اليهودية والصهيونية: قراءة في الجذور الفكرية والأزمة البنيوية لدولة إسرائيل

عبد الرحمن عبد الله محمد
هيوستن، تكساس
في طرحٍ يتحدى السردية السائدة التي تَجعل من الصهيونية امتدادًا طبيعيا لليهودية، يؤكد البروفيسور ياكوف رابكين، الأكاديمي الكندي وأستاذ التاريخ الحديث بجامعة مونتريال، أن تأسيس دولة إسرائيل لم يكن ثمرة تطورٍ لاهوتي داخل التراث اليهودي، بل جاء نتيجة تعارضٍ جذري مع جوهر العقيدة الدينية ذاتها. وخلال حوار مطوّل أجراه معه جيفري ساكس(وهو يهودي أمريكي، يعمل أستاذاً للإقتصاد السياسي في جامعة كولومبيا، في نيويورك). قدّم رابكين قراءةً نقدية لتاريخ الفكرة الصهيونية، مُفككًا التداخل بين الهوية الدينية اليهودية والمشروع السياسي الحديث الذي حمل اسمها.
يرى رابكين أن الصهيونية نشأت في الخيال البروتستانتي لأوروبا القرن السابع عشر، قبل ان تنشأ في الوجدان اليهودي. فقد تبنت طوائف بروتستانتية قراءةً حرفية لأسفار موسى الخمسة، ورأت في “عودة العبرانيين إلى الأرض المقدسة” تمهيدًا ضرورياً للمجيء الثاني للمسيح. هكذا تبلورت ما عُرف لاحقًا بـ الصهيونية المسيحية، التي وجدت صدى عميقًا في الفكر الديني البريطاني، بل وحتى عند شخصيات علمية بارزة مثل “إسحاق نيوتن”. ومع اتساع النفوذ البريطاني في القرن التاسع عشر، التحمت هذه الرؤية اللاهوتية بالمصالح الاستعمارية للإمبراطورية، التي كانت تبحث عن موطئ قدم في غرب آسيا لتأمين طريقها إلى الهند.
وفي تلك المرحلة، كما يشير رابكين، لم يكن لليهود كمجتمع ديني أي حماس جماعي نحو فكرة التجمع وتكوين دولة خاصة بهم.
لم يظهر الانخراط اليهودي الجماعي إلا مع تيودور هرتزل، الصحفي العلماني من المجر، الذي أسس ما بات يُعرف بـ “الصهيونية السياسية”. والمفارقة أن أول حلول هرتزل لمعاداة السامية كانت اقتراح التحول الجماعي إلى الكاثوليكية، لكن فكرته لم تنجح، فقرر التحول للخطة البديلة “المشروع الصهيوني”.
واجه المشروع الصهيوني منذ ولادته معارضةً عميقة من داخل اليهودية ذاتها، ومن ثلاثة مستويات:
1. الرفض الديني:
التقاليد الحاخامية المستندة إلى التلمود البابلي تؤكد وجود ثلاثة عهود تمنع اليهود من السعي لإعادة السيادة في “أرض إسرائيل”، أو احتلالها بالقوة، أو تحدي الأمم التي يعيشون فيها. وبناءً على ذلك، رأى فقهاء كثر أن الصهيونية تمثل خطيئة دينية وخروجًا على الإرادة الإلهية. ولا يزال هذا الرفض قائمًا حتى اليوم، كما يظهر في مواقف طائفة “الساتمار” المناهضة للصهيونية التي ترفع شعار: الصهيونية ضد التوراة.
2. الموقف البرجوازي الغربي:
في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، اعتبر اليهود (والذين على العكس من أقرانهم في أوروبا الشرقية، كانوا أكثر اندماجا في المجتمع. وقد ساعدهم ذلك في الحصول على وظائف جيدة وتكوين ثروات هائلة) أن الصهيونية فكرة رجعية، تُعيد إحياء الخطاب المعادي للسامية القائل إن اليهود “غرباء” يجب أن يعودوا إلى فلسطين.
3. الموقف الاشتراكي:
أما “البوند” والحركات اليسارية في أوروبا الشرقية فاعتبرت الصهيونية انحرافًا سياسيًا يلهي اليهود عن قضايا التحرر الاجتماعي والصراع الطبقي.
بلغت هذه الانقسامات ذروتها مع وعد بلفور عام 1917، حين وعدت بريطانيا بإنشاء “وطن قومي لليهود” في فلسطين، مع اشتراط حماية “حقوق السكان الأصليين”.
اللافت أن إدوين مونتاغو، الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية آنذاك، عارض المشروع و وصف الوعد بأنه “إجراء معادٍ للسامية”، لأنه يمكن ان يُشكك في ولاء اليهود لأوطانهم الأوروبية.
يشير رابكين إلى أن النواة الأولى للنخبة الصهيونية كانت مؤلفة من ثوريين علمانيين متأثرين بالثقافة الروسية مطلع القرن العشرين، وأن أغلبهم كان ممن يحمل عداءً صريحًا للدين.
هذه الخلفية الثورية -كما يقول- زرعت في الثقافة السياسية الإسرائيلية ميلاً نحو القوة، والإقصاء، والعنف الأيديولوجي. ومن رحم تلك المدرسة برز فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس “الصهيونية التنقيحية” والأب الروحي لحزب “الليكود”، الذي تبنّى مبدأ “الجدار الحديدي”: أي أن الوجود اليهودي في فلسطين لا يمكن أن يقوم إلا بالقوة، لا بالتسوية.
بعد حرب 1967، ظهر تيار جديد أطلق عليه رابكين “اليهودية القومية”. وهو تحالف بين اليمين السياسي الإسرائيلي والدين الحرفي المتشدد. هؤلاء المستوطنون المتدينون رفضوا المسالمة الحاخامية التقليدية، واستحدثوا مفهوماً جديداً هو “توراة أرض إسرائيل”، معتبرين أن الشريعة القديمة لم تعد تنطبق على واقعهم في الأراضي المحتلة، هذه الثورة العقدية تذكرنا بما فعله الخميني بتبنيه لمفهوم “ولاية الفقيه”.
يشير رابكين إلى أن هذا التحول شكل انقلابًا فكريًا على جوهر الحكمة التلمودية، التي سبق أن أبطلت النصوص الداعية إلى الإبادة الجماعية في “سفر يشوع” عبر القول بأن “الأمم قد اختلطت”.
لكن أتباع “اليهودية القومية” أعادوا إحياء القراءة العنيفة للنصوص، ليجعلوا منها أداة تبرير لسياساتهم الميدانية، متحولين من تقليد التسامح إلى لاهوت القوة.
قراءة موازية: إسرائيل على حافة الانهيار البنيوي
على صعيد آخر، وفي دراسة حديثة، يقدم الاقتصادي الأميركي ريتشارد وولف تشخيصًا مكملاً لما يصفه بـ “الأزمة البنيوية الشاملة” في إسرائيل، حيث تتقاطع أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية في نقطة حرجة تهدد بتمزق الكيان من الداخل.
أولاً: الاقتصاد – من الدولة الراعية إلى النيوليبرالية المفترسة
بدأ الاقتصاد الإسرائيلي موجَّهًا من الدولة، ثم تحوّل منذ الثمانينيات إلى نموذج نيوليبرالي مفرط في الخصخصة.
ورغم الشعار اللامع الذي حاولت الحكومة الاحتفاء به “أمة الشركات الناشئة”، فإن هذا التحول عمّق التفاوت الطبقي، وترك شرائح واسعة من المجتمع خارج دائرة النمو، وهنا تبرز قضية التفاوت الطبقي الكبير بين اليهود المنحدرين من أصول أوروبية من جهة، والمنحدرين من أصول عربية وافريقية من جهة اخرى.
ثانيًا: السياسة – ديمومة الأزمة كأداة حكم
يصف وولف إسرائيل بأنها دولة استعمار استيطاني تعتمد على إدارة الأزمات لا حلها.
ويرى أن نتنياهو جعل من “الاستقطاب المستمر” آلية للبقاء السياسي، مما حوّل النظام برمّته إلى مشروع مأزوم ذاتيًا.
ثالثًا: المجتمع – تفكك العقد الاجتماعي
لم يعد المجتمع الإسرائيلي كيانًا متجانسًا، بل أصبح فسيفساء من جماعات متباعدة. اما الجيل الجديد فلم يعد يرى الصراع مع الفلسطينيين “مقضية أمنية”، بل كمشكلة أخلاقية تتعلق بمشروعية قتل أمة بأكملها تحت ذرائع الأمن.
رابعًا: الجيش والاقتصاد – دورة العسكرة
يربط وولف بين المؤسسة العسكرية وقطاعات التكنولوجيا العليا، حيث تحوّل الجيش إلى مختبر لتجريب التقنيات قبل تسويقها عالميًا، وغالبًا ما تُختبر هذه الأدوات على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة (لاسيما تلك المستخدمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة والتتبع والتصنت).
وهكذا أصبحت العسكرة مصدر ربح، والربح يولّد تفاوتًا اجتماعيًا، والتفاوت يُعمّق هشاشة النظام — في حلقة مغلقة لا فكاك منها.
خامسًا: التعاون الأمني العربي – شراكات مصلحية في الظل
يشير وولف إلى اتساع التعاون بين شركات الأمن الإسرائيلية، مثل “بيغاسوس”، وبعض الأنظمة العربية في مجالات المراقبة السيبرانية.
هذا الارتباط الاقتصادي جعل تلك الأنظمة تحاذر انتقاد إسرائيل علنًا رغم ممارساتها في غزة والضفة، اتقاءً لاضطراب علاقات المصالح.
يخلص وولف إلى أن إسرائيل وصلت إلى مفترق تاريخي حاسم:
فإما أن تنحو نحو السلطوية والعسكرة الكاملة، أو تُعيد صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمساواة.
لكن ما يجعل هذا التحول شبه مستحيل هو أن النيوليبرالية الإسرائيلية أصبحت متشابكة عضويًا مع الاحتلال والعسكرة والإقليمية الأمنية، ما يجعل الأزمة ليست عابرة أو ظرفية، بل بنيوية في جوهر الدولة ذاتها



