ثقافية

الثقافة الإنتقالية: كيف يمكننا فتح “نفاج” فكري يهدم الجدار بين الثقافة والسياسة ؟

الموسيقار عاصم الطيب  قرشي

ربما يتفق الكثيرون في أن جذور مشاكل السودان ثقافية. بيد أن الصراعات السياسية فاقمتها و اختلطت الأوراق فزادت الضبابية. لابد من مواصلة المد الثقافي لفتح نفاج فكري إبداعي يهدم الجدار العازل بين الثقافة و السياسة بتصميم يليق بدوره.

المشروع الثقافي.. قيادة المرحلة الإنتقالية:

لابد أن تتصدر الثقافة المشهد في وطن  تصارع فيه السياسيون و العسكر و تقاعسوا عن الحفاظ على وحدته. إن تقدم الثقافة و الفنون لقيادة التغيير الديمقراطي من صميم أولويات التغيير الإيجابي. ذلك لأن الثقافة و الفنون هما المعنيان بالوعي الجماهيري و التنوير، حيث لا ديمقراطية بدون شعب ديمقراطي و لا شعب ديمقراطي بلا وعي. لذلك وجب على المثقفين و المبدعين قيادة المرحلة تكليفاً ببرامج توازن بين كفتي الوحدة القومية الوطنية و التنوع الإثني الثقافي.

مساهمة الثقافة الإنتقالية:-

لكي يتسنى لنا الدخول لمرحلة ثورية وطنية من أوسع الأبواب، لابد أن تكون مساهمات المثقف و المبدع في إدارة الفترة الإنتقالية مؤتلفة في وحدة موضوعها الرامي إلى السلم الإجتماعي و مختلفة نوعياً في أطروحاتها من خلال تنوع الفنون و تنوع المجتمع.

قد يسوقنا هذا السياق إلى إقتراح رؤية ثقافية لوزارة الثقافة تقوم على أساس بيوت خبرة طوعية تساهم في  مشروعات الوعي الآتية:-

1/ مشروع الوعي الآيديولوجي:

حتى يقوم السودان الجديد على دعائم إنسانية عامة و سودانوية خاصة لابد أن نبني وعينا و طريقة تفكيرنا على رؤية آيديولوجية إنسانية المضمون و سودانية الملامح.

فماهي الآيديولوجيا؟ كيف يفكر غالب الشعب السوداني و ما هي القواسم المشتركة في طريقة التفكير السوداني؟ هذه الأسئلة تجيب عليها الفنون من خلال خطاب إبداعي تتكامل فيه الدراما و التشكيل و القصة و الشعر و الموسيقى.

2/ مشروع الوعي الدستوري:-

هنا تساهم الثقافة الإنتقالية في دعم العدالة الإنتقالية، فالوعي الدستوري هو حجر زاوية تصميم و بناء الدستور السوداني الدائم. ذلك لأن الدستور هو العقد الأساسي الذي نتعاهد من خلاله على التعايش السلمي و نحقق بموجبه  العدالة التي تحقق السلام لنحلق في فضاءات حرية مشروطة بالقانون. فماذا تعني لنا كلمة الدستور؟ و ما هي أهميته و كيف نشارك و نتوافق على عقد إجتماعي مفهوم و مهضوم للمجتمع يقودنا جميعا لدولة القانون و النظام في وطن عمت فيه الفوضى؟

تلك أسئلة أخرى تجيب عليها الفنون.

3/ مشروع الوعي المؤسسي:-

إذا كان الدستور أساس دولة القانون فالرؤية المؤسسية  تؤسس و تقنن العمل الجماعي. بموجب هذه الرؤية ينصب دور المبدعين في التنمية البشرية للحث على العمل الجماعي كأساس الفكرة المؤسسية و دولة المؤسسات.

4/ مشروع السلم الإجتماعي:-

كل المشروعات السابقة هدفها رفاهية المجتمع و لن تكون هذه الرفاهية إلا بتعزيز السلام المجتمعي. عبر الفنون التقليدية و الإبداعية و الإحتفاء بوحدتنا؛ عبر مصالحة إجتماعية و خرطة زمنية إحتفالية مرسومة على طول الفترة الإنتقالية؛ عبر مهرجانات تقام في كل الولايات حتى يتعارف الشعب السوداني من خلال منتوجه الثقافي.

5/ مشروع الوعي التنموي:-

إن أساس التنمية الإقتصادية هو التنمية البشرية من خلال الرسائل التحفيزية للعمل و الارشادية في الأعمال الإنتاجية و الخدمية.

لتنمية الفرد و المجتمع و تنمية إقتصادية أساسها الزراعة و الصناعات التحويلية.

المخرجات الإفتراضية تتمثل في تعبئة المجتمع للعمل و التنوير  بالبرامج التنموية.

6/ مشروع الوعي الإقتصادي:-

ما زال مفهوم بعض المفردات الأساسية في حياة الإنسان السوداني البسيط غائبة عن ذهن المواطن البسيط رغم أهميتها. لذلك، ما زلنا ندور في فلك الإقتصاد الريعي بدلا عن الإنتاجي. فما هو الإقتصاد و ما هي تحديات المستقبل الإقتصادية و كيف نؤسس لاقتصاد سوداني يبدأ من الأسر المنتجة عبر ثقافة الفلاحة و الصناعة المدرسية و المنزلية؟

المخرجات الإفتراضية لدور الفنون و الثقافة تتمثل في المساهمة برؤى تعزز فكرة الانتاج للإكتفاء الذاتي ثم التصدير و تنتهي باعادة تقسيم ثروات البلاد على نحو تتحقق فيه العدالة من خلال مجانية خدمات التعليم و الصحة و الماء و الكهرباء.

7/ مشروع الوعي السياسي:

ماذا تعني السياسة في كل السياقات و كيف نخرج بوعي سياسي ثوري يقنن علاقة السلطة بالمجتمع؟ كيف تتأسس الأحزاب السياسية بدءاً من آيدولوجيا الحزب التي تعكس المرتكزات الأساسية لرؤيته الفكرية بما في ذلك رؤيته في الدين كعنصر أساسي في الثقافة السودانية ثم كيف تترجم الآيديولوجيا في إدارة الصراعات الإجتماعية بين المركز و الهامش، الثقافات الأفريقية و العربية، العسكر و المدنيين، الإدارة الأهلية و الحكومية، السياسات المحلية و العلاقات الدولية؟

المخرجات الإفتراضية تتمثل في الخروج بخرطة سياسية واضحة المعالم لكل القضايا السودانية المتعلقة بسياسات الدولة الداخلية و الخارجية.

8/ مشروع الوعي الديمقراطي:

الوعي الديمقراطي إمتداد للوعي السياسي، حيث يشمل التوعية بالمعنى الكبير لحكم الشعب. ماهي الديمقراطية، ما هي أهميتها و أنواعها، و ما هي أنسب انواع الممارسة الديمقراطية لطبيعة المجتمع السوداني؟ المخرجات الإفتراضية تتمثل في الإتفاق حول نوع الممارسة  الديمقراطية و إختيار طريقة حكم تتحقق فيها العدالة و المساواة في فرص الحكم، كما ترسم حدود حرية الفرد غير

المطلقة.

9/ مشروع الوعي البيئي:

هناك الكثير من النقاط التي يمكن إثارتها حول إدارة الثقافة في الفترة الإنتقالية، تتصدرها ثقافة الفلاحة المنزلية و المدرسية و الصناعات المنزلية و المدرسية، توظيف الفنون في التعليم و ثقافة الإصحاح البيئي الشامل.

10/ مشروعات المثقف المنتج:-

لم تعد المطبوعات، الألبومات و المسرحيات و المعارض التشكيلية قادرة على تلبية احتياجات المثقف اليومية. بل حتى الوظائف الإدارية الحكومية و الخاصة تعجز عن توفير ذلك مع زحمة العمل و الروتين. حتى يكون المثقف مستقلاً عن الوظائف قادراً على تلبية إحتياجاته اليومية لابد من التفكير في مشروعات إنتاجية بديلة غير مقيدة بالروتين.

