اقالة محافظ البنك المركزي… عاصفة الذهب

المحقق – نازك شمام
“البنك المركزي يمارس دوره بكفاءة، ولم يتوقف يوما عن مراقبة السوق أو التدخل عند الضرورة” ربما لم يدر بخلد محافظ بنك السودان المركزي، برعي الصديق وهو يدفع بهذه الإجابة رداً على سؤال للجزيرة نت قبل أربعة أيام أن هذه الاجابات ستكون الاخيرة كمحافظ لبنك السودان، الصديق الذي جاء قرار إعفائه اليوم بصورة مفاجئة أثارت جدلا كبيراً في الاوساط الاقتصادية بعد مضي أكثر من عامين على جلوسه في المنصب.
في مايو 2023 تم تعيين الصديق خلفا لسلفه حسين يحي جنقول على سدة بنك السودان المركزي في ظروف اقتصادية وسياسية معقدة فالحرب التي اشتعلت بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع طال تأثيرها القطاع المصرفي بعد أن تسببت في أضرار جسيمة للقطاع المصرفي، أبرزها خروج 72% من فروعه عن الخدمة بسبب الدمار والنهب، وتوقف النشاط الاقتصادي، مما أدى إلى أزمة سيولة حادة وارتفاع نسبة التعثر في القروض إلى 50%. كما تسبب تآكل رأس مال البنوك وانخفاض قيمة العملة الوطنية في ضعف قدرتها على خدمة العملاء، كل هذه التحديات واجهها الصديق وهو يقود دفة بنك السودان بالإضافة الى التدهور المستمر في سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الاجنبية.
أمضي الصديق ما يقارب الاربعين عاما كموظف في بنك السودان المركزي بعد تعينه في العام 1986 وخلال هذه الفترة تنقل في ادارات البنك المختلفة الى ان وصل الى منصب المحافظ وسار الامر طبيعيا إلى سبتمبر الماضي بعد أن أصدر بنك السودان قرارا باحتكار صادر الذهب وهنا واجه القرار حملة مضادة عنيفة من مصدري الذهب باعتبار ان القرار سبق تجريبه ولم يكتب له النجاح وتسبب في اهدار موارد الذهب وتهريبه إلى الخارج.
ومنذ احتكار المركزي لصادر الذهب واجهزة الدولة في انعقاد شبه دائم لمتابعة القرار عبر اجتماعات تضم الجهات ذات الصلة.
وأمس الاول ترأّس وزير المعادن، نور الدائم طه، اجتماع اللجنة التنسيقية لمناقشة الخطة الاستراتيجية المقترحة لتأمين قطاع التعدين ومكافحة التهريب.
وضم الاجتماع كذلك وزير المالية جبريل إبراهيم محمد، ووزير الاتصالات والتحول الرقمي أحمد الدرديري غندور، ومحافظ بنك السودان برعي الصديق، ووالي ولاية البحر الأحمر، الفريق ركن، مصطفي محمد نور، ومدير قوات الجمارك ممثل وزير الداخلية، الفريق صلاح احمد إبراهيم ونائب مدير جهاز المخابرات العامة، وقائد منطقة البحر الأحمر العسكرية بجانب عددا من ممثلي الأجهزة الأمنية والاقتصادية والجهات ذات الصلة.
واستعرض الاجتماع محاور الخطة التي تهدف إلى تعزيز الرقابة على عمليات التعدين وتداول المعادن، وتطوير آليات التنسيق بين الجهات المعنية، وتوظيف التقنيات الحديثة لضمان الشفافية وتقليل الفاقد من الثروات المعدنية.
وأكد وزير المعادن أن الخطة تمثل أحد أهم موجهات الحكومة لحماية الموارد الوطنية وتعظيم عائداتها، والعمل على بناء منظومة تعدين آمنة وفعّالة تتيح زيادة الإنتاج، جذب الاستثمارات، حماية شركات التعدين من التعديات المتكررة، وتقليل الآثار البيئية والصحية السالبة للتعدين التقليدي.
إلا ان مصادر أكدت لـ (المحقق) ان الاجتماع شهد نقاشا حاداً حول قرار احتكار صادر الذهب لبنك السودان من الحضور الذين أكدوا على فشل القرار إثر الهبوط المستمر لقيمة الجنيه السوداني أمام الدولار والعملات الأجنبية حيث تجاوز سعر الجنيه 3600 مقابل الدولار الواحد وبحسب المصادر فان الصديق خرج من الاجتماع غاضبا على مناهضة قراره.
واكدت المصادر على ان هنالك تحفظات عدة على اداء الصديق خلال الفترة الماضية على صعيد القرارات التنفيذية والإدارية بالبنك.
ويقول رئيس شعبة مصدري الذهب، عبد المنعم الصديق ان المشكلة ليست في المحافظ وإنما في السياسات التي يتم اتخاذها.
وكشف الصديق في حديثه لـ (المحقق) عن وجود مجموعة سيطرت على صادر الذهب دون حسيب أو رقيب تسببت بدورها في عدم استفادة الدولة من صادر الذهب.
وقال إن هناك مجموعة من الأفراد ادعت انها تمثل لجنة صادر الذهب واجتمعت بالسيد دواة رئيس الوزراء ومجموعة من وزراء الاقتصاد بالدولة
ان هذه المجموعة وجدت سنداَ من غير حق من مجموعة من الجهاز التنفيذي الذي شكل لها الدعم مما جعلها تجتمع مع رئيس الوزراء وتتوعد بإقالة كل من يقف ضد مصالحها
واتهم الصديق هذه المجموعة بالتسبب في خفض قيمة الجنيه السوداني وتحميل المواطن المغلوب على أمره.
ونوه الى أن هذه المجموعة تشتري الذهب بأعلى من الاسعار العالمية ما أدى إلى هذا التدهور المريع إلى الاقتصاد والجنيه السوداني.
وناشد الصديق رئيس الوزراء بتكوين لمراجعة عائد الصادر لفترة ما بعد الحرب ومقارنته بالكميات التي تم تصديرها وهل تم الاستفادة من كل ما صدر اما ان هناك مبالغ قد جنبت ولم تستفد منها البلاد.
واكد اختلافهم مع السياسات الأخيرة لاحتكار صادر الذهب لبنك السودان.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي محمد الناير أن إقالة محافظ بنك السودان المركزي برعي الصديق أمر طبيعي في الخدمة المدنية في كل مواقع الدولة.
وأضاف أن المسألة قد لا تتعلق بالأشخاص أحيانًا، وإنما تتعلق بالسياسات التي تتخذ.
وقال في تصريح لـ(المحقق): إن اقتصاد الحرب يختلف عن الاقتصاد في الظروف العادية. وأضاف أن الظروف العادية يكون فيها نوعان من الاقتصاد: الندرة والوفرة، ولكل منهما احتياجاته.
وأوضح أن هذا يحتاج إلى سياسات تتعلق بالسياسة المالية، التي تعنى بها وزارة المالية، أو السياسة النقدية التي يعنى بها بنك السودان.
ولفت إلى أن الظروف الحالية تحتاج إلى ديناميكية عالية وسياسات تستطيع من خلالها مواجهة التحديات التي تواجه الاقتصاد، خاصة السياسات النقدية.
وقال الناير ان محافظ المركزي السابق بذل جهدًا في انتقال المصارف ورئاساتها بعد الدمار الذي أصابها في الخرطوم، والانتقال إلى بورتسودان واستعادة الأنظمة وبداية العمل، إلى أن وصلنا إلى تطبيق البنكية وتحويل بين البنوك جميعها، وهي خطوات ممتازة وأدت إلى حلول كبيرة، رغم أنها تأخرت كثيرًا.
وتوقع الناير أن يتم إصدار سياسات تتوافق مع متطلبات المرحلة.



