رأي

الفاشر… معركة الشرف التي لم تنتهِ بعد!

مهند عوض محمود

في زمنٍ تلتبس فيه الحقائق وتُزوَّر فيه المفاهيم، تبقى الفاشر شاهداً ناطقاً على أن البطولة لا تُقاس بالمسافات التي نقطعها، بل بالمواقف التي نصمد فيها ؛ فالفاشر لم تسقط كما يدّعي المرجفون؛ الفاشر انسحبت منها قواتُنا انسحاباً تكتيكياً محسوباً، لا هزيمةً ولا هروباً ؛ بل انسحابٌ يُكتَب في سجل الشرف العسكري، اتُّخِذ بعد أن استُنفدت كل الوسائل، وبعد أن قاتل الجنود والضباط والمستنفرون حتى الرمق الأخير، في مواجهة أكثر من مائتين وسبعةٍ وستين هجوماً متتالياً هلك خلالها آلاف الجنجويد ومرتزقتهم. هؤلاء لم ينسحبوا ضعفاً؛ بل انسحبوا حفاظاً على ما تبقّى من أرواح المدنيين، بعدما سطّروا ملحمةً من الصمود لا تُنسى.. وبعد أن احتشد للهجوم آلاف المرتزقة والمأجورين ومعهم أحدث الأسلحة والمركبات المصفحة والمسيرات والمدفعية.

لقد واجه جيش الفاشر والقوات المشتركة والمواطنين ظروفاً قاسيةً لا تحتملها الجبال؛ جوعاً حتى أكل بعضهم أوراق الأشجار والامباز، عطشاً في أرضٍ أنهكها الحصار، وقذائفَ لا تهدأ ليلَ نهار. ومع ذلك صمدوا بشرفٍ نادرٍ، ولو أرادوا الاستكانة لانسحبوا منذ عام ونصف، ولكنهم آثروا أن يحموا الفاشر حتى اللحظة الأخيرة.
طوبى لكل جنديٍ وضابطٍ حمل السلاح دفاعاً عن المدينة وأهلها؛ طوبى لكل مستنفرٍ قاتل في الصفوف الأمامية دون كللٍ أو تراجع؛ وطوبى لأهل الفاشر الذين صبروا وصمدوا إلى جانب جيشهم، وكانوا مثلاً في الإيمان والكرامة. والجنة والخلود للشهداء مواطنين و عسكريين.

نحن على يقينٍ راسخٍ أن القوات المسلحة تمتلك من الخطط والقدرات ما يجعلها قادرةً على إعادة كل شبرٍ من أرض الوطن إلى حضنه الدافئ؛ فجيشنا لا ينسحب إلا ليعود أقوى، ولا يُعيد التموضع إلا تمهيداً لهجومٍ منظمٍ محسوب. الجيش السوداني لم يُهزم يوماً في الإرادة، وقد أثبتت الأحداث أن صموده صخرةٌ تتحطم عليها أوهام المليشيات ومرتزقتها؛ فالقوات المشتركة والمستنفرون أثبتوا أن الوطن لا يُباع ولا يُساوَم، وأن الدماء التي سالت في الفاشر هي عهدٌ بالتحرير القادم.

أما من اغتصب الأرض بعد الانسحاب، فتكشف أفعاله وجهه الحقيقي؛ فقد تحوّلت الفاشر في سويعاتٍ قليلةٍ إلى مسرحٍ للجرائم والانتهاكات التي لا يبررها دينٌ ولا قانون. المليشيا الإرهابية التي استباحت المدينة مارست القتل والنهب والتعذيب بحق المدنيين العُزّل، في خرقٍ صارخٍ لميثاق روما والقوانين الدولية التي تُلزم القوة المسيطرة بحماية السكان وتأمينهم. لكن ما حدث في الفاشر كان العكس تماماً؛ فبدلاً من تأمين الناس، نُهبت بيوتهم، واغتُصبت نساؤهم، واحتُجز شيوخهم، وقُصفت المرافق المدنية. هذه الجرائم ليست الأولى من نوعها؛ فقد تكرّر ذات المشهد في الجنينة والجزيرة والخرطوم من قبل، وهو ما يؤكد أن ما يجري ليس تصرفاتٍ فردية، بل نهجٌ متعمّدٌ ومنظَّم.

إن ما جرى في الفاشر كافٍ وحده لتصنيف الدعم السريع مليشيا إرهابية؛ ليس لأننا نطلق الأوصاف جزافاً، ولكن لأن الوقائع والشهادات الميدانية والمشاهد المصوّرة تؤكد أنهم تجاوزوا كل حدود الإنسانية. لقد شاهد العالم بأسره ما ارتُكب من فظائع؛ لم تعد هناك ذرائع للسكوت ولا مبررات لغضّ الطرف؛ فإذا لم يُصنَّف من يرتكب هذه الجرائم إرهابياً، فماذا تبقّى من معنى للعدالة الدولية؟ العالم اليوم كله شاهدٌ على ما حدث في الفاشر، وإذا صمت المجتمع الدولي عن هذه الجرائم، فسيكون شريكاً فيها بصمته.

لا تفاوض مع الإرهاب ولا مصافحة مع من لوّثت أيديهم بدماء الأبرياء؛ لا سلام يُبنى على جثث المدنيين ولا مصالحة تُغطّي على المذابح. من أراد السلام فليضغط على المليشيا لتلقي سلاحها وتسلم مجرميها، لا أن يطالب الجيش بالتنازل عن سيادته وشرفه. أما جيشنا الباسل والقوات المشتركة والمستنفرون، فلغتهم واحدةٌ لا لبس فيها؛ لغة العزيمة والواجب، لغة السلاح المنضبط بالشرف العسكري، لا يعرفون الخيانة ولا يفاوضون على الكرامة.

وليعلم المخذلون وأبواق الإعلام المأجورة الذين سارعوا إلى إعلان “سقوط الفاشر” قبل انسحاب الجيش، أنهم لا يقلّون خيانةً عن من حمل السلاح ضد الوطن؛ هؤلاء يمثلون الكتيبة الإعلامية للعدو، ويجب أن يُقدَّموا لمحاكماتٍ فوريةٍ عادلةٍ بتهمة ترويج الشائعات وبثّ الوهن في صفوف الشعب؛ فالكلمة الخائنة لا تقلّ خطراً عن الرصاصة الطائشة، والوعي المزيّف أشد فتكاً من القنبلة.

إننا اليوم لا ندعو إلى حربٍ عبثية، بل نؤكد أن معركتنا هي معركةُ كرامةٍ وعدالةٍ وبقاء. نثق أن الجيش يملك الخطط المحكمة لإعادة ترتيب الصفوف واسترداد الأرض وتأمين المدنيين؛ نؤمن أن الفاشر ستعود، وأن دارفور بكل ولاياتها ستعود إلى حضن الوطن قريباً، لأن الحق لا يُهزم حين يقف خلفه رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

الفاشر لم تمت، بل تنزف لتلد فجراً جديداً؛ دارفور لن تُغتصب، بل ستنهض من بين الركام مكللةً بعزيمة أبنائها. وكل من ظنّ أن السودان يركع، نسي أن في هذا التراب جيشاً لا يعرف الانكسار، وشعباً إذا جاع قاتل، وإذا أُهين صبر، وإذا صبر انتصر.

ستعود الفاشر، وستعود دارفور، وسيرتفع علم السودان من جديدٍ على أسوارها، لأن الحق باقٍ ما بقيت في هذه الأرض قلوبٌ تنبض بالإيمان، ودماءٌ تجري باسم الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى