قراءة في سياق سقوط الفاشر المر

لواء ركن م.د. جعفر أحمد خليفة
في البدء، لقد كان واضحاً لمن يتمعن الموقف بغرب البلاد وتطوراته اليومية بعيداً عن العاطفة، أن الفاشر ستسقط يوماً ما بسبب تكرار عمليات الهجوم عليها مقابل تعذر إمدادها وإنقاذها. فمهما أوتي مقاتلونا من جَلَدْ وصبر وعزيمة وشجاعة، فهم بشر.
تكرار الهجوم على مدينة الفاشر يشير إلى مدى عزم صاحب خطة الحرب على تنفيذ خطته مهما كلف ذلك من دماء وأرواح ، فعنده الغاية تبرر الوسيلة. لم يكن تاريخ سقوط الفاشر مصادفة عندما تزامن مع فقاعة التفاوض بواشنطن أياً كان حقيقته وهويته ومع أيٍ كان، بل ذلك يشير بكل جلاء إلى صاحب الخطة الحقيقي مهما توارى خلف الشعارات الكاذبة الخادعة، كما يشير إلى حجم المؤامرة.
واهم من يظن يوماً أن أمريكا تسعى إلى إحلال السلام أو الديموقراطية ببلادنا كما تروج، فمرتكزات سياستها الخارجية تقوم على ثوابت لا تحيد عنها أي حكومة أميريكية، ولقد سطرها في دفتر مخططاتهم العقل ال ص هي وني المسيطر على مفاصل القرار في أمريكا ذات نفسها. من تلك الثوابت ما يلي:
* نظرية إثارة الفوضى الخلاقة أو البناءة داخل ما يعتقدونها دولاً ومجتمعات مهددة لمصالحهم الاستراتيجية تمهيداً للسيطرة عليها من خلال أنظمة تابعة لهم. مفردة خلاقة أو بناءة تعني خلق أو إعادة بناء أنظمة تعقب مرحلة الفوضى.
* إعادة تقسيم الشرق الأوسط بما يؤمن مصالحهم.
إن إسقاط مدينة الفاشر الاستراتيجية بعد تلك المحاولات المتكررة، ومن قبله إسقاط حكومة الإنقاذ بذلك الأسلوب (تسقط بس) في انتفاضة اصطنعت معظم أسبابها بعناية (لا أنفي وجود أسباب داخلية تحتم السقوط لكن بشكل منظم) ، انتفاضة دون أدنى أهداف وطنية واضحة ودون قادة مدنيين وطنيين حقيقيين غير مصطنعين، وما تلا ذلك من فوضى مقصودة، وتطوير أدوات إنهاك الدولة السودانية المتوج بتوظيف قوات الدعم السريع ودعم تمردها على الدولة، كل ذلك وغيره ينبغي أن يفهم في سياق ثوابت استراتيجيات الولايات المتحدة والغرب تجاه بلادنا السودان وغيره من البلاد ، ولا ينبغي كذلك أن يجرد من سياق العلاقة التنظيمية بين الولايات المتحدة ودويلة الكيان المغتصب وأهدافها التوسعية من الفرات إلى النيل ، وما سوى ذلك من قوى معادية تبدو في المشهد ، لا تعدو أن تكون مجرد أدوات.
تزامُن سقوط مدينة الفاشر مع فقاعة حوار أطلق بالعاصمة الأمريكية يفرض سؤالاً جوهرياً دونه أسئلة تترى، ألا وهو:
هل العقل السياسي الذي يدير حكومتنا مدرك لثوابت السياسة الأمريكية ونواياها الحقيقية تجاه بلادنا؟
ثم، ألا تستطيع الولايات المتحدة ومن دار في فلكها إيقاف الحرب بمهاتفة فقط لابن زايد إن كانت لديها إرادة حقيقية لإيقاف الحرب؟ ألا يكفينا ما شهدناه من اختلال في ميزان العدالة لدى ما يسمى بمؤسسات العدل الدولية وما شابهها من منظمات والتي تسيطر على قرارها ذات القوى الغربية، بعد أن أودعت حكومتنا أمامها كل الأدلة والمستندات التي تدين من يبدو لاعباً حقيقياً في المشهد بدعمه للتمرد بأدوات الانتهاكات فأصبح هو المساءل قانوناً؟ ماذا فعلت تلك المؤسسات إزاء ما يحدث من جرائم المليشيا بدارفور وما سبقها من انتهاكات حيثما وطئت أقدامها ؟ إلى متى تظل سياستنا الخارجية أسيرة لوهم ما يسمى بالمجتمع الدولي ومؤسساته الاستعمارية؟ وهل المجتمع الدولي هو الغرب وحده؟
ثمة سؤال آخر محوري ومُلح ظل يخيم على المشهد منذ اندلاع التمرد ، ألا وهو : هل استكملنا توظيف كل قوى الدولة لدعم المجهود الحربي؟ لا أعتقد ذلك أبداً، خاصة فيما يتعلق بسياستنا الخارجية وعلاقاتنا الدولية، وبعض شؤوننا الداخلية والتي منها على سبيل المثال المرجعيات القانونية التي يُمكن عبرها تحجيم موالاة التمرد من خلال أحكام رادعة وناجزة تطال المتعاونين والمؤيدين ولو بالكلمة ، فالمرجعيات السائدة لا ترتقي إلى حجم التحدي الماثل.
المطلوب إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة وحشد كل الإمكانيات لدعم المجهود الحربي بكل شفافية، فما حدث ليس مجرد تمرد ، إنما هو تدخل أجنبي يستهدف وجودنا. ما أضحت القوى الاستعمارية تتدخل تدخلاً عسكرياً مباشراً في أراضي الدول الأخرى طالما يوجد من ينوب عنها.
لابد من استثمار كل قوى الدولة المتاحة لأجل تعجيل إنهاء التمرد وإحلال السلام، حتى نُفَوِّت على أصحاب خطة الحرب الحقيقيين فرصة تحقيق هدف طالما سعوا إليه، والذي يتمثل في فرض حكومة من أشخاص موالين لهم ، وما أن فشلوا في ذلك من خلال ما عرف بالاتفاق الاطاري ومن خلال انقلاب خاطف ، فإنهم يسعون إلى تحقيقه من خلال إطالة أمد الحرب حتى يسأم ويمل المواطن والجندي ويقبل الجميع بأي سلام مهما كانت شروطه مذلة. واضح جداً تلك هي الخطة التي يجري تنفيذها الآن ، وإلا فإن تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية ، وإدانة دولة الإمارات ومنعها تقديم إمداد للمتمردين لأهون وأيسر من كل تلك المساعي الماكرة.
نقطة أخرى، نعم للقيادة العسكرية تقديراتها متى تتقدم القوات ومتى تهجم ومتى تنسحب ، لكن هنالك بطء واضح في تطوير الانتصارات السابقة إلى عمليات مطاردة مما أتاح فرصة لقوات التمرد المُطَارَدة لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب صفوفها ومهاجمة قواتنا في غيرما موقع في العمق، ولقد تكرر ذلك كثيراً. هذه الثغرة إن لم تعالج أسبابها سيظل مجهودنا الحربي كالنفخ في قربة مثقوبة.
أتمنى أن تتدارك قيادة الدولة والحكومة المدنية ما أشرت إليه من نقاط ، فهي بإذن الله تزيدنا قوة ووحدة ، والعالم لا يحترم غير الأقوياء.



