رأي

السودان وإختبار الوعي الاستراتيجي

 

د كتورة كوثر أحمد السجان

يعيش السودان اليوم أحد أكثر فتراته التاريخية حرجًا وتعقيدا، حيث تتقاطع التحولات والتطورات الميدانية الدامية (المرتبطة بسقوط الفاشر وما يرتكب فيها من مجاذر وإبادة و إنسحاب الفرقة السادسة من موقعها في المنطقة وتمدد قوات الدعم السريع في شمال كردفان وما يعنيه ذلك من تبدل في موازين القوى العسكرية) مع الأسئلة الوجودية الكبرى حول معنى الدولة، وبقائها ومَن يمتلك الشرعية في تمثيلها والدفاع عنها؟

 

فالحرب لم تعد مجرد مواجهة بين الجيش ومليشيا متمردة فقط بل أفرزت نقاشاً سياسياً وإستراتيجياً واسعاً حول إتحاهات الصراع ومستقبل الدولة ، بما يجعل هذه الحرب تتحول إلى اختبار شامل وتاريخي للوعي الاستراتيجي للسودان دولةً ونخبًا ومجتمعًا.

 

فقد إثبتت هذه الحرب أن السودان لا يمكن أن يُدار بشعارات أو أيديولوجيات أو تحالفات مؤقتة، بل بمنطق التحول الواقعي القائم على حماية بقاء الدولة أولًا.

وهذا التحول يعني أن الحديث عن انتقال سياسي أو مدني لا يمكن أن يتحقق قبل تثبيت الأمن واستعادة مؤسسات الدولة المنضبطة.

التحول الواقعي لا ينفي المدنية، لكنه يضعها في ترتيبها الصحيح:

*الأمن أولًا، ثم البناء المؤسسي ، ثم التحول السياسي.*

 

كما أن أي انتقال سياسي لا يمكن أن ينجح دون تحول في البنية الاجتماعية والاقتصادية ويُعيد تشكيل الولاء من القبيلة والجهوية إلى الدولة (الانتماء الوطني)، وهو ما يتطلب إصلاحاً إقتصادياُ عميقاً يربط الاستقرار السياسي بالنمو الانتاجي والمنافع الاقتصادية والعدالة في توزيع الموارد ومحاربة الفساد.

 

الخطير في الامر ليس فقط الوضعية المنهارة التي نعيشها في كل المناحي والقطاعات والفظائع والمجازر التي نشهدها أو المتغيرات والتطورات المتلاحقة المرتبطة بالحرب وتعدد الجبهات ، بل في غياب الوعي الاستراتيجي لدى النخب السياسية التي ما زالت تتعامل مع الأزمة بعقلية “السلطة” لا “الدولة”.

فالمعركة الحالية ليست حول مَن يحكم ، بل حول هل تبقى الدولة أصلًا.

وهنا يُختبر وعي النخب والمجتمع معًا: هل يدركون أن دعم الجيش الآن لا يعني عسكرة الحكم، بل حماية كيان الدولة من التفكك؟

وهل يمكن للنخبة أن تتجاوز صراعاتها الأيديولوجية لتبني مشروعًا وطنيًا جامعًا يتعامل مع الواقع كما هو لا كما تتصوره الشعارات؟. أي الانتقال من خطاب الثورة والحكم المدني والانتقال السياسي إلى منطق بقاء الدولة، فقد أثبتت الحرب أن الولاءات القبلية والجهوية لا يمكن أن تؤسس لدولة مستقرة ، وأن الجيش يظل بلا شك الضامن الوحيد لوحدة البلاد رغم ما يواجهه من تحديات وتراكم أخطاء وضغوط دولية.

 

المشهد في السودان اليوم لايصح أن ننظر إليه على أنه مسرحاً لمعركة عسكرية ، بل هو إختبار لقدرة الدولة على إعادة ترتيب أدواتها الإستراتيجية وفقاً لفكر إستراتيجي متقدم يتطلب إتساعاً حقيقياً في دائرة إتخاذ القرار الإستراتيجي و إدماج أدوات السياسة الخارجية و الإقتصادية و السياسية كأدوات دفاع جديدة تستخدمها الدولة لبقائها و حفظ سيادتها.

فالمخاطر متعددة الأبعاد (عسكرية ، سياسية ، إقتصادية ، إجتماعية ، دبلوماسية ، إنسانية) تتطلب أن تتجاوز القيادة الحالية منطق «القرار المغلق» نحو دائرة قرار أوسع تضم القوى العسكرية والاقتصادية والفكرية ووزارة الخارجية.

فالحرب لا تُدار بالبنادق فقط، بل تحتاج إلى دبلوماسية فعّالة واقتصاد منظم وإعلام ذكي.

 

توسيع دائرة القرار لا يعني تقويض سلطة الجيش أو التشكيك في دوره، بل على العكس، هو توسيع لقاعدة الدعم الوطني حوله، وتحويل الحرب من معركة مؤسسة إلى معركة وطن بأكمله.

لقد أثبتت التجارب التاريخية بأن القرارات العسكرية، مهما بلغت قوتها ونضجها، لا يمكن أن تُترجم إلى انتصار دائم ما لم تُسند برؤية سياسية واقتصادية ودبلوماسية متكاملة، فلايمكن للدولة أن تنتصر عسكريًا دون أن تمتلك رؤية استراتيجية شاملة تستوعب كل أدوات القوة.

 

وهنا يبرز مفهوم الاقتصاد السياسي إلى السطح بقوة كأداة فاعلة للدفاع الوطني، فالاقتصاد ليس مجرد نشاط إنتاجي بل أداة لصناعة موازين القوة، خاصة أن السودان بما يمتلكه من موقع جغرافي متميز وموارد إستراتيجية ضخمة يستطيع أن يصوغ علاقاته الدولية على أساس المصالح الاستراتيجية لا على أساس التبعية. كما أن التحولات الدولية التي نشهدها اليوم تتيح للسودان التحرك نحو المحور الآسيوي الذي يسعى بقوة إلى تعزيز حضوره في أفريقيا، لذلك فإن تحريك ملف الاقتصاد السياسي أصبح ضرورة لبناء شراكات وتحالفات استراتيجية جديدة تخفف من الضغوط الغربية، لكن هذا الانفتاح لابد أن يُدار بذكاء دبلوماسي وبما يحفظ سيادة السودان. أي لابد من دبلوماسية واقعية جديدة تستند إلى المصالح وليس الاصطفاف الأعمى مع محور ضد آخر، بتوظيف الموقع والثروات بذكاء لتحقيق توازن بين القوى الدولية ، وإرسال رسالة واضحة أن بقاء السودان واستقراره مصلحة عالمية، وأن دعم الجيش في هذه المرحلة هو دعم لبقاء الدولة لا لطرف من أطراف الصراع ، أي إستخدام ورقة الاقتصاد لخلق دوائر دفاعية جديدة تعيد صياغة علاقات السودان الخارجية لصالح بقاء الدولة وسيادتها.

 

علينا أن ندرك أن السودان اليوم في معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، فالانتصار الحقيقي ليس في إيقاف أصوات السلاح مؤقتا ، وإنما باعادة بناء مؤسسات قادرة على منع تكرار الصراع. وهذا لن يتحقق إلا عبر وعي إستراتيجي جديد يقوم على الربط بين الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية في منظومة واحدة، وتحويل الموارد إلى أدوات سيادة ، وتوسيع دائرة القرار وهذا ليس ترفاً سياسياُ بل هو ضرورة بقاء لدولة مازالت تقاتل من أجل وجودها ، وأيضا تثبيت شرعية الدولة عبر قدرتها على حماية مواطنيها وتلبية حاجاتهم الأساسية.

 

إن إختبار الوعي الاستراتيجي هو لحظة صدق بين الدولة ونخبها وشعبها ، فإما أن ندرك إدراكاً حقيقياً لطبيعة المرحلة، ونتعامل مع الواقع بعقلية الدولة ، وإما أن نخسر الوطن كله .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى