تقارير

تأخير استكمال تغيير العملة في السودان: تحديات اقتصادية وآثار سلبية

 

المحقق – نازك شمام
مرت عشرة أشهر على بدء تنفيذ الحكومة السودانية لعملية تغيير العملة، بهدف امتصاص العملات المزورة التي انتشرت خلال الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع على الجيش والمواطنين السودانيين. ومع ذلك، اقتصرت هذه العملية على ثماني ولايات فقط من أصل ثماني عشرة ولاية، مما أثار العديد من التساؤلات حول النتائج المرجوة منها وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية على مختلف المناطق.

ففي العاشر من ديسمبر العام الماضي، بدأت الحكومة السودانية عملية استبدال الأوراق النقدية من فئتي 500 جنيه وألف جنيه في بعض الولايات الآمنة، وهي ولايات البحر الأحمر، كسلا، القضارف، نهر النيل، الشمالية، سنار، النيل الأبيض، وإقليم النيل الأزرق. وقالت إن هذه الخطوة تهدف إلى امتصاص العملات المزورة التي انتشرت خلال الحرب. ومع ذلك، لم تشمل العملية جميع الولايات، مما أثار تساؤلات حول الآثار الناجمة عن تأخر عملية تغيير العملة في الولايات الأخرى، خاصة ولايتي الخرطوم والجزيرة.

*حماية العملة الوطنية*
وكان بنك السودان قد أعلن أن عملية تغيير العملة تهدف إلى حماية العملة الوطنية وتحقيق استقرار في سعر صرفها، ومواجهة الآثار السلبية للحرب الدائرة في البلاد. وقد أتت هذه الخطوة بعد عمليات نهب واسعة النطاق تعرضت لها مقار بنك السودان وشركة مطابع السودان للعملة في الخرطوم على أيدي مليشيا الدعم السريع المتمردة.

و يقول البنك المركزي أنه يهدف من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز استقرار النظام المالي وحماية الاقتصاد الوطني من التداعيات السلبية الناجمة عن الحرب.

*غير مبرئة للذمة*
بعد مرور عام على عملية تغيير العملة في السودان، لا تزال عشر ولايات تستخدم الفئات القديمة من العملة التي لم تخضع لعملية الاستبدال. هذه الفئات أصبحت غير مبرئة للذمة في الولايات التي تمت فيها عملية التغيير، مما يطرح تحديات كبيرة أمام المواطنين والاقتصاد السوداني.

مصدر ببنك السودان المركزي اكد على أن عملية تغيير العملة ستشمل كافة الولايات.
وقال المصدر لٰـ”المحقق” خلال الفترة القادمة سيبدأ بنك السودان في الولايات التي لم تشملها عملية التغيير.
إلا أن المصدر لم يحدد المواعيد التي ستبدأ فيها الولايات عملية التغيير.
وأرجع التأخير لوجود أسباب أمنية في بعض الولايات خاصة ولايات الغرب.

*تشوهات جديدة*
يرى الخبير الاقتصادي أحمد بن عمر أن التأخر لمدة عشرة أشهر في تغيير العملة في بعض المناطق، خاصة الجزيرة والخرطوم، أدى إلى خلق سوقين نقديين داخل البلد، مما نتج عنه ازدواجية في وحدة الحساب وفتح الباب أمام تشوهات جديدة في الاقتصاد.

وقال ابن عمر في تصريح لـ”المحقق”: إن هذا التأخير أنتج عددًا من الآثار السالبة، بما في ذلك توسع نشاط الاستبدال، وعدم توفر السيولة، ومخاطر التزوير وتدوير العملات التالفة أو المسروقة. وأشار إلى أن هذه الأوضاع أدت إلى ضعف الثقة بين المواطنين في السياسات النقدية، خاصة مع وجود كتلة نقدية كبيرة خارج النظام المصرفي.

عزا ابن عمر التأخير في تغيير العملة إلى الصراع السياسي والعسكري الذي شهدته البلاد، خاصة بعد استرداد الجيش للخرطوم والجزيرة.
وأشار إلى أن الدمار الذي لحق بالقطاع المصرفي في الخرطوم، والتي تضم 46% من عدد الفروع المصرفية العاملة في السودان، يحتاج إلى تهيئة كبيرة لعملية الاستبدال.

أوضح ابن عمر أن اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، برئاسة عضو مجلس السيادة الفريق ركن إبراهيم جابر، تعمل على تهيئة البيئة المصرفية، وقد بدأت بعض المصارف العمل من داخل الولاية.
وأكد أن عملية تغيير العملة تتطلب تأمين النقل والتوزيع والمناطق المستقرة أمنيًا، بالإضافة إلى إعادة تأهيل وإعمار المصارف نفسها.

*امتصاص العملة القديمة*
وقال الخبير الاقتصادي إن الحكومة تحتاج إلى امتصاص النقود القديمة في بعض الولايات كمصدر تمويل لرفع الاحتياطات قبل التوسع في عملية الاستبدال إلى الولايات الأخرى مثل الخرطوم والجزيرة.

ولفت إلى أن عملية الاستبدال يمكن أن تساهم في تعبئة الودائع المصرفية، ولكنها تتطلب تهيئة كاملة للخرطوم لتصبح مدينة تعيد جزءًا من نشاطها الاقتصادي.

وخلص ابن عمر إلى أن عملية تغيير العملة تظل معلقة حتى تكتمل عملية تهيئة الخرطوم لتصبح مدينة تعيد جزءًا من نشاطها.

*تدهور قيمة الجنيه*
من جهته، حذر الخبير المصرفي د. عمر محجوب الحسين من التأثيرات السلبية لتأخير تغيير العملة في بعض الولايات السودانية، خاصة الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان.
وقال الحسين في تصريح لـ”المحقق”: إن تغيير العملة يتطلب استقرارًا ماليًا وسياسة مالية سليمة. وأوضح أن انتشار الفئات النقدية مجهولة المصدر، خاصة فئة 500 و1000 جنيه، أدى إلى زيادة الكتلة النقدية وتأثيرات سلبية على مستويات الأسعار.
وأكد أن تأخير تغيير العملة في هذه الولايات سيؤدي إلى استمرار ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية. ونبه إلى أن وجود كتلة نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي في هذه المناطق يعقد الوضع الاقتصادي ويؤثر على قدرة الحكومة في تنفيذ سياساتها النقدية. وأضاف أن استمرار الكتلة النقدية في الزيادة بسبب العملات المزورة سيزيد من تعقيدات الوضع الاقتصادي.

*معوقات لوجستية*
إلى ذلك، أكد المحلل الاقتصادي، د. هيثم محمد فتحي أن عمليات تغيير العملة لم تتم في بعض الولايات لوجود معوقات لوجستية، وما تعانيه البلاد من ظروف صحية تحيط بولاية الخرطوم وانتشار الأوبئة والأمراض.

وأشار فتحي إلى أن أغلب الولايات التي لم يتم فيها عملية تغيير العملة تتعامل بعملات غير الجنية السوداني، دولار أميركي او عملات دول الجوار خاصة أن هذه الولايات أصلا هي خارج منظومة اقتصاد البلاد.

وبرر في حديثه لــ”المحقق” عدم تغيير العملة بولاية الخرطوم بأنها أخر الولايات التي حررت من أيدي مليشيا الدعم السريع
وأوضح أن الخرطوم كعاصمة تتطلب وجود آليات جديدة لتغيير العملة لامتصاص الكتلة النقدية من الفئات النقدية والحجز عليها ومن ثم ضخ العملات الجديدة في الأسواق.

وقال فتحي إن قرار تغيير العملة يُعد قراراً سياسياً يتطلب توفير مئات الملايين من الدولارات.

*مكافحة التزوير*
ولفت إلى أن العملية معقدة فنيًا وإداريًا خاصة في ظل الأوضاع الراهنة منها السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها البلاد لذا فإن الوقت الذي استغرقته ليس طويلاً في ظل ظروف البلاد الأمنية والاقتصادية.

وأوضح فتحي أن القرار كان ضروري وحتمي في ظل ظروف السودان، للقضاء على التزوير والحد من السيولة المتاحة في أيدي المضاربين.
وقال إن الهدف من العملية استعادة التوازن الاقتصادي وإدخال الأموال إلى الدورة النقدية الصحيحة.

وأضاف فتحي: “تغيير العملة يتطلب آليات مصاحبة من أجل تخفيض عرض النقود في الاقتصاد ومكافحة التزوير. وشدد على ضرورة تفعيل الدفع والسداد الإلكتروني بخصوص شراء السلع والخدمات فضلا عن وضع ضوابط استخدامات النقد الأجنبي.
وطالب الخبير الاقتصادي بزيادة كمية الأوراق النقدية من العملة المحلية المتداولة الجديدة لتعويض الخسارة التي حدثت في القوة الشرائية للمستهلكين خشية حدوث ركود اقتصادي.

ونبه د. هيثم محمد فتحي إلى أن عمليات النهب والسرقة التي حدثت في بداية الحرب في ولايات الخرطوم وسنار والجزيرة أدت إلى انتشار كميات كبيرة من العملات مجهولة المصدر وغير المطابقة للمواصفات الفنية للعملة السودانية، بالإضافة إلى انتشار العملات المزيفة والمزورة. وأدى هذا الوضع إلى زيادة كبيرة في مستوى السيولة النقدية، مما أثر سلبًا على استقرار المستوى العام للأسعار في البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى