطهاد على أسسٍ عرقيةٍ وجنسانيةٍ وسياسية. واستخدمت قوات الدعم السريع وحلفاؤها التجويع أسلوباً للحرب، وحرمت المدنيين من المواد الأساسية لبقائهم على قيد الحياة، بما في ذلك الغذاء والدواء وإمدادات الإغاثة – وهو ما قد يرقى إلى جريمة الإبادة ضد الإنسانية.”
وقال محمد شاندي عثمان، رئيس بعثة تقصي الحقائق: “لا تدع نتائجنا مجالاً للشك: المدنيون يدفعون الثمن الأغلى في هذه الحرب”. استهدف كلا الجانبين المدنيين عمدًا من خلال الهجمات والإعدامات الميدانية والاعتقال التعسفي والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية في مرافق الاحتجاز، بما في ذلك الحرمان من الطعام وخدمات الصرف الصحي والرعاية الطبية. هذه ليست مآسي عرضية، بل استراتيجيات متعمدة ترقى إلى جرائم حرب.
كما ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك عمليات قتل واسعة النطاق، وعنف جنسي وعنف قائم على النوع الاجتماعي، ونهب، وتدمير سبل العيش – والتي وصلت أحيانًا إلى حد الاضطهاد والإبادة.
يُستهدف المدنيون بناءً على انتمائهم المفترض للطرف الآخر.
وفي الفاشر والمناطق المحيطة بها، نفذت قوات الدعم السريع وحلفاؤها عمليات قتل واسعة النطاق لمئات المدنيين، ووجهت هجمات متعمدة ضد المجتمعات غير العربية، بما في ذلك الزغاوة والفور والمساليت والتنجر، وشردت السكان قسرًا.
وفي مخيم زمزم في أبريل، قُتل ما بين 300 و1500 مدني – معظمهم من النساء والأطفال.
في الجزيرة، استهدفت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها منطقة الكنابي بعد استعادتها المدينة في يناير، مما أسفر عن مقتل العشرات وإجبار معظم السكان على الفرار.
وحمل البيان الطرفين في الفشل لاتخاذ تدابير كافية للحد من تأثير الغارات الجوية والمدفعية على المدنيين والبنية التحتية المدنية. ونتيجة لذلك، دُمرت البلدات والقرى ومخيمات النزوح والأسواق والمستشفيات والمنازل بشكل ممنهج أو أصبحت غير صالحة للسكن، مما أدى إلى نزوح 12.1 مليون شخص، وتعرض أكثر من نصف سكان البلاد لانعدام حاد في الأمن الغذائي. ولم يبقَ سوى مرفق صحي واحد من كل أربعة مرافق يعمل في المناطق الأكثر تضررًا.
عُرقلت المساعدات الإنسانية، وتعرضت القوافل للهجوم، واستُهدف عمال الإغاثة. بين أبريل 2023 وأبريل 2025، قُتل أكثر من 84 عاملًا إنسانيًا سودانيًا، بينما اعتُقل آخرون تعسفيًا.
وخلص التقرير إلى أن كلا الجانبين اعتقلا المدنيين واحتجزاهم وعذباهم تعسفيًا بسبب عرق الضحايا، أو آراؤهم السياسية، أو مهنتهم، أو تعاونهم المزعوم مع الطرف المعارض.
وكثيراً ما احتُجز المعتقلون دون الحصول على طعام كافٍ، أو صرف صحي، أو رعاية طبية. ووصف الناجون مراكز احتجاز قوات الدعم السريع بأنها “مسالخ”، حيث تعرض المعتقلون في بعض الحالات للضرب حتى الموت والإعدام بإجراءات موجزة. وتعرض بعضهم للعمل القسري أو الاحتجاز مقابل فدية، وأُجبرت عائلاتهم على دفع ثمن إطلاق سراحهم.
وارتكب مقاتلو قوات الدعم السريع أعمال عنف جنسي وجنساني، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والزواج القسري والاستعباد الجنسي. واستُهدفت النساء والفتيات من المجتمعات غير العربية، وبعضهن لا تتجاوز أعمارهن 12 عاماً، بشكل خاص.
وقالت جوي نغوزي إيزيلو، العضوة الخبيرة في بعثة تقصي الحقائق: “وراء كل قصة موثقة عائلة مُمزقة، ومجتمع نازح، وناجٍ من عنف لا يُصدق”. لقد أجرينا مقابلات مع العديد من المدنيين الذين عانوا من صدمات نفسية بالغة، وعانوا أو شهدوا أعمال قتل وتجويع وعنف جنسي وتعذيب وتدمير للخدمات الأساسية. لقد شجعت دوامة الإفلات من العقاب الجناة على مدى عقود. يستحق الضحايا – وخاصة النساء والأطفال، الذين يتحملون العبء الأكبر – العدالة والتعويضات.
وحدد التقرير الخطوات اللازمة للمساءلة، مؤكدًا أن العدالة والحماية لا يمكن أن تنتظرا حتى التوصل إلى اتفاق سلام.
واتهم البيان المؤسسات المحلية السودانية بأنها غير راغبة وغير قادرة على إجراء تحقيقات موثوقة حقًا. وبدلاً من ذلك، فإنها تُديم العدالة الانتقائية، وتحمي الجناة من خلال الحصانات والعفو، وتواصل حرمان الناجين من أي أمل حقيقي في الإنصاف.
وقالت الخبيرة العضو منى رشماوي: “لا يكشف تقريرنا الفظائع فحسب، بل يضع أيضًا خارطة طريق للعدالة”. يجب على المجتمع الدولي التحرك فورًا لتطبيق حظر الأسلحة، ودعم العدالة من خلال دعم المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آلية قضائية مستقلة للسودان، واستخدام الولاية القضائية العالمية لمحاسبة الجناة، وضمان مواجهة مرتكبي الفظائع للعواقب، بما في ذلك فرض عقوبات محددة الهدف.
وقالت رشماوي: “كل يوم من التقاعس يُعرّض الشعب السوداني للهجوم – حياته ومجتمعاته وبقاؤه في خطر”. وأضافت: “المساءلة ليست خيارًا – إنها ضرورة قانونية وأخلاقية لحماية المدنيين ومنع وقوع المزيد من الفظائع”.
ودعت بعثة تقصي الحقائق المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات محددة الهدف على الأفراد والكيانات المسؤولة عن الجرائم الدولية. كما حثت على اتخاذ إجراءات سريعة ومنسقة لوقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، ورفع الحصار، ووقف الاستهداف العرقي والعنف الجنسي والجنساني.
وحثت جميع الدول، ولا سيما تلك التي لها تأثير على الأطراف، على الالتزام بحظر الأسلحة والامتناع عن تقديم الدعم المادي لهم، وزيادة المساعدات الإنسانية.
تجدر الإشارة إلى أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنشأ البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان في أكتوبر 2023 بموجب القرار A/HRC/RES/54/2، ومُددت ولايتها حتى أكتوبر 2025 بموجب القرار A/HRC/RES/57/2. وتتمثل مهمتها الرئيسية في “التحقيق في جميع انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة وتجاوزاتها وانتهاكات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك تلك المرتكبة ضد اللاجئين، والجرائم ذات الصلة في سياق النزاع المسلح الدائر الذي بدأ في 15 أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى أطراف متحاربة أخرى، وتحديد وقائعها وملابساتها وأسبابها الجذرية، بما في ذلك تلك المرتكبة ضد اللاجئين، والجرائم ذات الصلة في سياق النزاع المسلح الدائر الذي بدأ في 15 أبريل 2023”.
عُيّن أعضاء بعثة تقصي الحقائق من قِبل رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ وهم ليسوا موظفين في الأمم المتحدة ولا يتقاضون رواتبًا مقابل عملهم. وبينما يُقدّم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الدعم لبعثة تقصي الحقائق، فإنّ الأعضاء يعملون بصفتهم الشخصية، وهم مستقلون عن أيّ حكومة أو منظمة، بما في ذلك الأمم المتحدة.
ورغم ان، الأمم المتحدة أكّدت على أنّ “أيّ آراء أو وجهات نظر مُقدّمة هنا هي آراء الأعضاء المُكلّفين فقط” إلا أنه من المعلوم أن آراء الخبراء تشكل الأساس لأي إجراء مستقبلي.