من المشروعات القابلة للتنفيذ بأقل التكاليف، صناعة الخزف، صناعة الجلود، صناعة الخشب المضغوط، صناعة الورق المقوى و ورق الرسم للتشكيليين من خلال تدوير الورق.  مشاتل الأشجار المثمرة و الزهور الخ.

11/ مشروعات المدن الثقافية:-

بالنسبة لإدارة دفة الحكم المحلي، لابد من التأسيس لمفهوم فدرالية السودان كنظام حكم لا مركزي. كما لابد من التأسيس لرؤية كونفدرالية توحد دول حوض النيل كإستراتيجية مستقبلية لمواجهة التحديات العالمية.

خلاصة الحديث، يمكننا أن نعول كثيراً على الثقافة في توصيل الرسائل التوعوية في المرحلة الإنتقالية و بعدها. ذلك لأنها محايدة و جامعة و معنية بتنوير المجتمع عبر أدبيات جاذبة و بديلة  للخطابات السياسية و الخطب العسكرية. بلغة بسيطة جداً:- (المجتمع السوداني محتاج كلام حنين لتوعيته و ترقيع نسيج جبته المهترئة).

إن كل ما تم ذكره آنفاً لا ينزل لأرض الواقع ما لم تُخلق نماذج على مستوى المدن و قواعدها التي تتضمن الأحياء السكنية و المرافق العامة لخلق نماذج مجتمعات مثقفة و فاعلة ثقافياً.

تكمن ضرورة معسكرات المبدعين المقفولة و المدن الثقافية في الأدوار القيادية التي يمكن أن يقدمها المبدعون و المثقفون بعيدا عن الصراعات السياسية الحزبية، ذلك لأن الثقافة بأدواتها الجاذبة قادرة على توحيد وجدان المجتمعات و توجيهها توجيهاً إيجابياً و تفعيلها. من هنا كانت الدعوة لتكوين جسم ثقافي في كل مدينة و حي يحظى بالقبول الإجتماعي و للرعاية الرسمية من أجهزة الدولة المعنية بغض النظر عن اتفاقها أو اختلافها مع المحتوى الثقافي المقدم من المجتمع.

حتى نفعل هذه الخطة لابد أن نضع إعتبار للإجراءات الآتية:-

1/ عمل مسح ثقافي و خرطة ثقافية للتنوع السوداني تتقاطع فيه الفنون مع الانثروبولوجي (أطلس السودان الثقافي الإبداعي)، كما يجب حصر المبدعين (أدباء، مسرحيون، موسيقيون، تشكيليون) في كل اقليم لإمكانية التواصل و صقل المواهب تنظيم المهن الإبداعية.

2/ حصر المراكز الثقافية الرسمية و الأهلية و تهيئتها للعمل (أندية ثقافية، أندية مشاهدة، صالونات أدبية، قصور أو بيوت ثقافة، الخ.)

3/ رفع سقف الحريات الفكرية و الثقافية للمبدعين و المثقفين و حصانتهم تماما فيما يختص بحرية التعبير غير الخادش للحياء.

4/ عمل مسابقات ثقافية شهرية على مستوى المدن تبدأ بين الأحياء و المجتمعات بجوائز رمزية و منافسات مختلفة يمكن تسميتها و تحديد شروطها و معايير تحكيمها، مثل منافسة الحي الثقافي الشهرية، منافسة زامر الحي، شاعر الحي، كوميديان الحي الخ. كل هؤلاء يتنافسون على جوائز رمزية تحت مسمى (المدن الجميلة أو المدن الثقافية).

5/ الإستفادة من الرأسمالية الوطنية في رعاية منافسات شهرية في المدن و أسبوعية في الأحياء و القرى.

6/ خلق توأمات بين مدن السودان تعزز بزيارات المبدعين. مستقبلا، توأمات مع مدن أفريقية و عالمية. هذه التوأمات تعزز الإنفتاح الثقافي لدى المبدعين و تصقل مواهبهم و تفتح آفاق جديدة لبروتوكولات ثقافية.

7/ إعتماد الثقافة المدرسية من خلال الجمعيات الأدبية و تهيئتها لتكون رافداً ثقافياً داعما  للثقافة القومية، إضافة لتهيئتها للمشاركة في الدورات المدرسية بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى